القضية الجنوبية: من يجرؤ على الكلام ؟
بقلم/ جميل امذروي
نشر منذ: 7 سنوات و 8 أشهر و 27 يوماً
الأربعاء 18 يناير-كانون الثاني 2012 04:25 م

كلما جاء الحديث عن القضية الجنوبية أتذكر دوماً الكاتب والسياسي الأمريكي السيناتور بوب فندلي صاحب الكتاب الشهير"من يجرؤ على الكلام" ذلك الكتاب الذي أشار فيه وبكل جرأة الى تغلغل نفوذ اللوبي الصهيوني الداعم لاسرائيل في الدولة والمجتمع في أمريكا. اكتشف فندلي الحقيقة وصدح بها دون خوف داخل أروقة السياسة الأمريكية بعد رحلة مثيرة قادته إلى احدى عواصم الشرق الأوسط، وهناك تعرّف على الحق الفلسطيني، ليقول فندلي، وهنا أقتبس " إنّ أمريكا تقوم بدعم اسرائيل المغتصبة للحقوق العربية، دون وازع من ضميرأخلاقي،وقيم ديمقراطية، ومبادئ حق تقرير المصير"إنتهى الإقتباس. كانت المدينة التي أضاءت للسناتور الامريكي طريقه لمعرفة حق الشعوب المظلومة في الحياة الكريمة هي "عدن".

بداءت في الآونة الأخيرة بعض الأصوات السياسية من داخل وخارج المشترك التي تدعو لحل القضية الجنوبية حلاً عادلاً يرضي أبناء الجنوب، فهذا ياسين سعيد نعمان يصف مشكلة اليمن الرئيسية في الإخفاق في إنتاج دولة الشراكة الوطنية داعياً الى تسوية تاريخية جديدة تقوم على دولة اتحادية فدرالية تقوم على اعتبار الجنوب قطب في المعادلة الوطنية، وذاك باسندوة هو الآخر يدعو لحلٍ فدراليي، لكن مايزعج في الأمر وبكل أسف أن تكون غالبية هذه الأصوات جنوبية المنشأ، حيث مازال الآخرون الذين ننتظر أن نسمع منهم تطمينات تزيل الاحتقان وتؤسس لاستحقاقات مرحلة الحوار الوطني مازالوا صامتين تاركين التجاذبات بين النخب المثقفة قليلة الوعي والنضج في الشمال والجنوب تثير المواطنين وتهيجهم وتنهش في جسد البلد. يالها من تجاذبات تشبه حرب دونكشوت مع طواحين الهواء.

سأكون منصفاً و أقول أننا سمعنا بعض أصوات الساسة والكتاب الشماليين وهم ليسوا كُثُر- أرجوا ان لايتحسس أحد من الجغرافيا السياسية - سمعناهم خاصة عندما كان البلد يمر بأشد مراحله تشتتاً وقرباً من الإنهيار يتفهمون القضية الجنوبية ويطرحون بعض الأفكار لحلها تدور غالبيتها في فلك الفدرالية وإنْ باستحياء، أما البعض الآخر من الساسة ونخب الشمال فكانوا أكثر تطرفاً ليعلنوا وهم في قلب الثورة ودون خجل أنهم مستعدون للتخلي عن الثورة من أجل حماية الوحدة! يالها من شجاعة، كان السبب لهكذا تصريح متطرف هو إعلان نفرٌ من الجنوبيين إعتذارهم عن المشاركة في المجلس السياسي الوطني لقيادة الثورة رغم أنهم أعلنوا تأييدهم للثورة دون شروط؛ وعلى الرغم أنهم لم يكونوا المعتذرين الوحيدين بل كان معهم مفجّرة الثورة وقائدتها صاحبة نوبل للسلام وكان معهم مستقلين ومكونات كاملة في البلد الّا أنّ مانالهم من قدح وشتمٍ وسب لم ينل غيرهم، كان ذلك مؤشراً كافياً لحجم الاحتقان المناطقي الذي تتمتع به تلك النخب وتعزيزاً لنظرية الشك والأحكام المسبقة بحق الجنوبيين – هل أقول لكم سراً؟ حتى عبدربه الرئيس القادم لم ولن يسلم من هذه النظرة. الغريب كل الغرابة أنّ بعضاً من هؤلاء كوفئوا ليحتلوا مناصب وزارية في نصف الحكومة المؤيدة للثورة.

