في المشهد مراوحة ان لم تكن مراوغة خطرة من دول الخليج تجاه الوضع اليمني
بقلم/ سعيد صالح ابو حربه
نشر منذ: 8 سنوات و أسبوعين
الخميس 09 فبراير-شباط 2012 07:22 م

تزايدت وتيرة الكتابات المتشائمة عن الوضع اليمني وخطورته وأسهب البعض منهم في الكتابة عن التحذير من انهيار الوضع ودخول البلد في دوامة الحروب الأهلية الداخلية المروعة .

 اذاً.. يحق لنا أن نسأل ونبحث عن المدى الذي يجعل من هذه الاستنتاجات ,جد .صحيحة ثم استطلاع أسباب ذلك .

للوقوف على الحقيقة لابد لنا من توصيف خلفيات الحالة الراهنه :-

اولاً - نظام ضل جاثماً لعقود زرع خلالها وعمّق ثقافة خاصة ونمط غريب من السلوكيات الممجّدة للفساد والمفسدين , مدمرة لقيم النزاهة والفضيلة وحجر على البلد, دخول الاستثمارات اليمنية والخارجية مماخلق وضعاً اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا مأساويا .

ثانيا - بروز معارضة سياسية منظمة وفاعلة نسبياً خلال العقد الأخير حاولت بمختلف والوسائل والسبل والضغوطات الحوارية والتفاوضية أن تزحزح النظام المستبد عن مواقفه المتعنته والإنتقال إلى وضع آخر ولو يشكل بطي دون جدوى ثم ظهور الحراك السلمي الجنوبي الذي رفع سقف مطالبه في السنوات الأخيرة إضافة الى بروز الحركة الحوثية التي واجهت النظام بالسلاح على الأرض .

ثالثا - إشتعال ثورة شعبية عارمة على النظام ساهم فيها الجميع من معارضة وأحزاب أخرى وشعب مقهور بما فيهم قيادات وقواعد المؤتمر الحاكم نفسه مثلت هذه الثوره بحق حدثا تاريخياً الأول من نوعه على الإطلاق في التاريخ اليمني وانتظمت بساحات الاعتصام والتظاهر بعموم محافظات الجمهورية .مئات آلاف المشاركين .

رابعا - لأسباب كثيرة داخلية وخارجية عجزت الثورة عن بلوغ هدفها الأول بالإسقاط الفوري للنظام كما فشل النظام في القضاء على الثورة رغم كل الأساليب التي استخدمها, وتوقف الطرفان في الوسط جاءت نتيجته المبادرة الخليجية المؤيدة من المجتمع الدولي لترسم للبلد ماسمي بالمخرج المشرف للطرفين من المآزق التي بلغتها الأمور باليمن ولتخلق حالة من التوافق بين بقايا النظام وبين القوى المعارضة وبعض شركائهم ,أسهم التوقيع عليها في الإعلان عن حكومة وفاق وطني بالمناصفة وما الى ذلك مما عرف عن المبادرة .

خامسا- بسبب من السقف العالي من الطموحات التي رفعتها شعارات الثورة في الميادين من الأيام الأولى فإن الكثير من شباب الساحات وبعض الأحزاب والقوى الجماهيرية والحراك السلمي الجنوبي وحركة الحوثيين , قد اعلنوا معارضتهم لهذه المبادرة الخليجية وان بمواقف مختلفة إلا أن الأمر لازال محل جدال ومراوحة بين الانتظام في العملية السياسية وفقا لشروط وبين الاستمرار في التظاهر والرفض المطلق للانضمام الى العملية السياسية الجارية بالبلد .

