اليمن في تقاطع طرق
أحمد الزرقة
أحمد الزرقة

بعد جدل طويل بين النخب السياسيه ورفض شباب الثوره ،حصل صالح على كل طلباته واشتراطاته مقابل مغادرته موقعه الرئاسي الذي قضي فيه نصف سنوات حياته، لكنه مع كل كم الدلال الذي حظي به مقارنه مع غيره من الرؤساء الذين اطاحت بهم الثورات الشعبية، مازال يضع العراقيل امام فرص خروجه الآمن من منصبه، ويستجيب لامنيات البقاء المستحيل، ويبالغ في الاستماع لاصوات بعض مقربيه الذين أوصلته مشوراتهم واستغلالهم السيء لمواقعهم حوله لزيادة حالة النقمة والغضب الشعبي ضده.

خلال سنوات حكمه الطويله قام صالح بخلط جميع الاوراق على الساحة اليمنية، وعمق من الفجوات بين اليمنيين واستدعى كافة مخلفات الخلاف والاختلاف والفرقة والانقسام، وحرص عبر تحالفاته غير الدائمة مع الاطراف السياسية والقوى التقليدية في المجتمع من ممارسه الاقصاء والالغاء الدوري لجميع القوى المطالبه بالتغيير والتجديد، او تلك التي تقاطعت مصالحها مع سيطره فكرة التوريث لنجله الاكبر، واحتكار المناصب الامنية والعسكريه والمؤسسات السيادية والايرادية لابناء اخوانه واقاربه واصهاره ومن يدوروا في فلكهم.

ادت تلك الممارسات غير الواعيه من قبله التي كشفت عن مدى تحكم العقلية الاولغارشية في طريقة حكمه القائمة تغليب اسلوب الحكم العائلي على حساب الاحتكام لدولة المؤسسات التي كان يتحدث عنها كثيرا في خطاباته السياسية دون ان يحول تلك الاحاديث لفعل عملي ملموس على ارض الواقع الملموس والمحسوس، ليصبح مثالا واضحا للديكتاتورية الهشة والرخوة، التي تستجيب لاستبداد الفرد وتكشف عن غياب المشروع السياسي له، ولنظامه المتخلف.

فلا هو الذي مارس الاستبداد المطلق ولا هو الذي عزز من بناء منظومة الحكم الديمقراطي الرشيد لمؤسسة الحكم.

كانت الديمقراطية من وجهة نظره الاحادية والقاصرة لاتتعدى فكره الذهاب للممارسة الانتخابات من اجل الايحاء بأن هناك ديمقراطية في البلاد، تجعل العالم يستمر في دعم نظامه بالمساعدات الاقتصاديه، ولم يكن ليسمح بوجود انتخابات تنافسية حقيقة تسمح بوجود القوى المناوئة له، او تفضي لانتزاع سلطاته او الحد من نفوذه على مفاصل الدولة، ولم يؤمن بالانتخابات كفكرة وممارسة تصل لسقف كرسي الرئاسة، معتبرا ان اي نشاط سياسي يستهدف الوصول للحكم من قبل المعارضة تعديا على سيادة وهيبة الدولة وخطا احمراً لايجب تخطية ، وهو بذلك كان يختزل فكرة الحكم والدولة في شخصه معتبرا ان السعي لازاحته من منصبه يعد بمثابة الجريمة التي لا تغتفر ويستحق مرتكبها العقاب.

ساعدة في الوصول لقناعته تلك وتمترسه خلفها، الاداء السياسي الضعيف والهزيل لفوى المعارضة الهشة والخائفة منه، الذي جعلها تراوح ردحا طويلا من الزمن في مواقعها الهامشية غير الفاعلة والمؤثرة على مستوى الممارسة السياسية، وقد تعامل معها صالح وفقا لقاعدة العصا والجزرة، وارغمها على الاكتفاء بالدور التجميلي للوجه القبيح لمفهومه السطحي لما يجب ان تكون عليه العملية الديمقراطية.

كان صالح يدرك تماما اين تكمن نقاط الضعف والهشاشة في خصومه السياسين، ويجيد استدعاء مخاوفهم ويتقن العزف على أوتار تناقضاتهم ومصالحهم.

ولسنوات طويلة كانت المعارضة ترضى وتقتنع بالفتات، ولم تجرؤ على تجاوز العتبات والخطوط الحمراء التي رسمها صالح لها.

ومع وصوله لمرحلة اليقين بأنه لا توجد قوة سياسية تمتلك القدرة على مواجهته أو منعه من التصرف كحاكم مطلق ووحيد بدأ في غزل وتفصيل مقاسات كرسي الحكم على مقاسات نجله الذي يسيطر على قوات الحرس الجمهوري الضاربة والتي كان يتم اعدادها لتصبح القوة الجديدة والبديلة لمؤسسة الجيش التقليدي القديم الذي كان الطرف الاكثر قدرة على احباط مخططاته لتوريث نجله للحكم، فقد حاول اضعافه والزج به في اتون الصراع المرير في محافظة صعدة، كما استحدث اجهزة امنية جديدة لتكون بديلا للاجهزة القديمة واسند امرها لابناء اخوانه، وبدا واضحا ان البلاد باتت تدار من قبل جيل الابناء وتسير حثيثة الخطى للتحول باتجاه مفهوم الجمهوريات الملكية وهي بدعة عربية خالصة بدأت في سوريا ، ولاقت قبولا ورواجا لدى الانظمة في مصر وليبيا واليمن.

جاءت المفاجأة غير المتوقعة لاسقاط ذلك السيناريو ، محمولة عبر عاصفة الربيع العربي، والذي تلقفه الشباب اليمني ورأى فيه الجيل الذي ولد ونشأ في زمن صالح ، فرصة تاريخية لا تعوض لانهاء عصر الاستبداد والخنوع والقبول بدفن احلام اجيال كاملة في تابوت التوريث العائلي.

لم يصدق صالح كما لم يصدق قبله بن علي ومبارك والقذافي ، أن الشارع قد انتفض وقرر انهاء عصر الاحادية والوصاية الابوية، واستخدم كل ادوات القمع والارهاب والتنكيل في مواجهة الثورة وشبابها الذين اعتنقوا فكرة السلمية في مواجهة القوة والعنف بصدور عارية، وقدموا مئات الشهداء والاف الجرحى والمعتقلين من اجل تحقيق حلم التغيير واسقاط النظام، وبناء الدولة المدنية الحديثة والمواطنة المتساوية.


في الأحد 15 يناير-كانون الثاني 2012 03:06:09 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=13301