قراءة في أبعاد الحملة عليه..الزنداني ليس فوق النقد ولكن ..2-3
أ. د/أ.د.أحمد محمد الدغشي
أ. د/أ.د.أحمد محمد الدغشي

ماذا قال الشيخ وأبرز الردود؟

مع أن مسالة الحضور الذاتي لأي فرد في موقف أو فعالية ما لم يعد اليوم – في عالم الاتصال والفضاء المفتوح- بالأمر ذي الأهمية البالغة، كما كان في السابق، حيث يمكنه متابعة ذلك من بداياته حتى النهاية من غرفة جلوسه أو نومه، في أيّ موقع قريب كان أم بعيد، في ظل النقل الفضائي المباشر؛ بيد أنني شرفت شخصياً بحضور الفعالية التي وصفت بـ(المؤتمر اليمني لنصرة الإسلام والحفاظ على اليمن) صبيحة 20 ذي القعدة 1434هـ الموافق 26 سبتمبر/أيلول 2013م، بجامعة الإيمان مع ثلّة من الزملاء أساتذة جامعة صنعاء، ليس بناء على دعوة من هيئة علماء اليمن أو سواها، من الجهات المنظمة للفعالية، ولكن بمقترح كريم من أستاذنا الدكتور عبد الله المقالح البرلماني والنقابي والأكاديمي المعروف. والحق أنني – شخصياً- أنصت لكلمة الشيخ الجليل عبد المجيد الزنداني بإنعام وتركيز خاص، نظراً لمناسبة الموضوع وتوقيته (يوم ذكرى ثورة سبتمبر)، وطبيعة المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد، خاصة مع اقتراب الإعلان عن ختام انعقاد مؤتمر الحوار الوطني، وحجم الحضور النوعي نسبياً، علاوة على مافرضه حديث الرجل ومنطقه وحجته من إنصات وتأمّل، لا يحول دون النقاش البنّاء في القضايا التي تناولها.

كلمة الشيخ:

ومن منطلق الأدب التربوي النبوي القائل:" ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه"؛ فإذا جاز لمثلي أن يتجاسر ليقول كلمة في خطاب رجل بقامة الشيخ الزنداني، ذي الحضور والتأثير الداخلي والخارجي؛ فالحق أقول: لقد ألفيت كلمة الرجل – بالجملة- كلمة تاريخية جامعة، جاءت على مجامع القضايا الكلية المؤرقة الأربع: نصرة الدين عن طريق الحفاظ على هوية الأمة، عبر الإبقاء على نص المادة الثالثة في الدستور الحالي (الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات)، في الدستور القادم، مع إضافة نص ( ورفض ما يعارضها) إلى جانب تلك المادة، نزعاً لأي نص ملتبس وارد، أو إشكال في التأويل قد يحدث، والحفاظ على اليمن موحّداً مستقرّاً، عبر معالجة القضية الجنوبية، التي أوجزها في إعادة مناداته التي ذكر بأنه أطلقها منذ حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، دون أن يلتفت إلى مناداته أحد ممن يعنيهم الأمر، للقيام بتشكيل محاكم مستعجلة للنظر في مطالب أبناء الجنوب المتضررين من بعض الإجراءات التعسفية التي طالتهم، لإعادة الحقوق إلى أهلها، وتعويضهم عما لحق بهم من ضرر، ليظل الشعب اليمني موحّداً، بعد أن يحس المظلوم أنه أنصف وأخذ حقه كاملاً. ومع أن خصوم الشيخ الذين يستميت اليوم بعضهم في سبيل انفصال الجنوب اتهموه يوماً بالوقوف ضد الوحدة، بحجة مطالبته بتصحيح الدستور؛ فإنه يجاهد اليوم بالقدر ذاته في سبيل عدم التعرّض للوحدة بمكروه، وتلك جريرته عند القوم أنفسهم!