خامسا - تدخل إقليمي ودولي واضح وعلني افرز عن تبني دول الخليج للمبادرة الموسومة باسمهم والمؤيدة بالإجماع عليها من الدول دائمة العضوية والأخرى بمجلس الأمن الدولي 

لقد جاء تبني كل هذه الأطراف لهكذا حلول وسطية لماسموها بالأزمة اليمنية من منظار المصلحة الخاصة بكل طرف أكان إقليميا او دوليا, وان كنا هنا لا ننفي المصلحة اليمنية بالخروج من الأزمة بالأسلوب الذي تم الاتفاق عليه

سادسا- لإعتبارات كثيرة ولكن في غالبها صحيحة فان الجمهور اليمني كان مؤيدا للمخارج التي اعتمدتها المبادرة كما هي أيضا غالبية أخرى من القوى السياسية التي رأت ان المبادرة تمثل حلا وسطا حتى وان بدت كالشر, الذي لابد منه باعتماد الشراكة بين المعارضة وبقايا النظام , وهنا فان تقاطع للمصالح يمكن ملاحظته بكل وضوح قد تم بين بعض قوى الداخل وبين دول الإقليم المؤثرة بدرجة رئيسية. فلقد رأت القوى اليمنية المعتدلة والمجربة وغالبية الجمهور الذي عانى من استمرار الأزمات الناجمة عن استمرار الثورة والأعمال المضادة لها من النظام بان من مصلحتهم الأخذ بما ورد لمنع انزلاق الأوضاع الى مخاطر يرونها بائنة وخطيرة ومدمرة . تماما كمثل ان رأت دول الجوار كافة ومنها على وجه الخصوص المملكة العربية السعودية بان الرقم واحد في اهتماماتهم باليمن هوا الحد من أي مخاطر تقود الى تدهور الأوضاع المؤدية الى انهيار الدولة وما يستتبع ذلك من انعكاسات على بلدانهم تماما مع الحد من بلوغ الثوار تحقيق كامل أهدافهم التي تمثل في الأخير وفقا لبعض المراقبين خطر التقليد الحتمي من قبل شعوب المنطقة المجاورة .

ثامنا- تشكيل حكومة هجين بالمناصفة كان المنتظر منها ان تعمل الكثير جنبا الى جنب مع القائم بأعمال رئيس الجمهورية واللجنة العسكرية والأحزاب والقوى السياسية من منطلق افترضي ان التوقيع على المبادرة والإعلان عن الحكومة التوافقية إنما يعبر عن قناعة تكونت لدى الأطراف بالعمل سويا بإعداد برنامج عمل يسعون جميعا الى تنفيذه يحقق للجمهور بعض متطلباته الملحة ويخفف من الاحتقان ويعيد للمجتمع الطمانينة جنبا الى جنب مع الحوار الفعال مع القوى الرافضة للمبادرة ان كان لإقناعها بالانخراط في العملية السياسية او على الأقل ضبط معارضتها في الإطار القانوني والوطني .

حقيقة الوضع الراهن

 بوسع الكاتب هنا ان يفرد أكثر من صفحة ليبين كم هي المؤشرات السيئة لواقع الحياة اليمنية اليوم على مختلف الصعد . ومن دون الخوض في التفاصيل التي لاتعطي الا الصورة السلبية عن الحياة العامة ان في مجال الأمن العام بالمدن ونواحيها او المسائل الخدماتية من تيار كهربائي وتامين للطرق وإعادة الحياة الى طبيعتها في المرافق العامة والخاصة وو....الخ ,فان الوضع الأكثر خطرا, وينذر بالسحب الداكنة هي المعلومات والتناولات التي تلمح الى احتمالية الإطاحة بالعملية السياسية والعودة الى المربع الاول وما الى ذلك من إشارات خطرة اتجاه الحرب الأهلية والتمزق والشتات ,وكل ذلك يشير اليه البعض كنتيجة لصلف بعض القوى وتعصب الأخرى وكافة الحماقات بين فرقاء العمل السياسي جنب الى جنب مع الإشارات التي تومي الى وجود تدخلات من قبل أكثر من طرف خارجي .

