أخيراً ... نطق الإرياني
أحمد عايض
أحمد عايض

لقد صمت الرجل كثيرا وتحدث في محافل دولية عدة بحثا عن فرص أكثر نجاحا لليمن , ورغم كل ما يقال عن ذالك القزم " العملاق " سياسيا فسيظل من أهم الشخصيات السياسية في اليمن خبرة لأغوار الواقع اليمني الذي تشكلت رؤاه بصور قاتمة يوما بعد يوم .

د/ عبد الكريم الإرياني أحد أقرب مستشاري الرئيس علي عبد الله صالح والقيادي لعدد هام وكبير من مناصب الدولة طيلة عقود ثلاثة مضت, تلك الحقبة التي رسمت في مخيلة اليمنيين دهاء وخبث الرجل أمام العديد من القضايا الوطنية والإصلاحات الاقتصادية والسياسات الخارجية .

الإرياني المتخصص أصلا في الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة التي درسها في الولايات المتحدة الأميركية والذي أمتطى صهوة السياسة حتى حصل على ثقة واحترام العديد من دوائر صناعة القرار الغربية , ونال مكانة خاصة لدى الرئيس صالح .

ولقد أثبت سنوات الرجل السياسية أنة رقم صعب لا يمكن تجاوزه في العديد من القضايا خاصة التي ترتبط بالسياسات الدولية والعلاقات الثنائية .

ورغم فترة الهدوء النسبي التي عاشها عميد السياسة اليمنية إن جاز أن نطلق علية هذا الوصف , باستثناء بعض الملفات التي حاول البعض من زمرة الحزب الحاكم نبش خباياها ووضع د /عبد الكريم الإرياني في مواجهه أخطاء تراكمية يتحمل الحزب الحاكم معظم أخطائها أكثر مما يتحمله شخصيا وما مؤسسة الميثاق التي يرأسها عنا ببعيد ..

وحتى لا نذهب بعيدا عن الهدف من هذه السطور وهو تصريح د /عبد الكريم لوكالة الأنباء رويترز عن وضع اليمن وشح موارده حيث قال " إذا لم يكن هناك إنقاذ سياسي لليمن خلال السنوات الثلاث القادمة فان التحديات ستكون اكبر من الحوثيين او ما يسمى بالانفصاليين الجنوبيين, ورغم تحدث الإرياني عن شح الموارد في اليمن والمعدل المرتفع للنمو السكاني في سياق تصريحه , إلا أنه تصريح يحمل في ثناياه صرخة لكل المهتمين في هذا البلد للواقع المظلم القادم الذي ينتظرنا كيمنيين نسير في تخبط نحو هوة قد توردنا المهالك .

تصريح الإرياني لوكالة غربية يعطي مؤشر لكل الجهات الداخلية والخارجية بخطورة الوضع التي ينتظر اليمن , وهو اعتراف مبطن لفشل سياسات الحزب الحاكم التي يكابر هو شخصيا في كل محفل عن المنجزات التي شهدتها اليمن .

ومقارنة الإرياني للوضع وخطورته بالحوثيين والانفصاليين دلالة تقريبية لكل اليمنيين لمعرفة ويلات القادم الأليم , فإذا كانت مشكلة الحوثيين قد وجدت تدخلا قطريا ودعما خليجيا في لملمة الجراح , وقضية الجنوب التي أصبحت ورقتها تطفو كل يوم للسطح عبر مشاريع تهدد الوحدة الوطنية وغيرها من المحاولات التي تحاول إخراج القضية في ظل مشروع الوحدة , إلا أن المشكلة التي كشف عنها الإرياني فإنها لم تجد حتى اللحظة من يعالج أخطائها وينتبه لتداعياتها التي بدأت ملامحها تلوح في الأفق .

ترى ما هي ألأسباب التي جعلت الدكتور عبد الكريم الإرياني يدلي بمثل هذا التصريح , رغم أن الرجل من النوع الذي دائما يدافع عن النظام وسياساته التي تحققت في ظل دولة النظام والقانون .

هل هي صحوة ضمير متأخرة أم محاولة لتصحيح أخطاء الماضي التي قد تكون سياساته في مرحلة ما من رئاسته لرئاسة الوزراء جزءا من هذا الإرث اللعين .

كما أن الدكتور عبد الكريم الإرياني هو أحد الشخصيات الرئيسة التي وقعت على إتفاق الدوحة لرئب الصدع الذي أصاب الحكومة اليمنية بصداع نصفي مؤلم إن لم نقل كلي , ليتم ترقيع تلك الجرح بطرق وصفت من قبل الكثيرين أنها عمليات ترميم مخزية وفاضحة للحكومة اليمنية .

إننا كيمنيين سعداء جدا أن يتم إغلاق ملفٍ دومي أستنزف الكثير من موارد البلد ورجالها , لكن الموقعين أنفسهم ماذا سيقول التاريخ عنهم في قادم ألأيام .

