أسامة بن لادن المليونير الذي أرق العالم
بقلم/ زيد بن يامين
نشر منذ: 12 سنة و 8 أشهر و يومين
الأربعاء 11 إبريل-نيسان 2007 10:53 ص

ولد أسامة بن محمد بن عوض بن لادن في العاشر من آذار عام 1957 لعائلة غنية في جدة، وترجح مصادر أن تكون ولادته في الرياض. والده محمد عواد بن لادن، كان رجل أعمال غنياً وكان قريباً من العائلة المالكة السعودية. هاجر بعد الحرب العالمية الثانية من حضرموت اليمنية إلى ضفاف البحر الأحمر حيث مدينة جدة السعودية وفي مينائها بدأ الأب العمل قبل أن يطلق عمله الخاص عام 1930. وفي الخمسينات كان على موعد مع انفتاح غير متوقع حينما تولى عمليات البناء الخاصة بالعائلة المالكة في السعودية .

كان طول الوالد يتجاوز الـ 180 سنتيمترًا وبعين واحدة، وقرر في أحد الأيام أن الحياة أكبر من أن تعمل فيها حمالاً وأين؟... في حضرموت اليمنية!. جمع ملابسه الرثة في حقيبة وباع المكان الذي كان يعيش فيه ووضع أحماله على جمل وانتقل إلى المملكة العربية السعودية التي كانت قد تأسس ت حديثاً وقرر الاستقرار بحثاً عن الثروة.

كانت وظيفة الوالد الأولى في السعودية العمل لدى شركة (أرامكو)، وهي شركة نفط أميركية- سعودية وكان ينال ما يقدّر بريال سعودي واحد يوفر معظمه ويعيش حياة فقيرة من أجل جمع المال، قبل أن يدخل عالم الاستثمار ثم عالم التجارة. وسرعان ما تولى بناء قصور العائلة المالكة السعودية بعد أن كان يقدم عروضاً بأسعار أقل، هذا كل ما كان يقدم من عطاءات في ذلك الوقت.

الفرصة الذهبية لمحمد بن لادن حانت حينما انسحب مقاول أجنبي من عطاء تمديد طريق سريع بين المدينة المنورة وجدة، حيث تولى محمد بن لادن المهمة، وبفضل هذا الطريق فتحت له مخازن المال وأصبح ظاهرة في السعودية.

يقول مهندس فرنسي عاصر والد بن لادن إنه لم يكن يقرأ أو يكتب وكان يوقع بعلامة X فقط على كل الأوراق التي كانت تتطلب توقيعه، ولكنه كان فائق الذكاء وبالفطرة.

ولأنه كان وهّابيًا صرفاً، قرر الوالد شراء (هليكوبتر) كي يصلي صلواته الرئيسة الظهر والعصر والمغرب أو العشاء في المدن الإسلامية المقدسة الثلاث: المدينة المنورة ومكة المكرمة والمسجد الأقصى في القدس في يوم واحد، وفي الوقت نفسه كان يستخدمها لمتابعة أعماله المتواصلة في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وخصوصاً في مشاريع الحج السنوية والتوسعات التي رافقت تاريخ الحرم الشريف. وعن هذا الطريق نشر الوالد سمعته بين الحجاج ومن هناك إلى جميع دول العالم.

تواصلت ثروة الأب في النمو، حتى أن العائلة السعودية في مرحلة من تاريخها كانت تقترض منه المال وفي الأوقات الصعبة خصوصاً، وكان على موعد مع الموت عام 1968 في حادث تحطم طائرة الهليكوبتر.

كان الوالد في زيجاته قد قرر أن يبقي ثلاثاً على ذمته، ويغير الرابعة، على ما يقول المهندس الفرنسي الذي صاحبه، وكان يستخدم الطوافة ليختار زوجاته، وكان بعض الزوجات لا يتجاوز عمرهن الخامسة عشرة.

أسامة....

