هكذا تصير مسئولا
هاني غيلان عبد القادر
هاني غيلان عبد القادر

قرأت هذه العبارة في إحدى الرسوم الكاريكاتورية مؤخراً, حيث رسم شخصان ينحني أحدهما للآخر ليقبل إحدى قدميه في خضوع تام, ويا له من سؤال صعب, إذ كيف ينجح أحدنا ويترقى في وظيفته في ظل غياب المعايير الوظيفية، كالأقدمية والخبرة والكفاءة والمؤهلات, حين يصبح مدى نجاحك في العمل, مرتبط بمدى قدرتك على أرضاء رؤساءك، ومدى تفننك في إدخال السرور على قلوبهم، لتسود (شريعة الغاب) ويختلط الحابل بالنابل, أما عوامل النجاح ومصادره، فهي كثيرة متنوعة في بلادنا، لكن ليس منها الشرف والإخلاص والنزاهة بالتأكيد, ولا الكفاءة والمهارة والتفاني في

العمل بطبيعة الحال, ولكنها هنا (الوساطة والمحسوبية والرشوة) أو(يكفيك مصاهرة فلان أو أن تصبح من شلة علان) من علية القوم الصفوة الكبار -الذين لا يشق لهم غبار- وعندها (هنيتلك) يعني يا لحظك السعيد, فابشر بطول سلامة، وانعم بالخير الوفير، والنفوذ الكبير, وألف مبروك عليك الوظيفة الدائمة المرموقة!!

ومع صعوبة الإجابة على هذا السؤال العسير –إلا على من يسره الله عليه- لكن لا مانع من المحاولة بحثاً عن كلمة السر، لفك الشفرة السرية ولحل المعادلة الصعبة, ومن خلال الغوص في أعماق هذا الواقع المرير-بكل مفارقاته المدهشة والمحيرة- أقول:

1ـ إذا أردت –أخي الكريم- أن تصعد كالصاروخ, وتتنقل من وظيفة لأخرى كما يتنطط لاعب الجمباز, وتنعم بالمجد والجاه والثروة والمنصب، فيجب عليك أولاً أن تكون (مدعوماً) أي محسوباً على أحد ما فوق, ولا تقل معي الله وهو أعلى وأكبر من كل كبير، فتلك لغة مثالية لا يفهمها القائمون على أمورنا اليوم, فدعك منها وبادر سريعاً للفوز ولو بقصاصة صغيرة تستند وتتوكأ عليها وتحتمي بها، على أن يخطها لك أحد أركان النظام -هذا أن كنت ترغب بالانتقال لعالم البريق والأحلام- ما لم فيكفيك مجرد اتصال هاتفي قصير من أحد النافذين في الحكومة أو من أحد القيادات العسكرية أو الأمنية، لتصبح بين عشية وضحاها محمياً ضد الرصاص وضد الصدمات وضد القانون وضد كل شيء!!

2ـ إن لم تكن منتمياً إلى الحزب الحاكم فتحرك الآن إلى أقرب فرع أو مقر في منطقتك, وإن كنت من أعضاء المؤتمر السابقين، فعليك بإثبات ولاءك وإخلاصك، انشط تنظيمياً واستغل المواسم الانتخابية والأزمات لتثبت إخلاصك للقائد الرمز, ولا تكل أو تمل, استمر على هذه الحال أعواماً طوال, واسعَ لترشيح نفسك حزبياً لأي وظيفة، ولا ترفض أي منصب يعرض عليك –وإن كنت تعتقد بأنك تستحق ما هو أفضل منه.

فلا ضرر في قبوله (كن جندياً مثابراً في أي موقع) والويل لك والثبور وعظائم الأمور إن رفضت الأوامر، فستصبح خارجاً على مشيئة الحكام، ومتمرداً على النظام، ومطروداً من رحمة أسيادك الكرام, فتبوء بالبوار وسوء الدار!!

3ـ قدم نفسك بذكاء، وراقب مسار الأحداث السياسة, سل عن توجهات الدولة, وخاصة في مؤسستك التي تعمل بها, فإذا كنت موظفاً في (وزارة الخارجية) مثلاً، وقرأت في إحدى الصحف الرسمية, أن دولة (موزنبيق الشعبية) أصبحت تحد اليمن من الجهة الشرقية, فهي كذلك –لا شك في ذلك- اكتب على الفور دراسة تشرح فيها إمكانية تعاون بلادنا مع جارتها الجديدة موزنبيق لحماية حدودنا المشتركة, وقدم هذه الدراسة إلى رؤسائك، وإذا سمعت في اليوم الذي يليه من الإذاعة أن دولة موزنبيق انتقلت إلى سطح كوكب زحل، فاعلم يقيناً أنها انتقلت إلى سطح كوكب زحل، سارع إذاً واكتب دراسة أخرى تعتذر فيها عن ما حصل, معترفاً بخطئك الفادح الجلل, والناتج عن قصور فهمك، وسوء تقديرك, طالباً من رؤسائك الصفح والمسامحة, ثم اشرح كيف يمكن لبلادنا أن تطور علاقاتها مع البلدان الصديقة الواقعة على سطح كوكب زحل، وفي المقدمة منها (دولة موزنبيق الشعبية)..