وقبل أن أنتقل إلى القضية الرئيسة الثالثة وهي قضية صعدة التي جاء حديث الشيخ عن الخمس في معرضها- حيث سيستغرق ذلك منّا المناقشة الجوهرية-؛ أود أن أشير قبل ذلك إلى فحوى رؤية الشيخ لمعالجة قضية الجماعات المسلّحة وأبرزها (تنظيم القاعدة)، إذ أوجزها في ضرورة الاستماع إلى المطلب الجوهري لتلك الجماعات- كما استمعنا إلى غيرها ممن لايزال يحمل السلاح- المتمثل في التزام النظام السياسي بتطبيق الشريعة، فأكّد الشيخ أن هذا المؤتمر - على سبيل المثال- إنما جاء في أحد أبرز أهدافه للغاية ذاتها، وإذاً فليس هناك اختلاف بين المطلب الأساس لتلك الجماعات- حسب إعلانها- وبين جمهرة العاملين للإسلام، وعلماء الشريعة في مقدّمتهم، وما مطالبتهم اليوم في هذا الملتقى (المؤتمر) بالنص الصريح على الهوية الإسلامية للدولة، والإبقاء على نص المادة الثالثة، وإضافة النص الرافض لما يخالفها؛ إلا دليل فعلي على ذلك. ولم يفت الشيخ الإشارة إلى أن ذلك ما ينبغي أن يستجاب له على الفور، بيد أنّه أكّد في الوقت ذاته أنّه إذا ظل السلاح مشهوراً بعد ذلك، بحجة أن الاستجابة ليست كافية، أو أن فهم تلك الجماعات للشريعة مختلف عن السائد لدى جمهور علماء الشريعة، أو أن ثمة مطالب جوهرية جديدة ستظهر، لتبرّر إبقاء التمنطق بالسلاح وإشهاره في وجه النظام السياسي أو من يخالفهم؛ فذلك أمر جديد آخر، ولكل مقام مقال. 

 أمّا قضية صعدة فقد كان الحديث عن خُمُس الخُمُس فيها – إذا استثنينا بعض النقاش العلمي المسؤول- بمثابة الشماعة التي ظن بعض خصوم الشيخ من المصابين بداء( الزنداني فوبيا)؛ أنه لما لم يجدوا مدخلاً في حديثه القويم عن القضايا الكلية الثلاث المشار إليها؛ وبدلاً من أن يكتشفوا –لو كانوا جادين صادقين- كم كانوا واهمين في حقيقة فكر الشيخ واتجاهه ورؤاه، وأنه آن الأوان ليضعوا يدهم في يده؛ راح بعضهم يتأول كلامه على نحو تعسفي، خالٍ حتى من أخلاق الخصوم الشرفاء، ومليء برواسب حقبة الصراع وتبعاتها، ويسعون –كعادتهم- في نسف تاريخه في الجهاد ضد الاستبداد بكل أشكاله، طيلة تاريخه الدعوي والفكري والسياسي، ومقاومته دعوات التفرقة ونزعات العنصرية، تحت أي دثار، وبأي عنوان، ولذلك خاصمه العنصريون (أجمعون) (أكتعون) (أبتعون)، متمذهبون وحداثويون، (شيوخ) أثخنتهم عقود من ثقافة الكراهية ونفسيات الانتقام، و(يافعون) رضعوا من تلك الشجرة ذاتها، مع حليب أمهاتهم، لينشأوا على تصور نمطي موحّد فحواه أن الشيخ مهما قال أو فعل فلن يغيّر ذلك من موقفهم (التاريخي) منه بوصفه – عندهم- رأساً من رؤوس خصومهم (الوهابية)، ورمزاً من رموز الجاحدين (النواصب) المنكرين لمنزلة آل البيت وفضلهم، كما سيظل لدى بعض الحداثويين شيخ العنف، وعنوان التكفير في البلاد، حتى لو كان حديثه الحالي وحده مناقضاً لذلك الوهم كله.

مع النقد الجاد:

يبدو أنّه لا مناص من التأكيد ثانية وثالثة أن ليس دافع ذلك التحفظ على نقد الشيخ في هذه المسألة - بوجه خاص- على ذلك النحو الذي طالعنا بعضه نابعاً من قبيل أن الشيخ الزنداني أو سواه يستعلون على النقد، أو أنني أعدّ ذلك الخلاف مع الشيخ مندرجاً في باب التطاول على القامات الكبيرة، أو ذا علاقة بالتمييز بين ما وصفه بعض الأفاضل من علماء اليمن بـ( الفرق بين النصيحة والنقد)، كيف ذاك وقد كان كاتب هذه السطور سبّاقاً إلى نقد بعض مواقف الشيخ، قبل أكثر من عام، كما ناقش الشيخ بعضُ الباحثين الجادين كذلك من قبل أمثال العزيز الأستاذ مجيب الحميدي في سياق مناسب، وأشهد أنه التزم في محاورته له المنهج العلمي بالجملة، وعرف للشيخ قدره، وحافظ على أدب الاختلاف، بمعزل عن مساحة الاتفاق أو الاختلاف معه، وأتذكر أنني في ذلك الحين لم أجد ما أعبر به عن إعجابي بمنهج مجييب سوى أن رفعت سماعة الهاتف، وأعربت له عن مدى الإعجاب بذلك، ولعلّه لايزال يتذكّر.