كان ظهور أسامة بن لادن العائلي الأخير في عرس ابنه في كانون الثاني (يناير) من العام 2001، ولكن منذ هجمات 11أيلول (سبتمبر)، اتصل مرة واحدة بأمه ونفى خلال الاتصال أن يكون قد ارتكب أو دبر أعمالاً إرهابية ضد السعودية، لكن تلك الأعمال تصاعدت على أرض الواقع.

ورغم أن عدد أخوة بن لادن غير محدد، تقول مصادر إن عدد أبناء محمد بن لادن وصل إلى 55 وأن الأب تزوج 22 مرة، وأن تسلسل أسامة من بين كل أبنائه كان السابع عشر وهو الابن الوحيد لزوجته العاشرة حميدة العطاس التي ولدت في سوريا عام 1934.

بعد فترة قصيرة من ولادته، انفصل والداه وتزوجت أمه من محمد العطاس الذي كان يعمل في شركة الوالد (محمد بن لادن) وولد لهما أربعة أولاد وعاش بن لادن مع أخوته الثلاثة وأخته الوحيدة من زواج والدته الجديد.

لكن مصادر أخرى لا تشير إلى هذا الانفصال، فقد كانت حميدة (والدة أسامة بن لادن) تبلغ من العمر 22 عاماً حينما تزوجها والد أسامة، وهي ابنة لتاجر سوري وكانت جميلة جداً وعلى معرفة ودراية تامة بكل ما يدور حولها في عالم الجمال والتجميل.

وعندما توفي محمد بن لادن بسقوط طوافته كانت حميدة لا تزال زوجته وكان ابنها أسامة يعرف على أنه (ابن الزوجة الجارية). وكان عمره في ذلك الوقت 11 عاماً.

كان الوالد قد قرر جمع كل أطفاله تحت سقف بيت واحد وتعليمهم التعاليم السلفية وطالبهم بإظهار رجولتهم باكرًا، وأن تكون تصرفاتهم نابعة من الثقة بالنفس، بينما كان الوالد يغير الشواطئ التي يقضي فيها أوقاته الحميمة مع زوجاته كل يوم.

بداية التأثير

درس أسامة بن لادن خلال الفترة من 1968 و1976 في مدرسة الذكر النموذجية والتي تأسست في الخمسينات، ودرّس فيها مدرسون أجانب مثل برايان فايفيلد شايلر وسيموس أو براين اللذان إستذكرا في مقابلة مع صحيفة (نيويوركر) الأميركية أنهم درسوا أسامة خلال تلك الفترة، وكانت تعرف المدرسة في مجتمع جدة بأنها (مدرسة النخبة)، وعبرها تعرف بن لادن إلى فكر الإخوان المسلمين، حينما كان الملك فيصل قد فتح أبواب السعودية لمدرسين من سوريا ومصر والأردن يحملون فكر (الإخوان)..

يقول عنه برايان فايفيلد شايلر (69 عامًا) إن بن لادن كان خجولاً لكنه على درجة عالية من الأدب، كما كان طويل القامة والأكثر وسامة بين رفاقه ويتمتع بثقة عالية بالنفس. ولم يكن يدفعه أحد إلى أداء واجباته المدرسية، لم يكن يريد أن يري نفسه على أنه الأذكى في الصف كما هو حال الطلاب في كل الأزمان، لكنه كان ينتظر منك أن تسأله حتى يعطيك الإجابة. وكان يحب من رفاقه أن ينادوه بـ (سامي).

سافر بن لادن عام 1971 إلى السويد وبالتحديد إلى مدينة فولان السويدية مع أخيه سالم، ويتذكر كرستيان اكر بلايد صاحب فندق (استوريا) الذي استقر فيه الأخوان، أنهما كانا جميلين جدًا... ولقد أعجبت بهما فتيات المدينة اللواتي شاهدنهما، وكان أسامة يلعب دائماً مع أبنائي.

