أسئلة حول مقتل «رئيس الحوثيين»
بقلم/ د. محمد جميح
نشر منذ: شهر و 20 يوماً
الأحد 29 إبريل-نيسان 2018 10:40 ص


يوم الإثنين الماضي أعلن الحوثيون عن مقتل صالح الصماد رئيس المجلس السياسي الأعلى الحاكم في صنعاء، وذكرت قناة «المسيرة» أن «طيران العدوان ارتكب جريمة نكراء» بقتل صالح الصماد، في إشارة إلى اتهام التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بقتله في ضربة جوية.
يمكن هنا ذكر بعض الحوادث والملاحظات اللافتة:
الأولى أن الصماد أعلن عن مقتله في محافظة الحديدة التي يوجد فيها أكبر موانئ البلاد على ساحل البحر الأحمر، وهذا يؤشر إلى قلق الحوثيين من اقتراب المعارك من مدينة الحديدة، وخشية متصاعدة لديهم من هجوم للقوات الحكومية أو تلك التي يقودها طارق صالح نجل الأخ غير الشقيق للرئيس الراحل علي عبدالله صالح. وقد كان الصماد في الحديدة لترتيب إجراءات صد الهجوم الذي ربما تشير مؤشرات إلى قربه.
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال حول من هم الذين قتلوا مع الصماد؟ عبدالملك الحوثي في كلمة تأبينية بثتها قناة «المسيرة» له، قال إن ستة «استشهدوا» مع الصماد، دون أن يذكر من هم، وهل هم من القيادات العسكرية والسياسية للبلاد، أم أنهم مجرد حراسات أمنية في موكب الصماد؟ لكن بعيداً عن ذلك، يبدو أن الحوثيين تلقوا ضربة موجعة، وأن التحالف حقق اختراقاً أمنياً واستخباراتياً كبيراً مكنه من رأس الصماد الذي رصد له من قبل مبلغ 20 مليون دولار.
الشيء اللافت هنا أن قناة «المسيرة» الحوثية ذكرت في تقرير لها يوم السبت قبل الماضي أن الصماد قام بزيارة لورشة تصنيع الأسلحة، وعرضت لقطات للصماد وهو يستعرض بعض القطع الحربية الخفيفة، وذلك بعد مقتله بيومين، حسب ما أوردت القناة. كما أن وكالة «سبأ» للأنباء – الخاضعة لسيطرة الحوثيين- أوردت خبراً عن أن الصماد التقى بقيادات السلطة المحلية لمحافظة الحديدة يوم الجمعة أي بعد مقتل الرجل، حسب قناة «المسيرة».
ونتيجة لتلك الأخبار المتضاربة دخل المشهد في صنعاء، الاثنين الماضي في حالة من الإرباك، إذ كيف يقتل الصماد يوم الخميس، ثم يلتقي بمسؤولين في السلطة المحلية للحديدة يوم الجمعة، ويزور ورشة تصنيع عسكري يوم السبت، بعد مقتله بيومين؟!
فتح ذلك التصرف من الحوثيين في اللعب بالمواد الخبرية باب التكهنات لدى بعض المعلقين على احتمالية قيام الحوثيين بتصفية الصماد، على خلفية خلافات أصبحت معروفة بين صالح الصماد كرئيس لأعلى هيئة تنفيذية في سلطة الانقلاب في صنعاء، ورجل الحركة القوي محمد علي الحوثي رئيس اللجنة الثورية العليا، الذي تتحدث تقارير عن استحواذه على ملفات واسعة في تجارة المحروقات والجمارك والأراضي وغيرها من القطاعات الاقتصادية، والذي يسعى إلى تقويض صلاحيات الصماد في المجلس السياسي، حسب هؤلاء المعلقين.
