إسقاط "قيادات" المشترك ضرورة حتمية !
حبيب العزي
حبيب العزي

لم يدر بخلدي يوماً أن قيادات تكتل أحزاب اللقاء المشترك تملك كل هذا القدر من العجز عن الفعل السياسي أو حتى الفعل الثوري على الأرض ، في هذه اللحظة التاريخية الفارقة والهامة التي تمر بها اليمن ، هذا العجز وهذا الخوف غير المبرر ، الذي تجلى عياناً للناظر والمتابع بعد أحداث القصر الرئاسي في جمعة الوفاء لتعز ، تلك الأحداث التي كانت بمثابة هدية السماء إلى ثوار اليمن كي يجعلوا منها مرتكزاً رئيسياً لتحول نوعي في مسار ثورتهم ، تجعل منهم الطرف الأقوى والمسيطر على الفعل داخل اليمن برمتها في أي معادلة سياسية قادمة ، ذاك الفعل الذي يجعل كل أولئك الآخرون يلهثون وراء الثوار طلباً للتفاوض ، سواء أكانوا بقايا فلول النظام أو حتى تلك الأطراف التي دخلت على الخط ونصبت نفسها محامياً ومدافعاً عن ما تبقى من "ماء الوجه" لحليفها الجريح والمتهاوي ، مثل السعودية وأمريكا .

ثلاثة أحداث رئيسية وهامة ، تزامنت مع هذا الزخم الثوري الذي يحدث في اليمن منذ أربعة أشهر تقريباً ، أولها كان في جمعة الكرامة ، والذي أدى إلى ذلك الانهيار الكبير والمتسارع في بنية النظام كما رأينا ، الأمر الذي شكل نقطة تحول كبرى في مسار الثورة ، والثاني كان بُعيد رفض الرئيس التوقيع على المبادرة الخليجية ، وقصفه لمنزل الشيخ صادق الأحمر أثناء تواجد لجنة الوساطة بداخله ، والتي كان من ضمنها رئيس جهاز امنه السياسي اللواء غالب القمش ، والحدث الثالث – وهو الأكبر والأهم - ما حدث في قصر الرئاسة في جمعة الوفاء لتعز ، ذاك الحدث الذي كان هدية السماء الكبرى - كما أسلفت – للثورة ومن يناصرونها ويخططون لها ، وكان فرصة ذهبية للقيام بإنجاز ما ، يقلب الموازين لصالح الثورة على واقع الأرض ، وكلها أحداث صنعت فرصاً ذهبية كانت يمكن أن توصل الفعل الثوري إلى ذروته ، وتحقق ولو بعضاً من غاياته ، لكن تلك العقليات "التقليدية" التي تدير أحزاب اللقاء المشترك أضاعت – وبكل أسف - كل تلك الفرص الذهبية بحساباتها الدقيقة وتخوفاتها الغير مبررة .

كنا نتوقع على سبيل المثال إعلاناً للبيان رقم "2"في نفس تلك الليلة التي غادر فيها الرئيس البلد ، أو في اليوم التالي على أكثر تقدير ، والذي يفترض أن يقضي بتشكيل مجلس انتقالي يملأ الفراغ الأمني ويدير البلد بشكل مؤقت ، ويتم التوافق عليه بالتنسيق بين قيادات المعارضة في المشترك ، ومعها كل القوى السياسية الفاعلة على الساحة اليمنية ، وكذلك مع كافة القيادات العسكرية والأمنية التي انضمت للثورة ، على أن يتبع ذلك الإعلان تأييد شعبي واسع ، من كل المعتصمين بساحات التغيير في عموم محافظات الجمهورية ، الأمر الذي سيضفي على المجلس الانتقالي الشرعية الدستورية اللازمة ، التي تخوله تمثيل البلد في كل المحافل الدولية ، والذي بدوره سيشكل عامل ضغط لدول الجوار وللمجتمع الدولي ككل للاعتراف به ، كونه يحظى بالتأييد من طرف شباب الثورة المرابطين في الساحات ، وبالقبول من غالبية الشعب في عموم محافظات اليمن .

