أريانية كفيفة ..تمتلك البصيرة
بقلم/ خالد الحمادي
نشر منذ: 12 سنة و 3 أسابيع و 4 أيام
الثلاثاء 18 سبتمبر-أيلول 2007 11:30 م

فاطمة العاقل، كفيفة من اسرة ميسورة، تجاوزت حدود الاعاقة وناضلت كثيرا من اجل منح نظيراتها المحرومات من نعمة البصر حقوقهن الحياتية، فكانت الرائدة في انتشال الكفيفات اليمنيات من براثن الواقع الاسري والاجتماعي الصعب، واستطاعت خلال سنوات تحقيق الكثير لهن، في الوقت الذي لا زالت فيه الدولة تتجاهل وضعهن.

الكفيفة او فاقدة البصر في اليمن، محكوم عليها بالموت وهي علي قيد الحياة، محرومة من التعليم، محرومة من الرعاية الطبية، محرومة من النشاط الاجتماعي ومن الحياة الطبيعية، محرومة من الخروج من بيتها، والاصل في وضعها انها محبوسة في غرفة من غرف المنزل وكانها خُلقت ليُحكم عليها بالسجن المؤبد.

قصص كثيرة من الواقع اليمني يندي لها الجبين وتدمي القلوب في واقع الكفيفات اليمنيات، لدرجة ان بعض الاسر سعت فعلا الي قتل بناتها الكفيفات، للتخلص من اعبائهن، ومن همومهن ومشاكلهن، حتي جاءت فاطمة العاقل التي اسهمت في انتشال الكفيفات اليمنيات من براثن السجن الحياتي الكبير، وصنعت نماذج جديدة من الكفيفات المتعلمات، القادرات علي العطاء علي المستوي الشخصي والمجتمعي.

فاطمة العاقل، 48 عاما، كانت الاستثناء من بين كفيفات اليمن، التي نحتت في الصخر من اجل التمتع بحياة طبيعية والتي لم تكتف بذلك بل سعت نحو خدمة مجتمع الكفيفات اليمنيات بكل ما اوتيت من طاقة، وتميزت في ذلك عن مجتمع رجال الخير المبصرين، واحرجت الدولة التي تخلّت عن رسالتها وعن دورها في رعاية الكفيفات او المعاقات بصريا.

فاطمة العاقل، استفادت من الحال الميسورة لأسرتها، فدرست من المرحلة الابتدائية وحتي المرحلة الجامعية في القاهرة، حيث قضت هناك عقدي السبعينات والثمانينات وعملت بعد انتهاء دراستها الجامعية متطوعة في مدرسة المكفوفين مدة 6 سنوات، درست خلالها لمرحلة دبلوم عال في الدراسات الاسلامية ايضا.

في العام 1993 عادت الي اليمن وكلّها طموح في خدمة مجتمعها، فالتحقت وظيفيا بمركز المكفوفين كاخصائية اجتماعية. وقالت في هذه المرحلة، كانت اكثر الاشياء التي لفتت انتباهي انني كنت اشعر انني لا بد ان اكون متميزة في تقديم الخدمة للمجتمع، لا ان اكون مجرد موظفة تقليدية ، في اشارة الي شقيقتها الاكبر الكفيفة ايضا التي سبقتها في ممارسة هذه الوظيفة.

وذكرت لـ(القدس العربي) انها درست وضع المكفوفين، فوجدت انه علي الرغم من قِدم تاسيس مركز المكفوفين وكِبر حجمه وعدد الملتحقين به، الا انها لم تجد فيه اي مكفوفة من النساء، وبعد دراسة لهذا الموضوع اكتشفت ان سبب ذلك راجع لعدم وجود سكن للكفيفات في المركز.

واوضحت انها خلال ادارتها لجمعية المكفوفين من 1993 الي 1999 وضعت في بالها ضرورة ايجاد سكن للكفيفات، كخطوة اولي لاحتوائهن والاهتمام بوضعهن، حيث بداتُ منذ العام 1994 باجراءات تاسيس مدرسة للكفيفات وقدّمتُ حينها طلبا لوزير الشؤون الاجتماعية بهذا الخصوص واعتذر عن تقديم العون بذريعة ان امكانيات الدولة لا تسمح بذلك لانها لم تزل خارجة من حرب صيف 1994، فلم ايأس وحاولت بطرق شخصية البحث عن مكان لانشاء مدرسة للكفيفات وبالفعل حصلت علي مبني في اطراف مدينة صنعاء، اسست به معهد لتعليم الكفيفات من خلال تمويل خاص من اهل الخير .

بدات فاطمة العاقل مشروع معهد الحلالي لتعليم الكفيفات في اليمن منتصف التسعينات بحوالي خمسة الاف ريال سعودي فقط، اشترت بها الادوات الضرورية لمثل هكذا مدرسة، وبدات العمل باربع كفيفات فقط ومساعدة متطوعتين، حيث كانت المشكلة حينها صعوبة العثور علي الكفيفات ورفض الاسر اخراج فتياتهم للدراسة لعدم وجود امكانيات لديهم لاقامتهن في صنعاء او ايصالهن للمعهد واعادتهن للمنزل، فقامت بتوفير خدمة السكن لهن وكذا المواصلات للمقيمات في صنعاء ومن ثم تغلبت علي هذه المشكلة وارتفع عدد الكفيفات الملتحقات بالمعهد شيئا فشيئا الي ان وصل عددهن العشرات.