وتتذكر زوجة صاحب الفندق المبالغ الكبيرة التي كان يحملها الفتيان حينما كانت تنظف غرفتهما عادة، وتضيف: (كانا في نهاية الأسبوع يضعان ملابسهما على الأسرة الزائدة الموجودة في كل غرفة. أعتقد أنهما كانا يستخدمان ملابسهما لمرة واحدة، وكانت ملابسهما جديدة كل يوم. ولم أشاهد أي ملابس غير نظيفة في غرفتهما! كما كانت لديهما حقيبة كبيرة لمجوهراتهما، مثل السلاسل والساعات وغيرها).

التحق الأخوان فيما بعد بالدراسة الصيفية بكلية أكسفورد للغات في العام 1971 نفسه، وهناك كوّنا مجموعة ضمت فتيات إسبانيات، وقد نقلت صحيفة (الأوبرزيفر) البريطانية صورة لهذه المجموعة التي ضمت أسامة بن لادن وأخويه.

درس بن لادن في ميدان الإدارة والاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، وتشير مصادر إلى أنه حاز على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1979 فيما تشير مصادر أخرى إلى حصوله على درجة البكالوريوس في العلاقات العامة عام 1981.

خلال الجامعة، تأثر بن لادن بفكر محمد قطب وعبد الله عزام، والأول كان بمثابة الداعية الرسمي لفكر أخيه سيد قطب الذي كتب (معالم في الطريق)، وهو الكتاب الذي يعد اللبنة الأساسية في (الجهاد) للمجموعات الإسلامية المتشددة والداعي للجهاد ضد كل من هو غير مسلم.

أما عزام وهو فلسطيني فقد أسس للجهاد ضد السوفييت في أفغانستان وإغراق الشبان العرب (مثل بن لادن) في الجبهة الأفغانية وخصوصاً شبان الشرق الأوسط والسعودية. وعزام هو الذي درّس أسامة بن لادن تعاليم موسى القرني والذي قيل إنه (مفتي بن لادن) وكانت فكرته الأساسية أن المسيحيين واليهود هم أعداء الإسلام.

الزوجة الأولى

في 1974 تزوج بن لادن وهو لم يتجاوز السابعة عشرة بنجوى غانم، وهي ابنة خاله والتي أنجب منها على الأقل عشرة أولاد منهم ابنه سعد الذي ولد عام 1979 وواصل السير على خطى أبيه فيما بعد في القتال مع (القاعدة). وتردد على أن سعد بن لادن كان مسؤولاً عن تفجير شهدته تونس في الحادي عشر من نيسان عام 2002 وشارك في تفجيرات الرياض في 12 أيار 2003 وتفجيرات المغرب بعد هذا التاريخ بأربعة أيام.

رافق سعد والده حينما كان مقيماً في السودان خلال الفترة الممتدة بين عامي 1991 و 1996 وتبعه إلى أفغانستان وتزوج من يمنية وقيل إن بن لادن تزوج من أربع سيدات أخريات وطلق واحدة وهي (أم علي بن لادن) والتي كانت محاضرة ودرست في المملكة العربية المتحدة وقضت إجازاتها في الخرطوم حيث استقر بن لادن فيما بعد.

ووفقاً لما قالته وصال الترابي زوجة الإسلامي السوداني المعروف حسن الترابي، درّست (أم علي) الإسلام لعدد من العائلات في الرياض وكانت زوجات بن لادن الثلاث الأخيرات كلهن يدرّسن في الجامعات.

عاد بن لادن في عام 1974 بعدما أكمل دراسته الإعدادية إلى أوروبا ليكمل دراسته مع سالم قبل أن يعود تاركاً أخويه سالم ويسلم، وعاد ليلتحق بجامعة الملك عبد العزيز بينما عاد أخوه سالم إلى إدارة شركات أبيه في مجال البناء وكان يأمل من أخيه أسامة أن يتحمل جزءاً من العبء ليواصل هو دراسته في الجامعة في الهندسة المدنية، وهذا ما تحتاجه تلك الشركات. ونجح بن لادن في الجمع بين العمل والدراسة في تلك الحقبة.

