مبادرة القرآن لحل الأزمة تضمن.. الرحيل الآمن للنظام مقابل النقل الفوري السلمي للسلطة
بقلم/ توهيب الدبعي
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 16 يوماً
الأحد 03 إبريل-نيسان 2011 01:01 م

الحمد لله القائل: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ). والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: ستكون فتن، قيل ما المخرج منها قال ( كتاب الله..فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وحكم ما بينكم من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغي الهدى في غيره أضله الله، من علم علمه سبق ومن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم)....وبعد،

رفع الرئيس علي عبد الله صالح كتاب الله أمام الناس أجمعين واخذ العهد على نفسه مخاطبا العلماء انه ملتزم بحكمه ، فانقسم العلماء إلى فريقين الأول قال ارحل والفريق الثاني قال لا ترحل، وتفاقمت الأزمة يوما بعد يوم والرئيس يطالب الآن بالرحيل الآمن، وقد يغفل العالم اللبيب عن كثير من الأحكام الإلهية بل حتى الأنبياء كالحكم في قضية الغنم حين غفل داود وفهمها سليمان ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء : 79]،ونحن نقدر العلماء وإن لم يهتدوا لبعض الأحكام والحق أحق أن يتبع، فهل هناك حل للرحيل الآمن في الكتاب الموصوف بقول منزله ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)..؟

ما هو جزاء المفسدين في القرآن...وهل مطالب الشعوب توافق الجزاء الإلهي؟

أولا: لقد مارس الحكام كل ألوان الفساد المذكور في القرآن والذي فصلناه في المقال السابق(ثورة الشباب..دعوها فإنها مأمورة) ولكنهم مارسوا الفساد بشكل جماعي يصعب فيه الإمساك بمجرم معين إنما أمامك نظام ملأ البلاد بالفساد ولذلك وضع القرآن عدة خيارات بحسب الحالة:(إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة : 33]، فقد تمسك بمفسد تورط بشكل مباشر في لون من الفساد إما أنه قتل أو سرق أو استحيا النساء فهذا إن قتل يقتل وان سرق يقطع وان استحيا النساء وقتل وسرق قطع وصلب وقتل.

لكن قد تنفذ الجريمة بطريقة لا تستطيع أن تمسك فيها بالجاني المباشر ويكون المسئول عنها نظام يمارس الفساد فيكون الجزاء في هذه الحالة جزاء جماعي لا ينفذه القاضي إنما الأمة كلها إذ لا سبيل لإقامته إلا بها وهو النفي من الأرض ، أليس النفي من الأرض هو الرحيل ؟!! وهو ما تطالب به الشعوب اليوم تحقيقا لسنة الله.

والأمر الأهم : كيف يتم النفي من الأرض؟

صممت الأمة على النفي تبعا لإرادة الله ..واقتنع الحكام بذلك فلا خيار لهم وقد رأوا سنة الله في الذين خلوا من قبلهم.. ولو لم يحدث ذلك لفسدت الأرض كما قال الله (وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وقد حسم القرآن مسألة نزع الملك والذي يعني الانتقال الفوري للسلطة ولا معنى لترديد النظام نقلها إلى أيد أمينة فالله هو الذي ينزع والذي يؤتي (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء )،كما فصلناه في المقال السابق؟.لكن بقيت مسألة الرحيل كيف تتم، وهل اغفل القرآن وضع حل الهي سليم لرحيل النظام الفاسد؟

الجواب: الكل مجمع على رحيل النظام ولا تراجع عن هذا الخيار ولو اجتمع الإنس والجن وكان بعضهم لبعض ظهيرا ، ولكن أمامنا خيارين في تحديد وسيلة الرحيل وتوقيته ومكانه وهذا طبعا بعد ضمان تحقق كل المطالب للثورة الشبابية ونقل السلطة للشعب فورا، وإنما نقف عند مسألة الرحيل والبراءة من النظام..

الخيار الأول: الرحيل الفوري: وقد يدعو هذا إلى تصلب من النظام الذي لا يزال يهيمن على مفاصل مهمة من قوات الحرس الخاص والجمهوري ويملك السلاح المتقدم ..وعندما يحس انه لا مجال من الخزي الذي سيدركه سوف يستميت ليس في تثبيت وجوده من جديد فهو موقن بالنهاية، ولكن من اجل الانتقام وقد يحدث فوضى وفتنة يذبح فيها الأبناء وتستحيا النساء ويدمر العمران والمنشئات والآبار والمصالح الحيوية من غاز وكهرباء ومؤسسات ناهيك عن الرعب واختلال الأمن وهو فساد قد يفوق فساد 33 عاما كان قد مارسه.