من الواضح أن علي عبد الله صالح لا زال يخيف قيادات المشترك حتى وهو على سرير الموت ، ولو قيل لها بأنه قد مات فستظل متوجسه خوفاً من أن يخرج لها من القبر "سع الشبح "، لأنها لا زالت تضرب له ألف حساب في كل تحركاتها ، ولا عجب في ذلك فالرجل بسطوته وقمعه قد جعلها تعيش في حالة رعب وفزع دائم من قبضته الأمنية طوال السنين الماضية ، ولذلك سيكون من الصعب عليها التخلي عن عقدة الخوف تلك بسهولة ، ونحن قد نعذرها في هذه النقطة ، لكننا لن نعذرها بأي حال من الأحوال إذا ما اتخذت من ذلك ذريعة للهث وراء المبادرات العبثية التي ثبت فشلها عملياً ، أو التفاوض مع بقايا نظام قد أسقطه الشعب أصلاً ، أو إذا ما حاولت استجداء الحلول من الأمريكان أو من دول الجوار عبر لقاءاتها التشاورية .

يجب على أحزاب اللقاء المشترك أن تتحرك اليوم قبل الغد ، لتأدية واجبها التاريخي التي تفرضه عليها طبيعة هذه المرحلة الحرجة والحساسة التي تمر بها اليمن ، وفق ما يلبي طموحات وتطلعات منتسبيها وأنصارها ، وأن تتخلى على الفور عن وهم انتقال السلطة إليها بشكل سلس عبر المبادرات السياسية وبمساعدة الأطراف الدولية والإقليمية ، وأن لا تتوقع أن علي صالح سيسلمها السلطة على طبق من ذهب ، وعليها أن تتوقع أيضاً أسوء السيناريوهات من تلك الأطراف وفي مقدمتها السعودية وأمريكا ، إذا ما حاولت التشاور معها بغرض جس النبض عن مدى إمكانية اعترافها بالمجلس الانتقالي الذي قد تعتزم تشكيله ، ويجب عليها أن تفهم أن تلك الأطراف الدولية لا تعرف إلاَ لغة مصالحها أولاً ، ولن تعترف إلا بالطرف الأقوى على الأرض ، والطرف الأقوى هو حتماً من سيسير على الخط الموازي تماماً لتطلعات وإرادة شعبه ، وعليها أن تتوقع كذلك أسوء سيناريو لردة الفعل من بقايا النظام حتى في حال رحيل صالح ، إذا ما تم الإعلان عن تشكيل المجلس الانتقالي ، وأن تكون مستعدة لمواجهة كل الاحتمالات الممكنة التي قد يفرضها واقع المواجهة ، لأن حتمية إنجاح الثورة بات قدرها وخيارها الوحيد الذي يصعب التراجع عنه بعد كل تلك التضحيات التي قدمتها ساحات التغيير في عموم اليمن .

إن مشكلتنا الحقيقية – من وجهة نظري - تكمن في أن تلك العقليات التي تدير المعارضة في اليمن ، هي ذات العقليات "التقليدية" الرتيبة التي تدير نظام الحكم الذي نريد إسقاطه ، والتي لطالما تعايشت - بل وتحالفت – معه في بعض الأحيان ، فأحزاب المعارضة - وعلى رأسها حزب الإصلاح – التي تطالب بالديمقراطية ليل نهار ، وتصف الحاكم بالدكتاتور ، هي تمارس ذات الأساليب داخل أحزابها السياسية ، وإن كانت بدرجة أقل نسبياً ، بدليل أن غالبية القيادات في المعارضة – إن لم يكن جميعها – والتي نراها على رأس تلك الأحزاب هي ذات الوجوه وذات الأسماء التي رأيناها منذ تأسست تلك الأحزاب ومنذ ظهرت التعددية السياسية في البلاد ، ولازلنا نراها إلى اليوم ، ولذلك يتوجب عليها تطبيق الديمقراطية على نفسها أولاً ، قبل أن تطالب بها الحاكم ، علّ صناديق الاقتراع تأتي بالبدائل الشابة وبالدماء الجديدة بداخلها ، والتي تستطيع التعاطي مع الأحداث بروح مواكبة للعصر ، وتفهم قضايا الشباب ، والتخاطب معهم بلغة يفهمونها وتناسب جيلهم ، وليس بأساليب عتيقة عفى عليها الزمن ، مالم فستصبح الثورة على تلك القيادات " التقليدية" من قبل أعضائها والمنتسبين إليها ، واجباً وطنياً وضرورة حتمية ، تفرضها ظروف المرحلة ، ويتطلبها الواقع .. وعليها أن تختار .. إما السير "وبجدية" في اتجاه الإصلاحات الداخلية .. أو فلتنتظر ثورة الشباب القادمة .


في الإثنين 13 يونيو-حزيران 2011 07:33:43 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=10622