وفي الجامعة التقى الأردني (من أصل فلسطيني) عبد الله عزام، وكانت جدة تمثل في ذلك الوقت مركز التقاء العديد من المسلمين من كل العالم في مدارسها الإسلامية والتي كانت بيئة خصبة لعبد الله عزام ليستعد للمرحلة الآتية من حياته.

يتذكر عبد العزيز بن لادن تلك الفترة قائلاً: (بدأ بن لادن يقرأ الكتب الدينية بانتظام ويدخل في الأنشطة الدينية المقامة في جامعته ويغوص فيها أكثر فأكثر، ثم دخل في مناقشات فقهية في الدراسات الإسلامية وبدأ يكوّن له شبكة علاقات منها مع الأمير تركي بن فيصل الذي أصبح فيما بعد رئيسًا لأجهزة المخابرات السعودية).

مواصفاته

وبعيداً عن كل ما يقال عن زيجاته وأمانيه، فإن وصف بن لادن عند ( FPI ) الأميركية يختلف تماماً عن جانبه العاطفي الذي وصلنا إليه حتى الآن، فطوله يبلغ 194 سم و يزن 75 كيلوغراماً ويكتب باليسرى، وغالباً ما يتجول برفقة عصاه ولا يحب لبس الملابس السعودية (اللباس الوطني) رغم أنه يفضل أن تكون ملابسه ناصعة البياض. يتحدث بصوت منخفض وبسحر خاص ودبلوماسية مع ضيوفه ويرفض الحديث بأي لغة غير العربية، رغم أنه يتقن الإنجليزية.

لم يكن بن لادن الابن، يحب المال الذي تركه له والده، ولم يكن ليبقيه لقضاء حاجيته بل إن المال الذي سعى الوالد للحصول عليه أصبح مشكلة كبيرة لابنه الذي قيل إنه ورث (250 مليون دولار) عام 1968، ومع الدخول في عقد السبعينات كانت الثقافة قد بدأت تتغير في الشرق الأوسط، بدأت عائدات النفط بالتزايد، تصاعدت الحرب مع إسرائيل والاتصالات المتزايدة مع الغرب وتدخل الغرب بعد أزمة النفط في 1973 في منطقة الشرق الأوسط قد اتسع أيضاً بدوره، وكذلك تصاعدت الحركة الإسلامية في دول الخليج في تلك الفترة مع الاستعانة بمدرسين من مصر والأردن. وكانت أغلب ميولهم إسلامية متشددة إن لم يكن الكثير منهم، وهو ما انعكس على المناهج وما تريد هذه الدول التخلص من آثاره اليوم.

كان المد الإسلامي قد وصل إلى ذروته في نهاية السبعينات، حينما نجح الخميني في الوصول إلى السلطة في إيران في شباط (فبراير) 1979 بعد أن أبعد الشاه وأنشأ الجمهورية الإسلامية وبدأ الخوف يعم الدول الإسلامية المحيطة من المد الشيعي القادم، وجاء الاصطدام الأول لبن لادن مع قوى الأمن السعودية في ذلك الوقت في تشرين الثاني (نوفمبر) 1979، حينما تحول أحد المساجد إلى ساحة معركة دموية بين قوات الأمن السعودية والمسجد الذي كان يرتاده إسلاميون راديكاليون، وقد ألهمته هذه الحادثة كثيراً، كما قال صديق مقرب له لصحيفة (الاوبزرفر) البريطانية.

البداية

ساعدت ثروته التي زهد بها وعلاقاته في أن يمارس (هوايته) المفضلة ألا وهي دعم (المجاهدين) في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي أيام احتلال الأخيرة لهذا البلد عام 1979 بعد أن تحول مدرسه عبد الله عزام عن مهمته (التدريس) إلى مجاهد كان قد استقر في بيشاور الباكستانية بعيداً عن السعودية، وكانت تلك المدينة منطلقاً للمجاهدين نحو الحدود الباكستانية الأفغانية في طرفها الشمالي الغربي، وكان دور عبد الله عزام تحضيرهم من أجل بدء مهماتهم في أفغانستان منطلقين من شرقها.