4ـ تخل عن كرامتك وعن مبادئك وقناعاتك وآرائك الشخصية, وكن كالببغاء، ردد ما يملى عليك، كن إمعة وافعل ما تؤمر به، وفكر في كل أوقاتك كيف تنال حب رؤسائك، اعرف ما الذي يعجبهم وما الذي لا يعجبهم؟ وماذا يحبون وماذا يكرهون؟ واستغل أي مناسبة لزيارتهم محملاً بما خف حمله وغلى ثمنه من جزيل الهدايا، معبراً عن أسفك الشديد لأنك لم تجد شيئاً قد المقام!! 

5ـ اعلم -هداك الله- أن مصلحة الوطن وأمنه واستقراره فوق كل اعتبار, وإن كنت تسأل: من الذي يقرر أين تكمن مصلحة الوطن؟ فهو الحاكم -لا ريب- ثم من ينوبه ثم من يليه، فإذا أمرك أحد رؤسائك في العمل بأمر ما -أي أمر- فنفذ بحماس ولا تماطل أو تجادل, فالوطن أمانة في عنقك، الوطن يناديك وهو بحاجة ماسة إليك, وإياك وسوء الظن في رؤسائك, فسوء الظن باب الفتن, ورؤساؤك دائماً على صواب, لأنهم أعلم منك ببواطن الأمور، وإلا لما عينتهم الدولة مسئولين عليك يا غبي، فافهم تغنم!!

6- إذا كنت تاجر ثري أو شيخ قبيلة فأنت من المحظوظين الذي تنطبق عليهم أهم المعايير والمواصفات، وإن لم تكن فلا تحزن وأجبنِ: هل عليك ملف دسم (فساد، مخالفات، اختلاسات، رشاوى، قضايا آداب، الخ) إذا كنت ممن عليهم إدانات فاطمئن أنت أيضاً من المحظوظين -لأنك مضمون ومطيع وفي الجيب- وإن لم تكن عليك أي قضية فلا تحزن، ادخل في مساومة مقابل سكوتك عن شيء ما أو لتمرير موضوع معين، وإن لم تستطع أو إن لم يكن بيدك شيء تساوم عليه، فلا تحزن أيضاً، هنالك دائماً ثمة حلول.. اعلم –رعاك الله- أن (وراء كل عظيم امرأة)!! هكذا قيل لي، والعهدة على الراوي:

عنده ظبية فأضحى وزير** إن نهدي ظبية (مؤهل) خطير

7- وأهم شيء، يجب عليك أن تجيد فنون القول والمداراة واللف والدوران، كن متحدثاً لبقاً طلق اللسان, استمر بالكذب ولا تخجل أو تستحي، تعلم كيف تتكلم كثيراً ولا تقول شيئاً، وإن كنت لا تعرف كيف تفعل ذلك، فاسكت –قبحك الله- اسكت ولا تنطق بحرف واحد سوى هذه الكلمات، اكتبها عندك واحفظها عن ظهر قلب، ورددها آناء الليل وأطراف النهار، اكتب: عاش (الوطن، الشعب، القائد، المنجزات) عاشت (الوحدة، الثورة، الجمهورية، الديمقراطية) ولا وألف لا لـ(العنف، التطرف، الخونة، العملاء، المرتزقة، الحاقدين، الانفصاليين، الانقلابيين) ونعم لـ(الأمن، الاستقرار، التنمية، الازدهار، التسامح، الاعتدال، الوسطية) وحاضر سيدي، ومن عيني، وتمام يا أفندم!!

8ـ إياك ثم إياك أن تنحاز للمواطن أثناء خدمتك أو أن تلتزم باللوائح والأنظمة وإياك أن تقول الحقيقة أيا كانت.. تعلم كيف تكذب بذكاء، تعلم أصول النفاق والتزلف, تملق لتتسلق, وامدح لتنجح، وخالف تعرف، وكُل وأكِل غيرك، ينبغي عليك أن تكون ملكياً أكثر من الملك، ووطنياً أكثر مما يحتمل هذا الوطن، ومطيعاً خدوماً، بشوشاً مبتسماً، بسيطاً متواضعاً، صبوراً كتوماً، هادئاً متسامحاً، متحمساً متفائلاً، حليقاً أنيقاً، والبس نظارات بيضاء لا سوداء.

وأخيراً وأرجوا أن تسامحني على هذه العبارة –رفع الله مقامك وأعلى قدرك- في الأخير عليك أن تتمرن كيف تمسح الأحذية، وكيف تُقبِل الأقدام, هذا إن كنت راغباً في أن تتقدم للأمام، أو أن تصير مسئولاً في أحد الأيام، ومعذرة منك –عزيزي القارئ الكريم- والسلام،،،


في الأحد 07 أغسطس-آب 2011 03:34:15 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=11253