مع التأكيد على ذلك كلّه فإني أرى أن من المؤسف كثيراً اليوم أن ينجر بعض الباحثين الجادين أمثال الأستاذين العزيزين الصديقين زايد جابر وعبد الله القيسي وآخرين لمناقشة الشيخ الزنداني في مسألتي الخمس ومصطلح آل البيت، وكأن المسألة علمية صرفة في هذا الجو المضطرب المتداخل، وكأنهما أو سواهما سيحّرران النزاع، ويقضيان على الإشكال، وسيسلّم لهما كل طرف بعد ذلك!! علاوة – وهذا هو الأهم- أن ذلك جاء في إطار هذه الحملة بحيث أصبح حديثهما -حتى لو اختلف من حيث الدوافع والمنهج عن حديث الإفك الذي يقوده خصوم موتورون للشيخ- مشايعاً لها، من حيث لم يقصدا – بطيعة الحال-. وإذا كان الأخ  العزيز عبد الله القيسي، قد اقتصر على مناقشة مصطلحي آل البيت والخمس، ولم يتعرّض لشخص الشيخ الزنداني ودوافعه شيئاً يذكر مقارنة بالأخ زايد جابر، وإن كان قد تعرّض بما يشبه اللمز للإمام محمّد بن إدريس الشافعي، حين جعل من قوله بأن لفظ (الآل) يشمل المطلبيين (أي بني عبد المطلب بن عبد مناف)، لأنه ينتمي إليهم، علاوة على حديث انطباعي غير محقّق – وهو المتخصص في أصول الفقه-عن صحة بعض الأحاديث وضعفها، واتهام بالجملة لكل من خالف فهمه حول مصطلحات الآل وذي القربى والخمس بالانحراف( )!

لذلك رأيت أن أستهل هذه المناقشة بالأستاذ زايد – بوصفه الذي ركّز على رأي الشيخ الزنداني- وذهب في ذلك بعيداً – كما سنرى- انسجاماً مع عنوان الموضوع ومنهجية المناقشة منذ بداياتها. ثم أنتقل بعد ذلك إلى مناقشة رأي الأستاذ القيسي، وهو رأي الأستاذ جابر كذلك حول الخمس وما إذا كان امتيازاً هاشمياً لقرابة النبي- صلى الله عليه وآله وسلّم- أم تربية بالمعالي وأخذاً بالعزيمة لهم؟  غير أن الأول ركّز على المسألة من جانب المقصد فيها أكثر، أي في مسألة الخمس وعلاقتها بمصرفها.

مع زايد جابر: ظلم الحوثيين ومسألة التوقيت:

قال زايد إن الشيخ بحديثه اليوم عن إنصاف الهاشميين ينكئ جراحاً ويثير شجوناً، ذلك أن من يطالب الشيخ بإنصافهم اليوم ممن ظُلموا بعد الثورة هم من شرّدوا عشرات الآلاف من أبناء صعدة( ). وراح يسرد في الجزء الثاني من مقالاته حجم المظالم التي اقترفها الحوثيون في أكثر من منطقة( )، وكأن الشيخ يجهل ذلك أو يتناساه، وكأن الظلم اليوم يبرّر ظلم الأمس، وغابت عنا في أجواء هذا (اللدد) بدهية قرآنية محكمة {ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى}(الأنعام:164) .