في الوقت ذاته، مال متابعون للشأن اليمني إلى ترجيح فرضية مقتل الصماد بضربة جوية (وهذا هو الاحتمال الأقوى)، وعللوا تخبط قناة «المسيرة» في ترتيب الأخبار، بأن ذلك كان من أجل إتاحة الفرصة لترتيب «البيت الحوثي» الداخلي، وإبقاء خبر مقتل الصماد متكتماً عليه، حتى يتم اختيار بديله الذي أعلن عنه في يوم مقتل الصماد، والبديل هو مهدي المشاط مدير مكتب زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي وصهره. 
ومما زاد الأمور تعقيداً في فهم المشهد لدى البعض، أن التحالف العربي حتى هذه اللحظة لم يتبنَ عملية اغتيال الصماد، وقد صدر عنه تعليق مقتضب قال فيه إن مصير الصماد هو المصير الذي ينتظر كل الإرهابيين، دون أن يشير إلى مقتله بضربة جوية. وهنا يمكن القول إن التحالف العربي يريد أن يتيح الفرصة لمزيد من التكهنات بشأن مقتل الصماد، حسب من يرى مقتل الصماد بضربة جوية، لم يعلن عنها التحالف لبث المزيد من الشكوك وإتاحة الفرصة للمزيد من الظنون والتوجسات داخل جماعة الحوثي، دون أن نغفل عن رأي الآخرين الذين يدعمون رؤيتهم في قتل الحوثيين للصماد بعدم تبني التحالف العربي لعملية الاغتيال.
وأياً كان قاتل الصماد، فإن قتله ما كان ليتم بهذه الطريقة لولا حصول التحالف العربي (وهذه هي الفرضية المرجحة) على معلومة استخبارية دقيقة، تمثل اختراقاً أمنياً داخل صفوف الحوثيين، الأمر الذي مكن التحالف من توجيه هذه الضربة الموجعة للحوثيين باستهداف رئيس أعلى هيئة تنفيذية لسلطتهم في صنعاء.
بقيت نقطة مهمة ينبغي الإشارة إليها، وهي أن الكثير من المتابعين للشأن اليمني ينظرون للصماد على أساس أنه رجل «توافقات»، وأنه كان له دور كبير في نسج خيوط التحالف بين الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام خلال السنوات الثلاث الماضية، وأن شخصيته ومكانته القبلية مكنته من مد جسور التعاون، ونسج علاقات بين الجناح الهاشمي والجناح القبلي داخل الحوثيين، وبهذا يخسر الحوثيون رجلاً مهماً وشخصية مقبولة لدى أطراف يمنية مختلفة يجمعها «التحالف» ضد التحالف العربي والحكومة الشرعية.
ويكاد المتابعون يجمعون على أن خليفة الصماد، وهو مهدي المشاط يفتقر للمواصفات التي كان الصماد يمتلكها، من حضور اجتماعي وسياسي، وميل إلى التوافقات، ونسج العلاقات مع المكونات الأخرى.
كل رصيد المشاط هو قربه من زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي ومصاهرته له، لكنه عديم الخبرة السياسية، ولا يعرفه الكثير من اليمنيين، بالإضافة إلى كونه شاباً صغير السن، ويفتقر إلى الخبرات اللازمة لمنصب «رئيس جمهورية» الحوثيين في صنعاء.
على ذلك، فيبدو أن أمام مهمة السلام في اليمن الكثير من العقبات والتعقيدات، حيث علمنا تاريخ الجماعات المسلحة أن مثل هذه الحركات تميل إلى التصلب والتشدد كلما ضربت أكثر، وأنها عندما تخسر تنكفئ على نفسها، ويصعب معها حينئذ التوصل إلى تفاهمات سياسية، وهو ما يعني استمرار القتال إلى أن يتمكن طرف ما من عمل عسكري يجعل ميزان القوى يميل لصالحه، أو أن يقتنع الطرفان بصعوبة الحسم العسكري، بحيث تتهيأ الفرصة للجلوس على طاولة المفاوضات.