الخيار الثاني: الرحيل الآمن السلمي: ولا اقصد بالضبط آمن من جهة النظام فحسب إنما آمن للبلاد من أن تشتعل فيها فتنة لن تصيب الظالمين وحدهم فالفتنة تعم الجميع وهو من باب درء المفسدة الكبرى وشر الشرين.

كيف يتم الرحيل الآمن والسلمي..؟ ومن الذي يحكم به وسط هذا الاحتقان الذي وقف الكل حائرا أمامه يترقبون معجزة إلهية تحسم الرحيل خوفا من الوقوع في فتنة عمياء وفساد مستطير؟ ، نعم نحن حائرون من ساعة الحسم ..مترددون في التوقيت...خائفون من النتائج ومن سطوة الفساد الذي قد يتهور فيحصد آلاف القتلى ويحرق البلاد ..لماذا التردد؟.....لأننا غفلنا عن كتاب الهداية الذي رفعه الحكام وهو ما ترضى به الشعوب التي تؤمن بالله وكتابه حكما، والتردد الذي نراه هو خير دليل على أن الحل الأنسب غائب عنا ولسنا على نور من كتاب الله في هذه النقطة بالذات ولذا نتخبط في الظلمات قال جل ذكره: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام : 122]، وقال (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ) [محمد : 14]

قانون الرحيل السلمي للفاسدين في القرآن :

الفساد الفردي وعقوبته كالسارق والسارقة والذي تحدد فيه المباشر للجريمة فبمجرد القبض عليه ينتهي الفساد، لكن الفساد الجماعي الذي يصعب فيه تحديد الجاني المباشر وحتى لو حدد بالقبض عليه وعوقب فمنظومة الفساد الجماعي تبقى قائمة...ولذلك كان الجزاء الإلهي مناسبا وحاسما وهو النفي من الأرض ورحيل النظام بكله... ومع ذلك أردف الله الآية الشديدة الحكم القاضية بالنفي والخزي بطريقة سلمية وهي التوبة المشروطة برحيل الفساد من السلطة وليس البلاد وقبول توبته وترك ملاحقته أو محاكمته فقال: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )[المائدة : 34].

إذا تابوا الآن قبل أن تصل الشعوب إليهم وتصبح هي القادرة فالله قبل التوبة وغفر ما مضى واسقط الحد ما لم يتم تحديد الجاني المباشر، لأنه فساد جماعي وإيقافه لا يتم إلا برحيلهم من البلاد أو بتوبتهم والرحيل من السلطة مع إسقاط الحد عليهم درءا للمفسدة الكبرى التي قد يستخدم فيها النظام آخر قوته في آخر مراحل الدفاع عن النفس فيسفك الدماء ويخرب البلاد ويهلك الحرث والنسل..وهو فساد اكبر مما سبق ارتكابه بعشرات الأضعاف.. والله لا يحب الفساد.

خطوات قبول الرحيل السلمي : ويجب أن نفرق بين الانتقال السلمي أو السلس للسلطة والرحيل السلمي فانتقال السلطة مفروغ منه بسنة الله في النزع ولا مجال لإشراك النظام في السلطة مطلقا لأنه لا ينهي الفساد..لكن الله يعلمنا الرحيل السلمي من السلطة وخطوات ذلك في كتاب الله هي :

1-قبول التوبة التي حكم الله بها وسقوط الحد ما لم يتم تحديد الجاني المباشر مقابل الرحيل بسلام ولهم حق العيش الآمن (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )[المائدة : 34] وهذا يشمل النظام ورأس النظام فالتوبة وردت بصيغة الجمع، وهذا من حكمة الله لأن الفساد الجماعي لا ينتهي بتوبة رأس النظام كما أن رموز النظام لن يترددوا عن إشعال الفتنة إذا لم يشملهم الحكم..وقد يصدون رأس النظام عن الرحيل الفوري ولو رضي بتأمينه وحده،حتى يأمنوا على أنفسهم وحكم الله يؤمن الجميع

2-بداية الشروع في الإصلاح وهو تنفيذ مطالب الشعب في نقل السلطة إليه فورا وهو النزع: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة : 160]، ويتم ذلك حسب الاتفاق في نقل السلطة كليا إلى مجلس انتقالي يشكل حكومة وفاق وطني لتصريف الأعمال تمهد لانتخابات نزيهة مبكرة لا يشرك فيها النظام الحالي مطلقا ويبقى الرئيس فخريا حتى إجراء الانتخابات ويقدم استقالته بشكل مشرف على أن يتم خلال الفترة الانتقالية إصلاح المؤسسة العسكرية حسب المصلحة الوطنية بشكل مرضي للشعب ومشرف للأسرة درءا للفتنة والمفسدة الكبرى.

