التهديد الفارسي بديلا عن الإسرائيلي في المنطقة؟(2)
بقلم/ عمرو محمد الرياشي
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 16 يوماً
الثلاثاء 04 ديسمبر-كانون الأول 2012 03:57 م

في تكملة للمقال السابق أبداء أولا بتوضيح لبعض الجزئيات الهامة لإزالة اللبس والخلط من خلال بعض ردود بعض القراء لموضوع الجزء الأول من المقال حيث امتعض الكثير عما ذكرته عن التهديد الفارسي كبديل للإسرائيلي ... داعمين رأيهم بالموقف الحالي والظاهري لإيران تجاه إسرائيل ودعمها للمقاومة الفلسطينية ....وأقول أن هناك فرقا بين أن ترى الحقيقة كما هي وبين أن يرى الشخص الحقيقة من جانبه الذي يريد ولكني أردت طرح تحليل لما يسير وفق معطيات ورؤية تاريخيه سابقه ومعاصرة أيضا أضافه إلى ماهو سائر في عرف السياسية التي لا تضع في قاموسها الصداقة والتعاون الا على معيار المصالح الدائمة التي هي أساس ووقود القافلة التي تخطو بها دول عالمنا المعاصر ومن يتخلف عن تطبيق معيار المصالح لن يبقى له مكان في هذا العصر .

وقد رأينا أمثلة كثيرة جداً لسقوط أقنعة خبأت خلفها سياسات خبيثة دأبت على تجميل وجهها القبيح تحت أقنعة وتعبئه دينية وقومية وإنسانية لكن سرعان ما تنكشف الحقائق بعد حدوث وقائع وأحداث سياسية تسقط هذا القناع المزيف ورأينا على سبيل المثال وليس الحصر حزب الله اللبناني وهو يختبئ وراء قناع المقاومة ضد إسرائيل حتى أخرجت لنا أحداث سوريا الصورة الحقيقية والأهداف الخفية التي لأجلها كان يدافع ويقاتل حزب الله عليها .

وحتى أبعد عن البعض الحساسية المذهبية في الرؤى السياسية دعونا نأخذ مثال عن التحالف الذي جمع بين أيدلوجيتين مختلفتين ومتنافرتين سياسيا وعقائديا وهي الرأس المالية ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية والإسلاميين في أفغانستان من أجل تحقيق إسقاط الإمبراطورية الاشتراكية ممثلة بالإتحاد السوفييتي ... وكان هذا التحالف قائماً حينها بسبب تقاطع المصالح بين (الرأس المالية الأمريكية والإسلاميين ) وبعدها فرقتهما المصالح بعد ان انتهت الغاية والهدف من التحالف ودخل أصدقاء الأمس أعداء اليوم في صراع النفوذ والمصالح والتي كانت الغلبة للأقوى .

ولا ننسى أيضا التحالف والدعم الأمريكي للعراق إبان حرب العراق الإيرانية (1980- 1988) وبعدها انتهى التحالف وشاهد العالم كيفية غزو العراق وإعدام الرئيس السابق صدام حسين .

أيضا لا يغيب علينا دعم أمريكا لإيران بالسلاح خلال حرب (العراق- إيران) في ثمانينات القرن المنصرم فيما يُسمى إيران كونترا والذي قد يعتبر من البعض هذا تناقضاً بقيام أمريكا بدعم طرفي الحرب (العراق وإيران ) ولكن يظل هذا التناقض ظاهريا لكنه غير متناقض جوهريا لأنه يتناسب مع طموحات الولايات المتحدة الأمريكية المتجددة في المنطقة.

وهناك الكثير لمثل هذه التحالفات السياسية التي لا تهتم باختلاف العقائد مادام واحديه المصالح أقوى وأنفع ومن واقع تتبع الخطوات الشيطانية في منطقتنا نجد أنفسنا أننا نقترب جميعا من حقيقة بسيطة وصادمة أيضا وهي أن المصالح السياسية هي من تملك اليد العليا وما دونها من استخدام وسائل مذهبية او دينية او قومية او نزعات عرقية أخرى كلها مجرد وسائل عبور لتحقيق هدف السيطرة والتحكم بالمصالح الاستراتيجيه .

ولذا من حقنا البحث عن كيفية فك الرموز التي من شأنها ان ترشدنا وتكشف لنا عن واقع لعبة المصالح السياسية .. كيف ونحن نشاهد اثار سمومها وقد غرزت مخالبها في جسد الأمة الإسلامية والعربية في العراق و سوريا ولبنان و منطقة الخليج العربي واليمن ودول أخرى .