 وأعجب من ذلك وأبعد أن ضخّم زايد أمر التوقيت وأعطاه من الدلالة والأبعاد مالا يحتمل، حيث ذهب بعيداً حين افترض أن لحديث الشيخ الزنداني مدلولاً سلبياً آخر كبيراً بسبب مجيئه متزامناً مع ( الذكرى الواحدة والخمسين لثورة سبتمبر) ( )، ومع التأكيد على أصل مراعاة فكرة جغرافية الكلمة وتاريخيتها، ولعلّ حديث كاتب هذه السطور لزايد وغيره يأتي في هذا الإطار كذلك، بيد أن أمر التوقيت ليس كذلك على إطلاقه – بطبيعة الحال- وإلا لوقعنا في تناقضات كثيرة، إذ ما من موقف إلا وسيقال فيه – على نحو ما- : لماذا هذا الوقت بالضبط؟ ولن يعدم أيّ منا أن يسوق مبرّرات وجيهة أو غير وجيهة لتأكيد وجهة نظره، وسيرد الطرف الآخر بالقاعدة الأصولية الشهيرة(تأخير البيان عند الحاجة لايجوز)، وربما هذا ردّ زايد في حال الاعتراض عليه بمسألة التوقيت أيضاً. ولهذا لم أكن أرى له تلك الضرورة حين أجهد ذاته في الاستشهاد بحديث المفكر الإيراني على شريعتي المطوّل والأمثلة التي ساقها على سلامة مراعاة مبدأ جغرافية الكلمة، حيث أخذ مساحة غير قليلة من موضوعه، على حين أن الأمر بدهية لايختلف عليها اثنان من حيث المبدأ، بيد أن تنزيلها على هذا المقام أو ذاك، هو مايستدعي النقاش والمراجعة، لكني آمل من العزيز الباحث الجاد زايد جابر– رعاه الله- أن يتأمل في هذا السياق قليلاً فيما يردّده جماعة السيسي بمصر ومن جعله قدوة له في أي بلد آخر، من أن إصرار الإخوان المسلمين والقوى المناهضة للانقلاب العسكري ليقيموا مظاهرتهم يوم 6 أكتوبر ليس له من مدلول إلا كراهيتهم الجيش الذي انتصر في ذكرى معركة 73م وتلك المناسبة، حيث يصرّون على اختيار ذلك اليوم لمظاهرتهم ضد الانقلاب العسكري! هل ترى الانقلابيين محقين في دعواهم؟

 لقد نسي الأخ زايد أن الزنداني ليس الثوري الوحيد الذي تحدث عن ماحدث للهاشميين من مظالم عقب الثورة، ولأن مسألة التوقيت ليست منضبطة دائماً؛ فإنه كما يبدي زايد استغرابه عن سرّ صمت الشيخ الزنداني على مظالم الهاشميين نصف قرن، ولم يتحدث إلا اليوم؛ فإنه سيظهر من سيبدي استغرابه كذلك لبقاء الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني-على سبيل المثال- صامتاً، ولم يتحدث ( في مذكراته) إلا بعد الثورة بنصف قرن، ولم تظهر تلك المذكرات إلا بعد وفاته بأكثر من عقد. وسيقول من يريد أن يحاكي منهج زايد ولكن في الاتجاه المضاد: لماذا تظهر المذكرات اليوم أثناء ثورة الشباب وعقبها؟ وبلوغ الحركة الحوثية غاية الغطرسة والتمدّد؟ حيث بلغ بها الحال أن تردد بأن ثورة الشباب سرقت منها، كما سرقت ثورة سبتمبر من الزيدية( ) . وواضح أن للقاضي الإرياني ألف حجة وحجة في تقديره الوقت المناسب من عدمه، حيث قد يكون من أهداف ذلك عدم رغبته أن يتعرّض في حياته – رحمه الله- للاتهام ممن لن تعجبهم بعض آرائه، فيضطر للرد، أما صمته فقد يفهم على أنه عجز أو إقرار بصحة ذلك- في نظر بعض القراء- والجدل في مثل وضعه خارج بلده قد لايكون مناسباً ربما. وقد يكون ذلك حرصاً منه على صحته بعد مرحلة جهاد أخذت منه الكثير، وقد يكون غير ذلك، وإنما المقصود هو أن مسألة التوقيت أمر نسبي تقديري لا يمكن ضبطه باضطراد ودقة، كما يتخيلها بعضنا.

وهنا لابد من التصريح بأن القاضي الإرياني ذكر في مذكراته ماتعرّض له كثيرون هاشميون وغير هاشميين من عنف وظلم بلغ حدّ الإعدام عقب الثورة، ويذكر أحداثاً بعينها حدثت له شخصياً، من مثل ماحدث له مع صديقه السيد محمّد الذاري، الذي ذكر من صدقه ونزاهته وحبّه للثوار، ودوره في إنقاذ حياة الإرياني، وإرجاعه من ساحة الإعدام، وتحمله في سبيل ذلك غضب الإمام وحنقه، وذلك على خلاف رأي بقية الثوار زملائه في الرجل، لكن الإرياني فشل في تبرئته بعد الثورة من السجن والإيذاء، رغم اتصالاته بالرئيس السلّال مرتين. وظل الذاري تحت التهديد. وهو ماجعل القاضي الإرياني يجد في نفسه، إذ لم يستطع الدفاع عن صديق برئ. بل قال الإرياني عن الإعدامات العشوائية التي تنفذ من غير محاكمات :" أذهلني ما كنت أسمعه من الإذاعة عن الإعدامات التي تتم لرجال العهد البائد، وأبرقت للرئيس السلّال أبرأ إلى الله من كل قطرة دم تسفك بدون حق، ... وجاء جواب الرئيس السلّال يقول:" إنما نعدم أعداء الشعب" فأجبت عليه أن الّدم يجرّ إلى الدّم، ولا أرى خيراً ولا مصلحة في الإعدامات، وفي السجن سعة ومندوحة، ولم يردّ"( )، . وأكّد غير مرّة أن ذلك الأسلوب كان من أكبر الأخطاء التي لحقت بالثورة وجرّت إلى احتراب داخلي دام ثماني سنوات. فهل ياتُرى يمكن أن يطال الإرياني قدر من التساؤل المريب عن ذلك الموقف في هذا التوقيت، على غرار ماطال الشيخ الزنداني؟ أم أننا نقع كغيرنا في الكيل بأكثر من ميزان؟!

