قطر واليمن وقناة الجزيرة
بقلم/ د.فيصل الحذيفي
نشر منذ: 9 سنوات و 8 أشهر و 27 يوماً
الأحد 14 مارس - آذار 2010 07:25 م

سأعلن انضمامي وتأيدي للسلطة لأنها قمعت الصحفيين والقنوات الفضائية المارقة والمعادية لليمن العظيم المنافس الوحيد لأمريكا واليابان والصين، وبأن هذه القنوات الضالة والصحفيين العملاء هم من يهدد اليمن ويؤرق مضجعه ( ليس تعبيرا عن السكينة العامة ولكن لأنه نائم ) الشعب النائم الوحيد الذي تـنـتصف له السلطة الصالحة.

لكن لدي سؤال يؤرقني أود أن أرفعه إلى أصحاب القرار :

إذا كانت قناة الجزيرة الضالة والصحفيين اليمنيين والمراسلين العملاء والخونة والموتورين يضخمون الأحداث ويسيؤون إلى اليمن ، لماذا لاتلجأ الحكومة اليمنية إلى المعاملة بالمثل وفق مبدأ معمول به عالميا في حقل العمل الدبلوماسي، ويتمثل بأن ترسل طواقم الفضائيات اليمنية إلى قطر وهي كثيرة والحمد لله ويكون لها جهاز بث فضائي وهدفها الوحيد نقل الأحداث في قطر وتضخيمها وتشويهها وتزويرها وتنقل أوضاع الفساد السياسي والإداري هناك ، وتنقل إلى العالم جميعا الأحياء العشوائية والشحاتين في الشوارع والأزقة وتراكم القمامة في كل مكان، وأن ترصد حوادث القتل اليومي بدافع الثأر أو الجهاد في سبيل الله أو الحرب الأهلية وانفصال جنوب قطر عن شرقها وأخبار الكهرباء التي تنطفئ أكثر من أن تنير والمدارس المهلهلة والجامعات الحكومية المدرسية والطرقات المحفرة، والمطبات المنتشرة في الأرجاء، والتهريب عبر الحدود والقرصنة في مياهها الإقليمية، وتهريب الغاز القطري والصناعات البتروكيماوية. وهكذا كلما أوغلت قناة الجزيرة في تشويه اليمن توعز السلطة الوطنية جدا جدا إلى مراسلي القنوات اليمنية في قطر بمزيد من تشويه قطر وتضخيم الأحداث ، عندها لن تصطبر حكومة قطر على هذا التشوية الحقير فستقرر عبر وزير إعلامها الفذ إلى اقتحام مكاتب الفضائيات اليمنية قبل أن تقتحم حكومتنا مكاتبها وستصادر أجهزة البث لنرد عليها بالمثل. ونوقعها في كيدها وشرها.

لا شك أن الصحفيين الحكوميين لن يكن بوسعهم فعل هذا لسببين جوهريين :

السبب الأول : أن الصحفيين الحكوميين هم أعجز من أن يمارسوا صحافة مهنية احترافية تخترق المسكوت عنه وتظهر المختبئ عن العين بحرفية عالية ، لأنهم اعتادوا منذ ممارستهم المهنة في وسائل الإعلام الرسمي أن يكتبوا أخبارا حكومية بنكهة واحدة كلها تدور حول جملة بسيطة وسهلة « الأمور كلها بخير وتبا للموتورين» والصحفيين الحكوميين على دين ملوكهم.

السبب الثاني : أن دولة قطر وهي إحدى الدول الخليجية الثلاث ( قطر والإمارات وعمان) وهي دول رائدة على مستوى الشرق الأوسط في التنمية والتحديث الشامل بوتيرة عالية وصمت متعمد ، وبالتالي فلن يجد مراسلو الفضائيات اليمنية من الأحداث السيئة المزعجة لينقلونها إلى العالم نكاية بما تقوم به الجزيرة في اليمن. وهنا نجد الجواب على سؤال: من يشوه سمعة اليمن؟

الرسالة الموجزة للغاضبين والمحبين لقناة الجزيرة:

إننا في بلد وصلنا إلى درجة فاضحة من السوء والتردي ، بحيث تصبح حتى عدسة الهوات والمارة في الشارع ممن لم يلتحق بأية مدرسة إعلامية يستطيع أن يصور بعدسته ما يثير الغضب لأنه سيكشف عن الطبق المستور ولن تلتقط عدسته ما يسر أو يرضي، فالسبب ليس في نهج قناة الجزيرة على افتراض أنها تخلت عن مهنيتها وعمدت إلى تشويه الصورة المشوهة أصلا فنحن من أعد الصورة السيئة سلفا ولا لوم على ناقل أو عاتب.