وركّزت منذ البداية علي قضيتين اساسيتين، الاولي اقناع اسر الكفيفات بالاهتمام بتعليم فتياتهم الكفيفات عبر الحاقهن بهذا المعهد، والثانية تاهيل كادر نسائي متخصص في تعليم الكفيفات، لعدم وجود مثل هذا الكادر في اليمن، بالاضافة الي التركيز علي الحصول علي مصادر للتمويل.

قضية الحصول علي التمويل برزت ايضا كاحد المعوقات امام مشروع فاطمه العاقل، لعدم وجود كيان او جمعية باسم الكفيفات، التي قالت اثناء رئاستي لجمعية المكفوفين كان ليس من حقي رسميا الحصول علي اي تبرع للكفيفات، لان النظام الاساسي يجيز للكفيف الحصول علي خدمات جمعية المكفوفين وليس للكفيفات الحق في ذلك، فشعرت ان عدد الكفيفات يزداد واعباءهن تتصاعد، فقررت في العام 1999 ترك العمل في جمعية المكفوفين وأسست جمعية اسميتها جمعية الامان لرعاية الكفيفات .

واوضحت انه من خلال جمعية الكفيفات تحسّن الي حدٍّ ما وضع التمويل للمشاريع الخاصة بالكفيفات فامّنت لهن السكن ووسائل الدراسة بشكل افضل مما كان الوضع عليه سابقا، بالاضافة الي تامين الحقوق الخاصة بالكفيفات.

وذكرت انه عقب تاسيس جمعية الكفيفات التي تراستها بدأت بالتركيز علي العديد من القضايا ابتداء بتامين حقوق وخدمات الكفيفة من الدولة، مرورا بالتاسيس لبرامج تعليمية قوية للكفيفة، مثل التعليم المبكر للكفيفات ومحو الامية للكبيرات منهن، بالاضافة الي برامج الدمج لهن في مدارس التعليم العام لمن تجاوزن منهن مرحلة التاسيس التعليمي في معهد الكفيفات، وكذا تزويدهن بمناهج مطبوعة بطريقة النقط البارز (برايل). جمعية الكفيفات حاليا تحتوي علي سكن جميل للكفيفات من المناطق البعيدة عن صنعاء يشبه السكن الفندقي بنظافته، ووحدة متواضعة للطباعة بطريقة (برايل) والتي اصبحت تزود الكفيفات والمكفوفين ايضا بمناهج التعليم العام المطبوع بطريقة (برايل)، وناد للكومبيوتر مزود بالكثير من اجهزة الحاسوب الحديثة، غير ان اغلبها تفتقر حاليا لبرامج المكفوفين الناطقة لقيمتها المرتفعة جدا، مقارنة بامكانيات الجمعية المتواضعة، كما تضم الجمعية ايضا ناديا رياضيا للكفيفات ووحدة تحت التطوير للرعاية الصحية لهن.

وتجاوز نشاط الجمعية العاصمة صنعاء الي رعاية الكفيفات من جميع ارجاء اليمن، وتسعي الي فتح فروع ومقار للجمعية في العديد من المدن اليمنية، كما ان اهتمام الجمعية تجاوز رعاية الكفيفات الي الاهتمام برعاية اسرهن ايضا، لحمايتها من الفقر وذلك من خلال تقديم المساعدات المالية الشهرية لهن، عن طريق العمل في مشروع كفالة الكفيفات، والبحث عن تمويل مستمر لذلك.

جمعية الامان للكفيفات او مشروع فاطمة العاقل، كما يطلق عليه البعض، تواصل بكل تفان تطوير الخدمات والرعاية للكفيفات، لدرجة تجاوزت بكثير الخدمات الحكومية التي تقدم للمكفوفين، حتي ان الرئيس علي عبد الله صالح اعترف في مهرجان الكفيفات الاسبوع الماضي بالدور الكبير الذي تقوم به جمعية الامان للكفيفات وللمكفوفين ايضا، فاعلن تبرعه بتمويل تطوير وتزويد وحدة الطباعة بآلات حديثة، وكلفها بطباعة المناهج الدراسية بطريقة (برايل) لكافة المكفوفين في اليمن ولجميع المؤسسات والجمعيات والجهات المعنية بذلك. الكفيفة اليمنية فاطمه العاقل التي تجاوزت بهمتها العالية حدود الاعاقة البصرية، قدمت نموذجا متميزا في خدمة المجتمع اليمني فحققت خلال سنوات محدودة ما عجزت الدولة عن تحقيقه، وذلك بمشروعاتها المتجددة والمتقدمة التي لا تقف عند حد، حسب تعبيرها، والتي قالت انها تطمح حاليا الي انشاء مكتبة متكاملة للكفيفات مزودة باحدث التقنيات العصرية، بالاضافة الي توفير جهاز كومبيوتر لكل كفيفة يمنية مزود بالبرامج الصوتية الخاصة بالمكفوفين، لتمكنها من تجاوز الاعاقة البصرية تعليميا وثقافيا وتساعدها علي مواكبة مجريات العصر، باحدث التقنيات المعرفية.