" لقد عانى الشمال من الاستبداد وعانى الجنوب من الاحتلال " هل تذكرون صاحب هذه الجملة الشهيرة – علي محسن الأحمر - هذه الجملة أصبحت مفتاح الاعتراف من قبل البعض - ولو كرهاً ربما - بأن القضية الجنوبية تختلف عن غيرها من قضايا البلد بأنها قضية سياسية بامتياز. كان محسن هو مفتاح هذا الإعتراف كما كان من قبل مفتاح إنهيار النظام وذلك شرفٌ يُحسب في رصيد هذا القائد، لكنه وبكل تأكييد لا يُحسب لمن يحاولون الالتفاف على القضية ولمن لايجرؤن على الكلام الّا عند انطلاق الصفّارة. لاكن لابأس في ذلك، فأن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لاتأتي، ذلك أفضل من التقوقع في خانة تعريف القضية ونكرانها بالجملة.

في مهرجان التصالح والتسامح في الـ 13 من يناير سقط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين السلمييين المتظاهرين في ساحة العروض في عدن برصاص قوات صالح من الأمن المركزي، كانت كارثة إنسانية بكل المقاييس أراد بها صالح ضرب آخر مسمار في نعش الوحدة الوطنية وإحراج المشترك. وبينما كنّا نترقب ردة الفعل من الجنوب تجاه هذه المجزرة انبرى لها البعض - ومازالت الدماء طرية - مبررين لعملية القتل في عدن بذرائع واهية، ربما كانوا يحاولون في عقلهم الباطن التخلص من عقدة تأنيب الضمير والهروب الى الأمام، أو ربما كانوا يُصفّون حساباتهم مع جناحٍ سياسي في الحراك الجنوبي على حساب دماء الأبرياء! ياله من عملٍ غير صالح.

يعيب كثير من أخواننا المثقفين والكتاب على الجنوبيين في الحراك الجنوبي إستخدامهم لأوراق سياسية محروقة – من وجهة نظرهم – ومن الذين اورثوهم المهالك لحل قضيتهم، لكنهم لايجدون غضاضة من إستخدام عسكر وساسة وشيوخ شماليين ملطخة اياديهم بالدماء والمال العام والخاص في سبيل إنجاز الطموحات المشروعة للثورة. يالها من براجماتية متناقضة.

دعونا يا أخواني نتحدث بلغة العقل في كل مكان، دعونا نتفق أنّ من حق الإنسان أن يعتصم سلمياً ويطالب بكل حقوقه وطموحاته مهما كانت، حتى إن تعارضت مع رغباتنا وأمانينا. دعونا نؤيد حق الناس بالتعبير السلمي عن قضاياها لانّ إنزلاق الناس نحو خيارات أخرى سيجر البلد - كل البلد - نحو الخراب.

 دعونا نطالب الساسة ببدء التفاهم على فتح باب الحوار الوطني من أجل حل قضايا الوطن، دعونا نضغط من أجل وضع خارطة طريق لحل القضية الجنوبية بشقيها الحقوقي والسياسي وبما يساهم في مشاركة الجنوبيين في السلطة والثروة وبما يرضيهم. لقد بداءت أشهر العسل بالنفاذ وأخشى أنّ سياسة الهروب من الواقع وترحيل المشاكل التي ورثتها نخبنا السياسية من صالح قد تؤدي بالوضع الى الإنفجار. دعونا نتوقف عن سياسة الحذاقة والشطارة واللؤم عند الحديث عن القضية الجنوبية فكرة الثلج تكبر بشكل أكبر مما يتوقع الكثيرين والموضوع لايحتمل المناورات. دعونا نطالب القيادات السياسية في المشترك وبالذات الشمالية منها أن يتخلوا فوراً عن سياسة إضاعة الفرص، وليتحلوا بالشجاعة ليعلنوا عن مساندتهم لحلٍ عادل للقضية الجنوبية يرضي الجنوبيين ويزيل الاحتقان. نريد أصوات شمالية شجاعة كصوت توكل كرمان وأبو لحوم، وأن لا يكتفي المشترك بتصريحات ياسين وباسندوة ونصر العيدروس وأنصاف مايو. نريد أن نسمع من الآخرين الأكثر تأثيراَ على الأرض، نريدهم ان يصدحوا بالحق دون خوف ويقولوا معنا كما قال فندلي من قبل " لا سكوت بعد اليوم".