3-تحديد مهلة للرحيل وليس النقل للسلطة وانسبها أربعة اشهر وأقصاها نهاية العام فلا يقربوا السلطة بعد عامهم هذا والدليل على ذلك أن الله حين تبرأ من المشركين بسبب فسادهم أمهلهم أربعة اشهر لمن شاء أن يتوب حماية لمصالحه أو يرحل، وفي الجانب الآخر وعلى الفور بدأ نقل إدارة سياسة الأمة تجاريا واقتصاديا منهم، لقد تبرأ الله منهم بدون رحمة لم تفتتح فيها السورة بالبسملة ومع هذا البيان الشديد أعطاهم أربعة اشهر لترتيب الرحيل سلميا مقابل تسليم السلطة فورا للأمة الجديدة، مع أنهم كانوا لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة .. لكن مادام هناك طريقة سلمية بتحديد مهلة فليس ذلك عجزا ( فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ)، ولا ضعفا إنما درءا للتصعيد الذي قد يضاعف ضريبة الإصلاح وفرصة لبيان صدق التوبة فالله لا يرد توبة تائب مهما أسرف، ولذلك أكد ثانية (فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ).

والذل سيقول لا أمان لهم حين يدعون للسلم فقد فصل الله هذا ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)..فالخداع عادتهم لكن اقبل وأقم الحجة وحسبك الله.

وخلال الفترة لنقل السلطة حسب العهد المتفق عليه يقول لنا رب العزة (فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يستفاد من هذا استمرار الاعتصام حتى يتم نقل السلطة وما استقاموا لنا استقمنا لهم وهي مبادئ لا تخص المشركين بل هي قوانين عامة للبشر...ويؤكد هذا أنه ما دامت الفئة الباغية من المؤمنين رجعت إلى أمر الله الذي يقضي بقبول الجنوح للسلم وقبلت الصلح وجب العدل والتوسط والقسط. ومادمنا نقبل في ساحات الحرية انضمام من تابوا من رموز النظام الذين نالوا نصيبا من الفساد فمن العدل والقسط أن نقبل النظام إذا تاب ودعا للسلم والصلح قال تعالى (فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

عندما أعطى الله المهلة ليس عجزا... وإنما تدبير خبير عليم بنفوس العباد مفاده الرحيل السلمي الذي يحقق مطالب الأمة غير منقوصة ويجنب البلاد الفتنة والحروب والتي قد تفوق فساد السنوات التي حكموها أضعافا مضاعفة ويزيد من عدد الشهداء وليس من الحكمة أن نطالب بدماء العشرات مقابل التضحية بآلاف آخرين، فلا يجوز اللجوء إلى خطوات تصعيدية مجنونة تقطع الطريق على الحلول الممكنة وتعمل على حشد المواجهة نحو تفجير كبير وخطير للأوضاع ..فمن الضروري والمهم تفهم متغيرات الأحداث وسنن الله في التغيير وحكمه في المفسدين في حال التوبة أو عدمها , ضمانا لعدم الانجرار وراء تصلب يقود إلى كوارث، يمكن أن تجرنا إلى هزيمة جماعية وزرها في رقاب تجار البطولات وأمراء الحروب، مصلحتهم تكمن في تفجير الأوضاع ونسف احتمالات الانفراج، وجر الأمة إلى فتنة أمرنا الله بالحذر من الانجرار إليها والتي لن تخص الظالمين وحدهم بل تشمل الجميع ولا تستثني أحدا (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )، خصوصا وهناك حل سلمي في كتاب الله الذي يهدي للتي هي أقوم.

هذا هو الحل المتاح في كتاب الله الذي يضمن لنا كل مطالبنا وهي: رحيل النظام وحياة خالية من المفسدين وبأقل الخسائر – امتلاك الشعب للسلطة - النجاة من فتنة الحرب الأهلية والتي قد نجني منها عشرة أضعاف الفساد الذي فعلوه طيلة 33 عاما وسوف نصبح عاجزين عن استعادة عافية البلد إلا بعد عمر مديد، وهو الحل الوحيد الذي يلبي حاجة البلاد والشعب إلى استعادة الهدوء وتأمين المصالح ويؤمن مخرجا فعليا يحفظ على اليمنيين وحدتهم النفسية والجغرافية ويدفع عنهم وعن بلادهم الشر ومآلات الفتن، وقبل كل ذلك يوافق المنهج الإلهي الواضح في الكتاب المبين.

الموقف المطلوب من حكم الله من النظام الحاكم والشعب؟

موقف الحاكم والنظام : إما قبول حكم الله أو عدم قبوله وتفصيل ذلك:

1- القبول بحكم الله : الذي فتح لهم مخرجا آمنا بتوبتهم جميعا وشرط التوبة للفساد المنظم الإصلاح (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) والإصلاح المنوط بهم هو نقل السلطة فورا حال توبتهم. ولهم الرحيل السلمي الأمن دون ملاحقة أو محاكمة ترغيبا لهم لدرء فتنة أعظم قادر على صنعها وهو حكم خاص بالفساد الجماعي.

