يجب احترام حرمة النفس في كل الظروف!
بقلم/ أ.د سيف العسلي
نشر منذ: 8 سنوات و 8 أشهر و 26 يوماً
الجمعة 27 مايو 2011 08:52 م

 في هذه الايام العصيبة التي تمر بها العديد من الدول العربية و منها اليمن يجب التنبيه على حرمة النفس البشرية. و تنبع اهمية ذلك من حقيقة ان النفس البشرية هي اول المحرمات التي يتم انتهاكها في مثل هذه الظروف. فاذا كان الجميع (سلطة و معارضة و ثوارا) يبررون تصرفاتهم بالحرص على مصلحة الوطن فان اهم مؤشرات صدقهم تعتمد على حقيقة حرصهم على احترام النفس البشرية في كل الظروف. اذ انه لا يمكن القبول باي مبرر لانتهاك حرمتها من اي كان.

  فالنفس هي الحياة بكل تعني هذه الكلمة من معنى و لكم في القصاص حياة. فالي جانب حرمة حياة الانسان فان حرمة النفس تعني اكثر من ذلك اي عدم تعريضها للإرهاب و الأذلال. فالنفس لا تعني الانسان المجرد (الجسم و الروح) و انما تعني اثرهما في الحياة اي ما يترتب على وجودهما من اثر. و لا يمكن الحصول على ذلك في ظل اشاعة الارهاب و التخويف.

 تبدا حرمة النفس البشرية باحترام حقها في الحياة و المتمثلة في حرمة ازهاقها الا بالحق و بتمكينها من الحصول على مقومات الحفاظ عليها. فقط ترفع الحرمة عن النفس البشرية عندما تمارس هذه النفس ازهاق الانفس الاخرى ظلما و عدوانا لأنه لو سمح لها بذلك لأسرفت في ذلك و لاضطربت الحياة.

 ان هناك فرقا بين ازهاق الانفس عبثا و إرضاء لنزوات شريرة و بين حق الدفاع عن النفس. فهذا الاخير انما شرع من اجل ردع الانفس الشريرة بهدف ان تحد من تصرفاتها الشريرة. فهذه الانفس لا يمنعها من انتهاك حرمة الانفس الاخرى الا قدرتها على ممارسة القتل و العقاب الذي ينتظرها و الذي يجب ان يكون من جنس العمل حتى يكون عادلا و رادعا. و حتى هذه الحالة فان تطبيق عقوبة القصاص على من انتهك حرمة الانفس الاخرى يجب ان لا يكون مطلقا و انما محكوما بضوابط تجعل اللجوء الى هذه الوسيلة عند الضرورة القصوى و في اقل الحدود الممكنة.

 من هذه الضوابط ان يقرر هذه العقوبة و ينفذها طرف محايد حتى لا يتسرب الى ذلك الانتقام و الاسراف فيه بحجة اختلاف العرق او الدين او اي مبرر اخر. يجب ان يحصر العقاب فيمن مارس الجرم و لا يتعداه الى اي طرف اخر. ان عدم تطبيق هذه العقوبة على القتلة سيؤدي الى قسوة قلوب البشر كل البشر حتى قلوب من لم يمارسوا القتل و لكنهم استمرؤوا هتك حرمة النفس. و لا شك ان ذلك سيعمل على اشاعة القتل لتسوية اي خلاف مهما كان بسيطا. و بما ان الخلاف يحدث حتى في الاسرة الواحدة او في القبيلة الواحدة او في الدولة الواحدة او في الدين الواحد فيتم اللجوء الى ذلك حتى بين هؤلاء مما يؤدي الى انتشار الفساد و اهلاك الحرث و النسل. اذ قتلتم نفسا فأدرأتم فيها ثم قست قلوبكم فكانت كالحجارة او اشد قسوة.

 انه لا يمكن تحقيق اي شيء يذلك في الحياة اذا تم التساهل مع حرمة النفس. فلم تقم اي حضارة في التاريخ الا و كانت حرمة النفس اهم مكون من مكوناتها. فالتقدم الاقتصادي لا يمكن ان يحدث في اي مجتمع يتساهل في حماية حرمة النفس. و لا شك ان ذلك يتطلب قدرا كبيرا من التسامح مع الاخرين في اي امور اخرى سوى هتك حرمة النفس و بالتالي عدم اللجوء الى قتل النفس لمجرد الاختلاف في الدين او العرق او المذهب او الراي. و قد اثبت التاريخ ايضا ان الحضارات الانسانية تنهار عندما يتم التساهل في قتل النفس التي حرمها الله. و من نتائج هذا التساهل ان تقتل النفس البيرية و تترك النفس القاتلة. فتلك ديارهم خاوية على عروشها فتجد فيها بئر معطلة و سهولة صالحة للزراعة و نعم اخرى.