كانت بيشاور المدينة الباكستانية على الحدود الأفغانية خليطًا من الجواسيس الروس والأميركيين، اللاجئين الأفغان، والمقاتلين العرب، والمجاهدين. وكان بن لادن في الثالثة والعشرين، وقد وجد القضية التي طالما كان يبحث عنها ليقاتل من أجلها. فدخل شاباً مفعماً بالحيوية وخرج (رجلاً) كما يحب أن يصفه المدافعون عنه.

بعد شهر من وصوله الأول إلى بيشاور، عاد بن لادن إلى السعودية محاولاً دعوة إخوته إلى الدخول معه في رحلته بالإضافة إلى دعوة أقاربه وأصدقائه وزملائه القدامى في المدرسة من أجل مواجهة الإتحاد السوفيتي، لكنه عاد في المقابل بمبالغ مالية كبيرة وكان الفقراء الأفغان والباكستانيون هم من استجابوا لماله بدل إخوته. وفي الأسبوع الأول من بقائه في بيشاور قابل... عبد الله عزام.

الانقلاب

قرر عزام أن يبقي بن لادن بعيداً عن المواجهات لكي يستفيد من أمواله في دعم المجاهدين وخصوصاً تنظيم معسكرات التدريب لهم. وخلال السنوات الأولى من الثمانينات انتقل بن لادن ليعيش في عدة منازل تقع على شارع (ارباب) الذي يقود إلى الجامعة الرئيسة في غرب بيشاور، وكان قريباً من شارع (غولشان إقبال) حيث يوجد مسجد وكان جل زائريه من العرب واستخدمه عبد الله عزام مركزاً رئيساً لتجنيد (المجاهدين)، وهو المكان نفسه الذي قتل فيه عبد الله عزام عام 1989، حينما استهدف بسيارة مفخخة وقد اتهم بعضهم بن لادن بأنه وراء هذا الانفجار لأن عزام كان قد انحرف في مسيرته الجهادية في ذلك الوقت فيما أشار بعضهم الآخر إلى اتفاق حصل بين قلب الدين حكمتيار و أيمن الظواهري للتخلص من عزام... ونفوذه.

عام 1984 أنشأ بن لادن (مكتب الخدمات)، وكان من مهماته توفير المال والعتاد للمقاتلين القادمين من أنحاء العالم للمشاركة في الحرب الأفغانية. وكان مكتب الخدمات يوفر بطاقات السفر والإقامات ورشوة السلطات الباكستانية لغض النظر عن أعمال (المجاهدين) الأفغان مهما كانت، وأسس المكتب طرقاً خاصة لانتقال (المجاهدين) وما زال بعضها فعالاً حتى يومنا هذا.

وغالباً ما كان بن لادن يسهر ويناقش في الإسلام وتاريخ الشرق الأوسط مع مَن أصبحوا مِن أتباعه، وكان يشعر بالغضب حيال تصرف البريطانيين مع العرب بعد الحرب العالمية الأولى. ولم يتوانَ منذ ذلك الوقت عن انتقاد العائلة المالكة السعودية وكيف منحت القوة للوهابية، كما كان دور بن لادن خلال هذه الفترة متابعة مناقشات المتطوعين القادمين من مختلف الأصقاع في الدين الإسلامي، وغالباً ما كانت تلك المناقشات تدور حول سورة (آل ياسين) التي كانت مفتاحاً في دراساتهم القرآنية، وفيها وضح النبي محمد (ص) رسالته بصورة كاملة والمهمات التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها، وكان يتحدث عن صلاح الدين الأيوبي وقد يكون معتقداً أنه كان يحمل جزءاً من هذا القائد فيه.

على أرض المعركة

في أحد صباحات عام 1986 كان قرار بن لادن المشاركة في الحرب الأفغانية في الوقت الذي قررت فيه الولايات المتحدة في أواسط الثمانينات زيادة مخصصاتها المالية للجماعات المقاتلة في أفغانستان وزاد توافد الشبان العرب إلى أفغانستان بشكل كبير بعضهم هارباً من حكم القانون وبعضهم الآخر لمجرد المغامرة، فيما اختار طرف ثالث (الجهاد من أجل الإسلام) بكل ما تعنيه الجملة من معنى.