ولقد تزايدت بشكل ملفت الإشارات الصحفية والمعلومات المسربة الى الإعلام او تلك التصريحات لبعض السياسيين عن تأكيد انغماس أيادي النظام الإيراني وربما أطراف دولية اخرى مؤيدة للسلوك الإيراني في الشأن اليمني ومنها ما قيل عن دعم النظام الإيراني لبعض قيادات الحراك الجنوبي والحوثيين والكثير من التحليلات التي تهب رياحها من اتجاه الإعلام التابع للطرف الإقليمي الراعي والصانع الاول للمبادرة الخليجية , ولقد قراءنا تحذيرات من كتاب خليجيين حدا ذهب بالبعض منهم الى تأكيد ماينشروه عن ان ايران انما تحاول إفشال المبادرة وإثارة الصراعات وانفلات الأوضاع بالوطن اليمني خدمتا لمصالحها في الظروف الراهنه لإشغال الامريكين والسعوديين عنها بما سيترتب عن أي انهيار للدولة اليمنية , كما ايد البعض من الصحفيين اليمنيين واكد على صواب مثل هذه الاستنتاجات اذكر منهم الأخ محمد العلائي الذي قدم تحليلا عن هذا ..

الموقف السلبي والباهت لدول الخليج

بقراءة متعمقة لماورد عالياً عن خلفيات المشهد اليمني وواقعة اليوم نستطيع ان نستنتج مدى المراوحة ان لم تكن المراوغة الغير محسوبة مع الأسف من لدن دول الخليج العربي وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية الشقيقة في تعاملهم مع الشأن اليمني , ولعلهم (واكرر هنا الأسف) لازالوا يواصلون السير على نفس الوتيرة من الإستراتيجية القديمة في التعامل مع الحكومة والشعب اليمني .

اننا نستطيع ان نشير بوضوح الى دورهم السلبي المتسبب باستمرار تردي الأوضاع الى هذا الحد بازدياد نذر المخاطر التي يمكن ان تفوح من تفاعلاتها والتي أكثر ما سوف تصيب المملكة ودول الخليج عامة ان حصل المكروه, والذي معه لم يعد ينفع الندم ان كنا السبب ام المؤامرات الخارجية .

وقبل ان نبين هنا مايمثل دليلا واضحا على صدق القول والاستنتاج الوارد عن سلبيات مواقفهم فانه حري بنا ان نشير الى امراً هوا الأكثر أهمية ويدل على مايمكن ان نقول عنه ضعفا ان لم يكن جهلا في تقدير المعلومات والموقف من قبل صناع القرار مايدور حولهم ويخططه الآخرون .

فمن المفارقات هنا ماتجدر الإشارة اليه باهتمام بالغ حيث هنا الأخوة في الجوار العربي لايمتلكون إزاء الأوضاع في اليمن الا خيار المبادرة (خيار التوافق) بخلاف كل الأطراف الأخرى 

ففي حين ان الأمريكان والأوربيين يدّعون بانهم حريصين على الاستقرار اليمني بما يمنع أي انهيارات فان المؤكد وفقا لأكثر من تجربة وتاريخ من انهم وان كانوا يحبذون هذا خيار المبادرة , فإنهم ومن الان قد اعدوا العدة للتعامل مع الخيارات الأخرى والعمل بما يجعلها أيضا, تصب في مصلحتهم, ولا أدل هنا من ان خيار الانهيار سيوظف لخدمة دوائر صهيونية متواجدة في أروقة ومراكز القرار الأمريكي والأوربي .

والعجيب هنا هوا الموقف الإيراني القادر على استثمار كل الخيارات . فمن خيار إفشال المبادرة والدخول في الفوضى لتستفيد ايران منه بإشغال الأمريكيين والسعوديين ببؤرة توتر جديدة وفقا لما تشير إليه معلومات الأشقاء أنفسهم الى خيار الانتصار الكامل للثورة وتبني شعاراتها الاستقلالية تماما, كما لديهم المقدرة على التعامل مع الحالة الوسط هذه باختلاق اكثر من مبرر براجماتي .