2- تأخير توبتهم حتى القدرة عليهم فإن فعلوا ذلك ورفضوا التوبة فقد حكم الله حكمه حين يحيط بهم الشعب كما أحاط البحر بالمفسد فرعون وجنده فتاب بعد فوات الأوان فكان الرد: ((آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).

موقف الأمة والشعب : إما قبول حكم الله أو عدم قبوله وتفصيل ذلك:

1- القبول بحكم الله: وترك المكابرة تحت سلطان الغضب والحماس، فقبول حكم الله فيه تحقيق كل المطالب بالإضافة إلى الأمان للمستقبل من أن يدمره المفسدون، فالله حكيم .. وقد نصركم الله في مواطن كثيرة : وحدتم الشعب من صعدة الشمال إلى حضرموت الجنوب ، حقنتم الدماء في حروب النظام المفتعلة ، حررتم الناس والعلماء بعد خوف ، فلا تغتروا بكثرة الحشد وتغفلوا عن حكم الله القائل : (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)، وليس في هذا ضياع لحق الشهداء فأولئك قد اختارهم الله لأن سنة نقل الملك يحتاج إلى شهداء قال تعالى (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) والذي اتخذ الشهداء هو الذي حكم في المفسدين حكمه في النفي أو التوبة والرحيل وسقوط الحد لأنه سد لباب الفساد الأكبر وإذا كان درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والمفسدة الكبرى تدفع بالمفسدة الصغرى فما بالك بدرء المفسدة الكبرى ورحيل المفسدة الصغرى إضافة إلى تحقيق مصلحة كبرى، وليس الفقه معرفة الشر من الخير إنما شر الشرين و خير الخيرين. قال ابن تيمية :(لا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فان الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين -إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا- ودفع شر الشرين -إذا لم يندفعا جميعًا.(الفتاوى 23/ 343)، فما بالك إذا كان الحل بدرء المفسدتين ودفع الشرين جميعا، فإذا كان الفساد الأصغر هو بقاء النظام والأكبر خلقه للفتنة إن لم يجد الرحيل الآمن، فمبادرة القرآن تدفع الفساد الأصغر برحيله سلميا والذي بدوره يمنع من حدوث الفساد الأكبر بل ويحقق المصلحة الكبرى. ونحن بين فساد واقع وفساد سيقع وعلينا مداواة الأخطر لمنعهما جميعا وقد قيل من الحكمة:

إن اللبيب إذا بدا من جسمه ... مرضان مختلفان داوى الأخطرا

2- عدم القبول:عندما لا يقبل المؤمن حكم الله إلا حينما يكون له الحق فهو يتهم الله انه ظالم أو يخاف من الله أن يظلمه أو منافق أو يشك في حكم الله انه غير مناسب قال تعالى ((وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ [48] وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [49] أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [50] إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [النور : 51]، ويكون الرافض لحكم الله احد المفسدين (وَمِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ [يونس : 40] ، وقال (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً [النساء : 65]، ورسول الله كان يحكم بالقرآن : (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة : 49]، وترك البعض وقبول البعض من حكم الله معناه أن يصيبنا الله ببعض ذنوبنا..ودخول في طريق الضلال المبين (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً [الأحزاب : 36].

شرط التوفيق الإلهي: إذا نوى الجميع إرادة الإصلاح فقد تكفل الله بالتوفيق وإذا خان طرف من الإطراف حمله الله إثم الفتنة وانتقم منه قال تعالى (إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً [النساء : 35]

أيها الشعب : حكم الجاهلية هو التعصب للآراء وبغية الثأر وعدم تقدير العواقب لكن الموقنين يرون حكم الله هو الأحسن (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة : 50]، وهو الأحكم (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، ويتبعون ( وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يونس : 109] ، (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ، لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ).

أيها الشباب : ليكن لسان حالكم لن نبرح الساحات حتى يحكم الله لنا وهو خير الحاكمين: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [يوسف : 80]. وهذا حكم الله وهو خير الحاكمين وكونوا على يقين أن أي حلول أو مبادرات من الأحزاب والدول ستبوء بالفشل ولن تنجح إلا مبادرة القرآن الذي يهدي إلى الرشد والتي هي أقوم فالله ( أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً) والذي انزله بعلمه هو القائل (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الخبير بأحسن الحلول واللطيف بعباده من الانزلاق في الفتنة ، وسؤال الخبير والرضا بحكمه رحمة للأمة من شر الفتنة التي لا ترحم :(الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ).

وختاما أقول لكم :( يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]، و ( مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) ، وابتغاء مرضاة الله بالإصلاح (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء : 114]

\"اللهم هل بلغت اللهم فاشهد .. اللهم هل بلغت اللهم فاشهد\"