في رحاب أهل الله القلب والنور
بقلم/ عارف الدوش
نشر منذ: 7 سنوات و 3 أسابيع و 4 أيام
الثلاثاء 24 يوليو-تموز 2012 10:50 م

• إن التربية الإسلامية تولي الاهتمام الأكبر في تقويم السلوك إلى إصلاح القلب وتثبيت الإيمان فيه فإذا استقام السلوك القلبي استقام تبعًا له الخارجي لا محالة بخلاف العناية بتقويم السلوك الظاهر فقط؛ فإنه يعتبر بناء على غير أساس فهو عرضة للانهيار؛ ولهذا فإن النبي صلي الله عليه وسلم وجه اهتمام أصحابه لإصلاح القلوب وأرشدهم الي أن صلاح الإنسان متوقف علي إصلاح قلبه وعلاجه من الأمراض الخفية والقلب إذا ما توجه إلى الله ملأه النور وصار ذلك النور رحمة لسائر الجسد وقال صلى الله عليه وسلم “ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (البخاري - كتاب الإيمان) وقال”إن الله لا ينظر الى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم”(مسلم- كتاب البر والصلة) وقال ابن القيم “ ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت “ وعبودية القلب أساس السلوك السوي ويقول الشيرازي”إنَّ سكينةَ القلبِ تُوجبُ الاتزانَ في التفكيرِ وهو بدورهِ يوجبُ التحرُّكَ الصحيحَ نحوَ الأهدافِ الرفيعةِ “ فالإنسان يجب عليه أن يتعلم ويتعمق بعلم القلب كما قال الإمام جلال الدين السيوطي “وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها فقال الغزالي إنها فرض عين ( الأشباه والنظائر للسيوطي). وأما حكم الشارع فيه فقال الغزالي “انه فرض عين؛ إذ لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلاّ الأنبياء عليهم السلام” وقال أبو الحسن الشاذلي: “ من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً علي الكبائر وهو لا يشعر” وقال ابن حجر العسقلاني“ يجب على من لم يرزق قلبا سليماً أن يتعلم أدوية أمراض القلب من كبر وعجب ورياء ونحوها كما يجب، لكن كفاية تعلم علم الطب( تحفة كتاب السير 9:214)

• ولما سئلت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت( كان خلقه القرآن) وإذا داوم العبد على ذلك وأصبح ذلك سجية من سجاياه وخلقا من أخلاقه وطبعا من أطباعه وحالا من أحواله أصبح قلبه مهيئا لتلقي النفحات والتجليات القدسية والفيوضات الإحسانية والإمدادت الربانية وهذه مرحلة تسمى مرحلة التجلي حيث يتجلى فيها الحق تبارك وتعالى على قلب عبده المؤمن الصادق ويمنّ عليه بما شاء من الفيوضات والكرامات والتجليات الربانية مصداقا لقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: “ من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصربه ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني أعطيته ولئن استعاذ بي لأعيذنه” روى الحديث الإمام البخاري وأحمد بن حنبل والبيهقي؛ ولأن قلب المؤمن العابد هو محل نظر الله تعالى وإذا علم القلب الحب واليقين والكشف والتمكين وفقه الله إلى فهم أسرار الدين قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال: “ما وسعنى أرضي ولا سمائي، بل وسعني قلب عبدي المؤمن” فما هذا القلب الذى وسع ما ضاقت عن أن تتسع له الأرض والسماء فالسعة هنا سعة المعرفة الحقة لله تعالى وذلك لبلوغها درجة اليقين الكامل يقول الإمام علي كرم الله وجهه “كيف أعبد ربا لم أره” والقلب مهبط الروح والروح نورانية من أمر الله لها الحياة والبقاء والسمع والبصر تخرق الحجب وتتخطى الحواجز ولا يعوقها عائق ولا يحول بينها وبين مرادها حائل.

• ومصداقا لقول الحبيب صلى الله عليه وسلم\\\"اتق فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله\\\" ولقد ذكر أن رجلا دخل على سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه وكان قد نظر إلى امرأة في الطريق فلما دخل على سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال له سيدنا عثمان ألا تستحون تدخلون على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الزنا في وجوهكم فبهت الرجل وقال يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أوحي نزل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه لا، ولكن فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله عز وجل .. كما ذكر ايضاً أن الجنيد البغدادي رضي الله تعالى عنه أتاه رجل نصراني وقد أخفى الصليب تحت ردائه وقد تزي بزي الإسلام وجلس بين يدي الجنيد البغدادي وقال له يا إمام ماذا تقول في قول الحبيب صلى الله عليه وسلم “اتق فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله\\\" فقال له الجنيد: أما آن لك أن تسلم فبهت الذي كفر وأسلم النصراني في الحال.