إن الرجل وحسب رأيي الشخصي مازال يخفي الكثير والكثير من حقائق وأرقام كفيلة بتقديم النظام بكاملة لأوراق استقالات جماعية, نظرا لسلسة الفشل التي رافقت الحكومات اليمنية طيلة السنوات الماضية , وكان هو شخصيا أحد راسمي تلك السياسيات التي إصطدمت في معظم ألأحيان بعوائق نافذي النظام الذين يبحثون عن مصلحة الذات قبل مصلحة الشعب .

الإرياني رجل بدأت معالم الكبر تلوح على محياة بوضوح بارز, وخواتيم مراحل حياته السياسة بدأت تهدد بالخطر , خاصة في ظل أجندة خاصة يعلمها الإرياني شخصيا أكثر من غيرة , تسعى لحرق كرته السياسي نهاية سنوات الخدمة , حيث تسعى تلك الأطراف لرسم نهاية سياسية مؤلمة للرجل خاصة في جرة إلى اتفاقيات وصفت من بعض المقربين من صناعة القرار في اليمن أنها اتفاقيات لم تكن بحجم الموقعين عليها , وتوقيع الدوحة محطة حري بالإرياني أن يكشف أوراقها للجميع قبل أن تلاحقه لعنات التاريخ وخفايا جزر حنيش وتنازلات اليمن التي مازالت حتى اللحظة مخفية عن الكثير من أبنائها حسب تسريبات بعض السياسيين .

قد نحرم في حياة الرجل من معرفة الكثير من تلك الخفايا والإسرار لكن لن نحرم منها بعد رحيله خاصة إن صدق الرجل وقام بتدوينها في مذاكرته الشخصية لتكون على أقل قليل شيئا من تبرئة الذمة وإطلاع الأجيال القادمة على حقائق التاريخ اليمني المعاصر الذي كان عنصرا فاعلا في رسم العديد من ملامحها .

قرأنا الكثير من مذكرات مشائخ وقيادات من مناضلي الثورة , ورغم ما عليها من ملاحظات سينقحها التاريخ خاصة التي طغت عليها طابع الشخصنة الذاتية , وفي أغلبها تحدثت عن اليمن من الداخل , وأغفلت الكثير عن اليمن وسياساته الخارجية , أظن أن الإرياني هو من يمتلك أكبر أرشيف تاريخي عن اليمن المعاصر وخفايا علاقات اليمن بالخارج .

هل علاقة الولاء للرئيس وللحزب تجعل الإرياني يحجم عن كشف الأخطاء التي وقعت ومازالت تقع حاليا سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي أو في طريقة التعامل مع واقع اليمن ألاقتصادي ومعالجاته .

لم يعد للإرياني شي يخاف علية فهو هو النائب الثاني لرئيس المؤتمر الشعبي العام وهو منصب " شرفي لا أقل ولا أكثر وهو المستشار السياسي لرئيس الجمهورية وما أكثر مستشاري الرئيس في كل مجال وفن , بالإضافة إلى ترأسه لمؤسسة تحمل عبئا ثقيلا من الإخفاقات والتجاوزات المالية والإدارية .

لقد صنع الإرياني لنفسه مكانا مرموقا عبر دهاليز السياسة داخليا وخارجيا , لكنه خسر أسمة وشعبيته أمام عامة الناس على أقل قليل, لمواقف إصلاحات اقتصاديه كان الإرياني على رأس الداعين لها وانطلاقة المسلسل المأساوي على الشعب اليمني الذي سُمى بالجرع .

 ورغم الرصيد الكبير للرجل في معظم المحافل الدولية ووقوفه تجاه القضايا الوطنية وبحثه عن أكبر مصالح ممكن أن تنالها اليمن كان الدكتور عبد الكريم الإرياني دائما في مقدمة المدافعين عنها .

ورغم العديد من قضايا الخلافات التي خاضها الرجل مع خصومة السياسيين في اليمن خاصة الإسلاميين إلا أنه كان خصما محترما حسب توصيفات البعض له مقارنة بالخصوم السياسيين حاليا الذين وصفوا بأنهم لا يحترموا مبدأ ولا أتفاق .

ترى هل تصريحات الإرياني لوكالة لأنباء الدولية رويترز كانت زلة لسان أم نتاج عن عتاب داخلي ورغبة دفينة في البوح بحقائق وإسرار تعتبر من حق الشعب معرفتها والإطلاع عليها خاصة فيما يتعلق بسير اليمن وكيف تقاد وهل النخب الحالية التي بيدها السلطة والقرار هي مؤهلة لإنقاذ اليمن من واقعها التعيس .

أسئلة كثيرة نتمنى من الإرياني أن يبوح بها يوما ما قبل أن يغادرنا ولعل قائل يقول يوما ما رحم الله عبد الكريم الإرياني .

 


في الإثنين 03 مارس - آذار 2008 08:25:50 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://video.marebpress.net/articles.php?id=