يا سبحان الله : لقد أوقفت السلطة صانعة الأزمات حربها مع الحوثيين في صعدة وفتحت حربا أخرى مع الصحفيين والفضائيات والمجتمع المدني وجزء كبير من الشعب اليمني . لم يعد من الشعب من هو صالحا وبريئا من الخيانة والعمالة سوى أعضاء الحكومة والمؤتمر الشعبي العام المصفق على الدوام. ومن بؤس قراراتها أنها تتوحش على المقالح المتهم بدعم الحوثيين لكنها تصفح وتتحاور مع الحوثيين أنفسهم الذين قاتلوا وسفكوا الدماء.

التوصية بمنع بيع الكاميرات والتصوير بها دون ترخيص:

حدث منذ خمسة عشر سنة ، كان زميلي في بلد من بلدان المغرب العربي يمثل اليمن خير تمثيل، فظن من يعرفه أن اليمن هي على الصورة النموذجية التي يجسدها بعض الطلاب المتفوقين بالثقافة والعلم والأخلاق واللسان الطليق، وكانت للطلبة اليمنيين قوة في النقد وشراسة في الهجوم إلى درجة التحقير أحيانا واستمراء التعالي الذاتي أمام الآخر، وذات يوم بثت القناة الخامسة الفرنسية فيلما وثائقيا عن اليمن ريفها ومدنها، وقد التقطت العدسة كل ما هو غير مألوف من ذلك صور لمجموعة البرك القديمة التي يسبح فيها الأطفال وهم عراة والمياه المتعفنة والبيوت القديمة الأشبه بالأكواخ البدائية الخربة والناس الذين يعلو وجوههم البؤس وملابسهم الداكنة والمتسخة، وأكوام القمامات في أزقة بعض المدن حيث يحوم حولها الذباب والكلاب وبعض الشحاتين وأشياء أخرى كثيرة. مما اضطر زميلي ومعه آخرون للاختباء أسبوعا كاملا حتى يتمكنوا من الظهور العلني وقد نسي المشاهدون ذلك الفيلم المعبر عن واقع بئيس لمنتج ومصور ليسا بئيسين.

العبرة من ورود هذه القصة : إننا لا نستطيع أن نظهر بمظهر مرض ونحن على وجه غاية في السوء. ربما تساعدنا هذه العدسات على مكامن الخلل لنسع جاهدين لتلافي الأخطاء والسوء الأكثر حضورا في عقل وضمير الإنسان اليمني حتى وان تـَصََــنـّعَ انفعال الدفاع عن الوطن المشوه دون تشويه. ياجماعة باختصار: ليس لدينا من الحسنات ما نفخر بها سوى الإنسان، وقد عمدنا إلى تدمير الإنسان فماذا تبقى ؟

عندما ظهرت قناة الجزيرة في منتصف التسعينيات كانت بمثابة سلاح جديد لدولة ضعيفة خرجت للتو من القرون الوسطى تدافع عن نفسها أمام جيران أقوياء، لم تكن قطر مؤهلة لحيازة هذا السلاح الخطير، بل كانت اليمن حينها أكثر تأهيلا من أية دولة أخرى لأن لديها دستورا ينص على التعددية السياسية والإعلامية والحريات العامة ولم تتفطن السلطة إلى هذا السلاح الخطير، بينما سعت قطر جاهدة من اكتساب هذا السلاح وتخلصت قطر دون حرب من تفوق جيرانها عليها بالمال والجغرافيا والنفوذ وفرض تسوية الحدود، وأصبح حكام جيرانها جرذان خرسة (بكسر الراء) تخشى من أطراف ملف يوشك أن يذاع. إن قطر كانت اعجز من أن تنافس جارتها الكبرى بشراء الأسلحة وعدد السكان وسعة الجغرافيا والارتباط بالبيت الأبيض، فبحثت لها عن سلاح جديد صارت به هي الأقوى والقادرة على التأثير في رسم السياسات الإقليمية والدولية. حتى أنها تقاتل دون سفك الدماء وتربح المعركة دوما.

الخلاصة: على السلطة إن أرادت أن تبدأ بثورة إصلاحية سريعة أن تكون قدوة في النزاهة لشعبها وأن تطلق العنان للصحافة الحرة في العمل وأن تعتبر ما تنشره الصحافة من إختلالات بلاغا تلقائيا للنائب العام وتقريرا يوميا لصاحب القرار ليصلح ما أفسده أصحاب المناصب الكبرى والدنيا. وأن تسمع لخصومها من المعارضة وتتحقق تلقائيا من أقوالهم وتسد عليهم المنافذ حتى لا يجدوا ما يقدحوا به انجازات السلطة التي تبيعنا في ظل سلوكها الحالي أوهاما لا أفعالا.

hodaifah@yahoo.com