رؤية مختلفة: نعم للهيكلة ونعم لفك الإرتباط بين الهيكلة والحوار
جميل امذروي
جميل امذروي

صرّح بن عمر قبل أيام أمام مجموعة من الصحفيين بحسب صحيفة يمنية أنه يتوقعأنّ الحوار الوطني قد يتم تأجيله. لا نعلم الأسباب الحقيقية لهكذا تصريح لكنّ المؤكّد أنه يأتي وسط زخم من التصريحات المتواطئة ضد الحوار من عدة جهات، فهذا جناح في الحراك يعبئ الشارع الجنوبي ليرفض الحوار، وذاك صالح يطلق ولاءاته - الانتخابية المبكرة- في احتفال المؤتمر،وحتى المشترك ما انفك ولجنته التنظيمية شحناً للشارع بعناوين جُمع على شاكلة "لاحوار إلا بعد الهيكلة" و "لاحوار قبل الهيكلة".

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورة الهيكلة قبل الحوار، لكن الغريب أن الدعوات المطالبة بالهيكلة تأتي دوماً مقرونة برفض الحوار واشتراط الهيكلة قبل الحوار بدعوى أنّ الحوار هو ماسيتمخض عنه الحل لمشكلة اليمن وينبغي توفير الاستقرار وإزالة عوائق التغيير من أمامه. هذا رأي سياسي يستحق التقدير ويبدوا مصيبا تماماً للوهلة الأولى، لكن النظر اليه بعمق قد يقودنا إلى استنتاجات مختلفة.

لكي نفهم المسألة من سياق مختلف ينبغي أن نسأل أنفسنا أولاً هل الحوار سيكون مع صالح أم أنّ الحوار موجّه بالأساس لحل مشاكل الوطن والمواطنين؟ اليس الحوار لحل قضية الجنوب، وقضية صعدة، ووضع دستور جديد يرسي أسس الدولة المدنية ويحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها. وهل صالح يهتم أصلاً بالحوار ليتخلى عن جيشه حتى يدخل فيه؟ شخصياً لا أعتقد أنّ صالح يهتم بالحوار إلا بالقدر الذي قد يفيده دعائياً لكسب معركة انتخابية قادمة عبر كسب أصوات جزء من الشعب على حساب قضايا أجزاء أخرى وستكون الكارثة لو فكرت بقية الأحزاب بنفس الطريقة فتتحول قضايا المواطنين إلى مجرد كرت إنتخابي لكسب أصوات مواطنين آخرين.

أعود لأؤكد أنّ الهيكلة ضرورة وطنية لإزالة أسباب التوتر والصراع القائم في البلد، لكن ربطها الدائم بالحوار الوطني فقط وفقط بالحوار الوطني أمر يثير الريبة، فلا يكاد المراقب يشهد أي مطالبات سياسية بالهيكلة أو مظاهرات جماهيرية منادية بها إلا عندما يكون موضوع الحوار مطروحاً على الطاولة، وكأن الحوار الوطني إن لم ينعقد فلا أهمية للهيكلة ويمكن التعايش مع انقسام الجيش!.

دعونا نتسائل، على من يضغط الرافضون للحوار قبل إتمام الهيكلة؟ هل يوجهون حديثهم لصالح أم المجتمع الدولي؟ خاصة إذا عرفنا ان صالح يرفض الهيكلة وليس معنياً ولا مهتماً بقبول الحوار ولاءاته الشهيرة تدل على ذك. ثم إن الحوار الذي يهم صالح قد تم فعلاً وتمخض عنه حصوله على الحصانة دون التخلي عن الجيش وبقائهفي البلد وحصوله على نصف الحكومة. نعلم أن هذا كان فن الممكن لتجنيب البلد ويلات الحروب لكن أين فن الممكن هذا عندما يتعلق الأمر بالحوار الوطني المعني بحل مشاكل المواطنين.

السؤال الأهم للفهم هو ماذا لو استمر صالح برفض الهيكلة، هل نلغي الحوار بناءً على قاعدة "لا حوار قبل الهيكلة"، هل نتخلى عن حل مشكلة صعدة والجنوب وهي مشاكل أكبر من الهيكلة وقد تقود البلد نحو الخراب ربما قبل إتمام الهيكلة والحوار، والوقت ليس في صالح الجميع. هل نلغي إنتخابات فبراير2014إستناداّ إلى نفس القاعدة، إذ كيف نُجري انتخابات في ظل انقسام قوات الأمن والجيش! وهل ستقبل الأحزاب بنفس هذا المبدأ أن يُطبّق على الإنتخابات، أستبعد ذلك تماماً.

أعتقد أن الموضوع يحتاج إلى مقاربة مختلفة تفك الإرتباط بين الهيكلة والحوار ولا تتوانى في مواصلة الضغط الشعبي "الغير مناسباتي" لإتمام الهيكلة. أما الحوار الوطني فسيتم تحت رعاية العالم ولن يستطيع طرف وان إمتلك نصف الجيش أو نصف الحكومة - أيّاً كان - أن يمرّر ما يفخخ الحوار خاصة إن حسنت النوايا وأتفق الطرف الآخر على الحلول العادلة وأسس الدولة الجديدة مع بقية الأطراف الأخرى المعنية أكثر بالحوار. وربما كان الحوار ونتائجه المتعلقة بتقليص نفوذ الجيش في العمل السياسي وشكل الدولة وإخراج الجيش من المدن احد أهم العوامل العملية لتسريع الهيكلة.

إنّ الحوار والهيكلة موضوعين منفصلي التأثير فلا المُطالَب (بفتح اللام) بالهيكلة راغب بالحوار ولا المستفيد من الحوار يملك جيش الدولة، وبناءً على ذلك يصبح ربط الموضوعين نوع من أنواع الإبتزاز السياسي الذي نمارسه ضد العالم للي ذراعه حتى يساعدنا في تسريع هيكلة الجيش رغم أنّ هذا يحصل على حساب قضايانا الوطنية الكبرى، وهنا تكمن أمّ الكوارث.


في الجمعة 09 نوفمبر-تشرين الثاني 2012 01:38:38 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=17951