 لقد اخذ الله عهدا على بني اسرائيل بان لا يقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق و على الرغم من قبولهم بذلك الا انهم تكثوا عن ذلك فقتلوا غيرهم اولا ثم قتلوا انفسهم ثانيا ثم قتلوا انبيائهم و من يأمرهم بالقسط من الناس. فأصبحت قلوبهم غلف بما لعنهم الله. و كثير من الناس رفعوا شعارات كثيرة لتضليل الناس بانهم مصلحون و لكنهم لم يترددوا في هتك حرمة النفس البشرية عندما اوصلهم الناس الى السلطة فمارسوا الفساد من خلال اهلاك الحرث و النسل.

 و على الرغم من ان كل الاديان و الشرائع و القيم الانسانية قد عملت على تحريم قتل النفس البشرية الا ان تعامل القران مع ذلك يظل متميزا كل التميز. و يتمثل ذلك في اعتبار القران قتل النفس بغير الحق جرما يتساوى مع الشرك بالله. فالله يدعوا الى دار السلام. ولذلك فقد اعتبر ان من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا و في نفس الوقت فان من احياها اي عمل على حمايتها و توفير متطلبات استمرارها كأنما احيا الناس جميعا.

 فقط اجاز قتل النفس التي ارتكبت الفعل نفسه تعمدا و ظلما و مع ذلك فقد حث على عدم الاسراف في القتل في هذه الحالة بل انه قد رغب في العفو اذا كان ذلك ممكنا اي في حال ان لم تكن عملية القتل وحشية.

 لم يكتفي القران بالتشديد على حرمة النفس بل انه قد شدد على كل التصرفات التي قد تقود الى ذلك. و من اجل ذلك فقد ربط الله بين اكل اموال الناس بالباطل و قتل النفس. و من ثم فقد اعتبر حرمة اكل اموال الناس بالباطل كحرمة قتل النفس. فكل من هذه التصرفات يعتبر عدوانا و ظلما. فما من شك بان من اهم اسباب هتك حرمة النفس البشرية هو السطو على المال. فلا قيمة لسلطة لا تؤدي الى الاستئثار بالثروة.

 و من اجل تشجع الناس على السلام فقد حرم الله القتال في الاماكن المقدسة و في الاشهر الحرم. و ما ذلك الا ليعلم الناس كيف يتجنبوا القتال حتى ما هو مشروع منه. و في هذه الحالة فانه يمكن التعامل مع ما يتسبب في ذلك بوسائل غير قتالية.

  فما الجهاد في الاسلام الا لحماية النفس البشرية. كتب عليكم القتال و هو كره لكم. اذن للذين ظلموا و قوتلوا ان يقاتلوا. الذين امنوا يقاتلون في سبيل الله و الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت اي في سبيل اكل اموال الناس و احتكار الثورة. فحتى في حال الجهاد المشروع فانه لا بد من التبين و التريث فبل اعلان الحرب و التهديد بها و عند الاضطرار الى خوضها. يأيها الذين امنوا اذا ضربتم في الارض فتبينوا و لا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدينا. 

و ما شرع الجهاد الا لحماية النفس. اذ ان الله تعالى قد اشترى من المجاهدين في سبيله انفسهم و اموالهم بان لهم الجنة. فمن يبيع نفسه لله لا يقتل النفس التي حرم الله ظلما بهدف عرض الحياة الدنيا. فان قتلوا او قتلوا فانهم يفعلون ذلك من اجل نصرة و حماية انفس المظلومين و المستضعفين الذي لا يجدون وليا و لا نصيرا. و بقياهم بذلك فقد فضلهم الله على القاعدين درجة و وعدهم اجرا عظيما.

فكل انواع القتل التي لا ترتبط برد العدوان و منع الظلم ممقوتة. فلا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس. ولا تقتلوا اولادكم لأي سبب من الاسباب. و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف بالقتل. كتب عليكم في القتلى الحر بالحر و العبد بالعبد و الانثى بالأنثى فمن عفي له من اخيه شيء فاتباع بالمعروف و اداء اليه بإحسان. و من اعتدى بعد ذلك فانه لا رحمة له.

 اما في غير ذلك فقد يكون من الافضل ان يكون المؤمن مقتولا لا قاتلا. و هذا ما فعله ابن ادم التقي عندما هدده اخوه الشرير بالقتل اذ قال لئن بسطت الى يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك اني اخاف الله رب العالمين. و كان من نتائج ذلك ان اصبح القاتل من النادمين و لكن بعد فوات الاوان.

 و تتعاظم حرمة النفس المسلمة و المؤمنة. و ما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطاء اي من غير تعمد او اسراف او عدم اكتراث. و من ارتكب غير ذلك فقد غضب الله عليه و لعنه. انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الارض فسادا اي قتلا بدون سبب او ضابط او قيد ان يقتلوا او يصلبوا. ذلك ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ينهى عن الفحشاء و المنكر. فمن يرفض العدل و يميل الى القتال فان على جميع المؤمنين ان يقاتلوه حتى يتوفق عن ذلك حتى لو كان يدعي انه مؤمنا.

 يجب على الجميع ان يتجنب هتك حرمة النفس مهما كانت الاسباب و المبررات لان ذلك لا يؤدي الى اي خير ونما هو يمثل الشر كله بل افظعه.