كانت السنوات الثلاث التالية كافية ليكرس بن لادن نفسه قائداً في أفغانستان وخلالها انسحب بن لادن من مكتب الخدمات بسبب (اختلافات إستراتيجية)، بينما كرّس عبد الله عزام عمله في متابعة اللاجئين الأفغان و المصابين مقابل تكريس بن لادن لعمله في جلب المتطوعين العرب وتأسيس جماعات خاصة بهم وهي الخطوة التي لقيت معارضة عبد الله عزام ويمكن أن تكون قد أدت إلى مصرعه فيما بعد في السيارة المفخخة.

وبعد عشر سنوات، قرر السوفيات إنهاء احتلالهم لأفغانستان. وتحول الأفغان لمقاتلة بعضهم بعضاً، والعديد من المقاتلين العرب قرروا ترك المعركة والعودة إلى بلدانهم لمواصلة (الجهاد)، وكان بن لادن واحداً منهم، بعد أن كان قد شاهد (انتصار) العرب وهم موحدون وعودتهم إلى الحديث عن فروقاتهم إثر انتهاء حربهم مع السوفيات، وكان عمر بن لادن في تلك المرحلة 33 عاماً.

حينما احتل العراق الكويت في الثاني من آب 1990 عرض أسامة بن لادن الدفاع عن السعودية بجلب 12 ألف مسلح (بعض المصادر تقول 30000 متطوع)، ولكن الحكومة السعودية رفضت العرض ليعارض بن لادن اعتماد السعودية على الولايات المتحدة للدفاع عنها وطالب بإنهاء الوجود الأجنبي في المملكة، ومما زاد من تعقيد الأمور بقاء القوات الأميركية في السعودية رغم انتهاء الحرب.

شكل هذا الرفض صدمة لبن لادن، فيما كان آخر شيء تفكر فيه السعودية جيشاً من الإسلاميين. فاستقبل بن لادن من أفراد في العائلة المالكة ورفض طلبه مرات ومرات آنذاك.

الأمير عبد الله وجهاً لوجه مع بن لادن

في هذا الوقت، ظهر الأمير عبد الله بن عبد العزيز (وكان حينها ولياً للعهد) متحدثاً مع المتطوعين عن أهمية الصداقة والوفاء للبلد الذي يعيشون فيه، لكن دون أن ينسى مدى الخطر الذي يشكله هؤلاء على أمن المملكة. وقال الأمير عبد الله آنذاك، إن عائلة محمد بن لادن كانت دائماً وفية للمملكة. لقد ساعدتنا كثيراً وقت حاجتنا إليها، ونحن على ثقة أنه لن يسمح لأي كان أن يؤثر على هذه العلاقة في المستقبل.

في خريف العام 1990 كان الأمير عبد الله قد التقى المتطوعين العرب في أفغانستان في أحد قصوره في الرياض وكان يمكن أن ترى الغليان في عيني بن لادن، الذي كان حاضراً على ما يقول أحد الذين حضروا الاجتماع. هذا الغليان كان نابعاً من أن 300 ألف غربي كانوا على أرض السعودية بالقرب من مكة المكرمة والمدينة المنورة ويقومان بحمايتهما في الوقت الذي كانت فيه آخر كلمات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، تقول إنه لا يجتمع دينان في الجزيرة العربية.

بدأ بن لادن بتأليب دارسي الإسلام والزائرون من الخليج على حكومته معتمداً على شهرته وقدم محاضرات في العديد من مدن المملكة، مسجلاً العديد من الأشرطة ووزعها من خلال المساجد وأرسل بالفعل 4000 متطوع إلى أفغانستان للتدريب وسرعان ما قامت الحكومة السعودية بوضعه تحت الإقامة الجبرية في الوقت الذي كانت فيه عائلته تخشى على علاقاتها مع الحكومة السعودية.