هل ذلك كافٍ في التدليل على أن مسألة مراعاة بعدي الزمان والمكان أمران تقديريان نسبيان لايستأهلان ذلك التضخيم الذي صوّر الأستاذ زايد الأمر به؟ أمّا إذا لم يقتنع زايد بذلك وسيصر إلا أنه راعى في ذلك بعدي الزمان والمكان للكلمة، فستكون محاججته هذه المرة بموقف الرجل الذي احتجج به على الشيخ الزنداني بعد الثورة وهو أبو الأحرار الزبيري، حيث بلغ الأمر بالأستاذ زايد جابر أن ذكّر الشيخ الزنداني بشيخه الأستاذ محمّد محمود الزبيري- رحمه الله- وموقفه من (المساواة) في إطار أحد أهداف الثورة: (إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات)، وكأن الزنداني يختلف معه في ذلك أو صار ناسياً، وذلك لمجرّد أن الزنداني قال مايعتقده الحقيقة في ذلك !!

ياعزيزنا زايد هل لباحث مثلك أن ينسى أن الزبيري ذاته يعدّ رائد الوقوف العلني ضدّ الانحراف الذي جنح بالثورة عقب قيامها، وكلّفه ذلك حياته في ناهية المطاف عام1965م؟ نعم لقد كان مثل ذلك الموقف الباكر من قبل أبي الأحرار الزبيري مادة مضادة استغلت من قبل القوى الملكية منذ بداية الثورة للتدليل على ما أصاب الثورة من انحراف عن المسار، لكي تشغب عليها من الأساس، ومن دلائل ذلك عندهم ما وقع على رجال العهد السابق وفي مقدّمتهم الهاشميون من ظلم وقمع، وعلم الزبيري ذلك، دون أن يمنعه من المضي في نقده وتحذيره عبر خطبه وقصائده، وسائر نشاطه، رغم أن ذلك الاستغلال استمر إلى يوم الناس هذا، حتى إننا نجد بعد نصف قرن من قيامها من يردّد الاسطوانة المشروخة ذاتها في محاولة استغلال حديث الزبيري للإساءة إلى فكرة الثورة، من. وها نحن نقرأ في هذه الأثناء أي الذكرى الحادية والخمسين لثورة سبتمبر هذه الفقرة على سبيل المثال في واحد من أصوات تلك القوى:" بعد أقل من ثلاثة أعوام من قيام الثورة اليمنية في 26 سبتمبر 1962م يعلن الثائر الشهيد محمّد محمود الزبيري أن الثورة انحرفت عن مسارها، وأن الثوار ليسوا أقل ظلماً من حكم الإمامة، بل لقد أكّد أن هؤلاء كانوا نسخة مطوّرة من ذلك النظام الفاسد في قصيدته التي ألقاها، وكانت سبباً لاغتياله"( ). فهل يعني ذلك أن الزبيري كان عدوّاً للثورة، متآمراً عليها، متحالفاً مع الملكيين ومعهم بعض (الهاشميين) خصومها، كي يوجد لهم ذريعة النيل منها واتهام رموزها بالابتعاد عن أهداف الثورة؟! وحقاً لولا أنني أعرف مدى جدّية الأستاذ زايد جابر ونزاهته وخلقه، لقلت: إنه قد قبل أن يشايع الحملة غير البريئة التي طالت الشيخ، غير أن ذلك لايعفيه – وليتقبل ذلك مني بصدر رحب- بأنّه قد وقع في منزلق تلك المشايعة من حيث لم يقصد. وفي العدد القادم – بإذن الله- ستتم مناقشة موضوع الخمس وهل هو امتياز هاشمي لقرابة النبي- صلى الله عليه وآله وسلّم- أم تربية بالمعالي، وأخذ بالعزيمة لهم؟  


في الأحد 13 أكتوبر-تشرين الأول 2013 04:30:54 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=22370