وهكذا في الحقيقة يضل الجانب الخليجي صاحب الخيار الوحيد المتمثل في مضامين الاتفاق التام وفقا للمبادرة فقط , وينكشف الوضع عليهم بكافة الانعكاسات السلبية والسيئة عند الأخذ بأي من الخيارات الأخرى .

ومن هذا المنطلق فأن المرء ليحتار من جراء هذا التقوقع والمراوحة لبلدان الخليج وانعدام الفعل الايجابي الصادق والداعم لاستقرار الأوضاع اليمنية والمبني على المبادرة المسمى بإسمهم .

 لقد عجزت الحكومة اليمنية كما عجزت النخب السياسية مع الأسف عن الوصول الى قواسم مشتركة فاعلة في العمل الميداني على صعيد الانجاز وإننا لنجزم ان بوسع الدول الخليجية والمملكة العربية السعودية الشقيقة على وجه الخصوص اتخاذ أكثر من خطوة في الاتجاه الصحيح ان خلصت النوايا من ناحية واستطاعت ان تقراء بعين الحصيف والمتمكن من استكشاف المخاطر المحدقة , ان خطوات مستعجلة من شانها ان تخفف الكثير من الاحتقانات والتوترات وبالتالي ظبط العملية السياسية في اليمن بما يخدم استقرار البلد وتنميته وتطوره الذي يمثل في الأخير ,بحق , بعدا هاما في حلقات الأمن القومي لدول الخليج والمملكة على وجه الخصوص إن أحسن الأشقاء الدعم لترتيب الأوضاع .

إن لدى المملكة التأثير الكبير على غالبية القوى ما يجعلها قادرة على الضغط بأكثر من وسيلة لإحداث تقاربات حقيقية وانفراجات في اغلب القضايا بما فيها القضية الجنوبيه واالتي تمثل بحد ذاتها خطرا كبيرا مكشوفا على كافة الجيران جراء الخيارات المتعددة التي حتما ستبرز بين الحين والأخر جراء التعامي والإهمال الذي يشعر به الجنوبيين وقواه الفاعلة من لدن الجيران الأشقاء .

إن عملاً كبيرا يتطلب أن يوجه من الآن اتجاه خدمة مصالح الشعب اليمني في المقام الأول من قبل الجيران وذلك لمنع التدخل الإيراني ومنع تاثيره السلبي الذي كثر الحديث عنه لاحقا من دون أن نرى أي تحرك مقابل يذكر مع الأسف تماما كما تمتلك المملكة التأثير على الشعب اليمني قاطبه عند ان تتخذ خطوة واحدة وصادقة في التخفيف عن المغتربين وتسهيل إقاماتهم وهو ماسوف يعزز من روح الأخوة والمحبة بين الشعبين والحكومتين .

ان الحكومة اليمنية مكسّرة الأجنحة ومكبلة الأيدي ولاتمتلك المال اللازم لإصلاح الكثير من المؤسسات الخدمية المخربة جراء الأزمة واظهر الواقع ان الكثير من المسائل التي يتطلب إصلاحها واعتمادها قد تعرقلت بسبب انعدام التمويل رغم أهميتها الذي ان نفذت لتوفرت إمكانيات التهدئة على أكثر من صعيد , ولكم نأمل ان يتنبه الطرف الخليجي الى هذا الأمر من حيث ان تقوقعه وتساهله الغير مبرر او مفسر منطقيا إنما يخدم في الأساس الأجندات والمخططات التي طالما حذروا منها وابدوا تخوفهم من حدوثها على الأرض اليمنية , مخططات من ضمن ما تهدف إليه ,الإضرار بالمملكة نفسها ودول الخليج عامة .