فما يتم الإتفاق عليه بين قوى دوائر الشر والاستبداد من خلف الستار يهمنا وإن لم يظهر كاملا فالاهتمام بالمراحل التي سبقت والتي ستلحق في المنطقة من اجل الوصول إلى حقيقة أصبحت تفرض نفسها على المشهد الذي ربما سوف نرى أحداثه بشراسة اكبر في المستقبل .

المرجعية التاريخية للأطماع الإيرانية في المنطقة

تظل قضية تفعيل الدعم الإيراني وتسهيل مخططاته التوسعية في المنطقة هو وسيله لتحقيق مصالح استراتيجيه تخدم استثمارات إسرائيل في المنطقة مستغلين عدة محفزات ومنها الإرث التوسعي التاريخي الفارسي فالنظام الإيراني قبل ثورة الخميني( 1979م ) كان يتبنى العلمانية تحت حكم (شاه إيران) العلماني أحد حلقات الاستعمار العالمي إن لم يكن يمثل احد أذرعتها السياسية والعسكرية في المنطقة لقربها الجغرافي من الاتحاد السوفييتي حينها وأيضا تواجدها الجغرافي في منطقة النفط العربي ومنفذه البحري الذي يعتبر شريان الطاقة العالمي الذي من خلال له تمر ناقلات النفط العملاقة إلى العالم ... فرغم حكم الشاه الغير ديني إلا ان الصبغة التوسعية كانت هي المسيطرة عليه فقام باحتلال الجزر الإماراتية وكان يطمع إلى ضم البحرين أيضا والتوسع نحو دول أخرى وهنا أمر يجب ان يدركه القراء أن النزعة التوسعية الفارسية لا ترتبط ارتباطاً محوريا بالمعتقد الديني لأن إستراتيجية إيران التوسعية في المنطقة لا ترتبط بنوع وكيفية النظام في إيران وصفحات التاريخ تشهد بهذا .

فرغم استجلاب ثورة الخميني لنظام ديني (ولاية الفقيه) لحكم إيران بعد سقوط حكم الشاه إلا انه مازال يمارس نفس السياسة التوسعية من اجل الهيمنه على دول المنطقة حتى مع تبني الحكم الملالي في إيران شعارات ومجسات دينيه دعائية الباطن عدائية المظهر مثل العداء لأمريكا وإسرائيل والامبريالية وقوى الاستكبار العالمي ...الخ نجد المحصلة ان ذلك لم يوقف النزعة التوسعية والعدوانية لدى إيران في المنطقة وهذا يخالف بشكل صريح وواضح لشعارات إيران الدعائية التي تطلقها بين الحين والأخر .

فمخالب نظام إيران في المنطقة في خلق صراعات واقتتال كان له بصمته الفارسية ويكفينا حرب الثماني سنوات مع العراق وما تقوم به من عمليات تخريبية في دول الخليج ومساندة إيران الولايات المتحدة الأمريكية في احتلالها العراق حتى وصلت إلى البوابة الجنوبية لشبه الجزيرة العربية عبر استمالت كثير من القوى السياسية في اليمن الشيعية والسنية في وقت واحد وذلك من اجل تحقيق غايتها في التمدد والتأثير في المنطقة لإحكام سيطرتها على منفذ باب المندب وإعادة تواجدها جنوب الجزيرة العربية من خلال بوابتي الصراع السياسي في اليمن وعبر بوابة التشيع المذهبي .

وما يضاف إلى ذلك أن النزعة الفارسية التاريخية التي تحمل العداء للعرب كقوميه يساعده تأصيل حقد وحنق شديدين ويرجع إلى أن الأمة الوحيدة التي نجحت في فتح (فارس) هي الأمة العربية وعليه نجد ان التفاعل الثقافي الفارسي المعادي للعرب أمر له أصول وحسابات تاريخيه يعمل كوقود محرك للتهديد الفارسي في المنطقة العربية عبر نشر التعبئة الطائفية والمحاصصة المذهبية في دول الجوار حتى تشكل توسيع لها ونفوذاً يمكنها من خلق صراعات سياسية واجتماعية تنخر في المجتمعات العربية ... وللأسف قد نجحت إيران عمليا في اختراق عمق كثير من المجتمعات العربية ويرجع ذلك لعوامل كثيرة ومنها غياب نظام مؤسسات الحكم القائمة على العدل والمساواة وسط تراجع المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي وانهيار التنمية البشرية بشقها المعنوي والمادي وهذا أدى إلى هشاشة في الهوية الوطنية وتقويه للنفوذ الإيراني في المنطقة .