مرحلة السودان...

يقول تقرير الكونغرس الخاص بأحداث 11 أيلول إنه بمساعدة عدد من أفراد العائلة الحاكمة السعودية نجح بن لادن في الخروج من السعودية لحضور حفل خاص في باكستان عام 1991، ولكن ظهر حسن الترابي الذي دعا بن لادن للاستقرار في السودان. وتقول مصادر إن حسن الترابي هو من رتب له الخروج من السعودية وهو ما تم حينما بدأ بن لادن بشراء ممتلكات له في هذا البلد منذ عام 1990، في الوقت نفسه الذي بدأت فيه الحكومة السعودية بممارسة ضغوط عليه وسحبت جنسيته عام 1994 وكان رد بن لادن في ذلك الوقت قد أنشأ مكتباً إعلامياً له في العاصمة البريطانية لندن ليقوم بالدعاية ضد النظام الحاكم في السعودية. وكان خالد الفواز (أبو عمر) وهو من يديره وكان أبو عمر قد انتقل إلى لندن في ذلك الوقت، وقد قيل إن الفواز حاول إيجاد مكان لبن لادن في بريطانيا ليستقر فيه.

أسس بن لادن لنفسه قاعدة قرب الخرطوم بالاستعانة بالسودانيين الذين شاركوا في أفغانستان. وكانت مهمته الرئيسة في البداية حماية النظام السوداني. ثم تزوج إحدى قريبات الترابي وجنى المال من إطلاق شركات بناء وشركات أخرى لاستثمار السمسم الذي كانت السودان ثالث أكبر منتج له في العالم. وبدأت الحكومة السودانية تعاني من الحصار الدولي لها. وكانت هذه إحدى الأوراق التي لعبت بمصير بن لادن، خصوصاً بعدما أخذت تتابعه(السي أي ايه) في منتصف التسعينات. ومن السودان يعتقد أن بن لادن بدأ باستهداف الغربيين حينما ربطته تقارير في هجوم حصل في 29 كانون الأول 1992 حينما تم تفجير فندق المهر الذهبي في عدن متسبباً بمقتل موظف يمني في الفندق إلى جانب نزيل أسترالي وجرح زوجته.

كان بن لادن قد بنى لنفسه منظمة ذات هيكل صلب في السودان. وفي ذاك الوقت أيضاً كان يتنقل عبر جواز سفر خاص بمتطوع قتل في الحرب على أفغانستان، فيما اختارت السعودية الابتعاد عنه بكل الطرق.

ويقول الوزير السعودي غازي القصيبي: (لقد قرأت تقارير تقول إن ثروته وصلت إلى ما بين 300 مليون دولار و400 مليون دولار في ذلك الوقت. ولكن هذا ليس صحيحاً، لقد كانت المملكة تحرص كل الحرص على ألا يصل منها أي دعم في أي شكل له).

كانت رؤية الحكومة السعودية صحيحة، وقد تكون تلك الرؤية قد تسببت بأول انفجار تم فيه لوم بن لادن (الذي يبدو أنه انتقم) وذلك عام 1995 عندما اعترف أربعة أفغان في فيديو بثته الحكومة السعودية بمشاركتهم في الهجوم، وبعد عام منه استهدفت أبراجاً في الخبر وكان الملام بن لادن أيضاً.

وفي العام نفسه، بدأت السودان تضيق ذرعاً بضيفها بن لادن، ليتصل حسن الترابي بسفير السودان في أفغانستان عطية بداوي المستقر في بيشاور، ولديه علاقات ممتازة مع المجاهدين السابقين من تلك الأيام، واستخدم اتصالاته ليقنع القادة في جلال آباد بأن غنياً سعودياً يريد منهم حمايته ويمكن لأمواله أن تعكس مجريات المعركة لتصب في مصلحتهم، فقرر القادة الثلاث (الذين توفوا فيما بعد) السفر إلى السودان من أجل اللقاء ببن لادن ودعوته للعودة إلى أرض الجهاد.

عن ـ ألأتجاة ألأخر