قبل الرحيل..وصاحبني الموت
الحاج معروف الوصابي
الحاج معروف الوصابي

في عهد الشباب وربيع الحياة ، سقى الله تلك الأيام ، كان المرء لا يكترث بشيء ، سرعة في كل شيء ، وعجل في كل المواقف والتفكير والقرارات ، العقل لا يقبل بمقولة التأني ، أو أن لدى من سبقوك تجارب وخبرات وهي في النهاية رأي حكيم ، فالحكمة كنا نعدها في تلك الفورة تثبيط عاجز ، وخيار العديم من ليس له سواها.

فلسفتنا يومها تقوم على الحديات ، والمثاليات البعيدة ، وأما قوتي فعلى زندي وساعدي ، وما عداها فليس في الحسبان ، أو إلى النسبيات ثمة سبيل .

كان احدهم يعلوني بصوته يجاهرني في مرة ، ويهامسني في أخرى ( يا هذا اتئد وتوازن ، فالله عليك رقيب ، وله عليك أيضا رقيب ، وله من نفسك على نفسك شاهد ، ما لهذا خلقت ، ولا ما أنت فيه هو السوي المقصود ، وتذكر أن لك موسما وحصادا لن تعدوه ؛ وأن الأيام في خلق الله دول ، وكما تدين تدان ، والجزاء من جنس العمل ، وان ما ستحصده ذات يوم هو من زرعك أنت ، فتوقى لنفسك من نفسك ، ولمستقبلك من حاضرك ).

ولكن هيهات هيهات أن يثنيني صاحبي ، رغم أن كلماته تهزني ، وتبعثر في الكلام ، فانا رجل قد أوتيت جدل وعنادا وثورة على كل موروثي ومن حولي تتأجج ، كنت عصيا ، أمر على جدل ، وأقوم على جدل ,أهامس حبيبتي بجدل ، فانا ديالكتيكي في النوم والصحو ، وفي كل الأحوال ،شربت من نفس الكأس التي بكر إليها قبلي الرفيق احمد الحبيشي- عافاه الله - ، فارتكظ هو بعدها ولم يزل ...لكني صدمت بكلي على صخرة صماء أشد من الحديد ..فحصل فيَ التحول ..

مرضت وما أشد المرض ، وكم يحل الجبن والعجز بصاحبه ، حينما يحس بأنه يتهاوى ، والضيق يحبسه في كل روحه وجسده ، يا ..ألله .... إن للموت لسكرات ، احتبس صدري ووجدتني أتنفس من خرم إبرة فلا أجد.... أريد هواء.. هواء بكل هذا الكون اشتري شفطة هواء ، كأنما السماء كبست على الأرض وقد ضاق كل هذا الفضاء ..

يا رحمن السموات والأرض عبدك الآبق التافه الحقير لم يأت من قبل كبيرة بفضلك لا برشده ، وهو الآن لم يبلغ بعد الغرغرة ، أتوب إليك في هذه الساعة مليء السموات والأرض وملئ ما يرضيك من شيء بعد ، فاعد إلي عافيتي وروحي وأعطني الفرصة ، وأعاهدك يا حليم ياكريم أن لا تجدني بعد هذا إلا حيث تحب أن تراني ، وقد كانت منه سبحانه الفرصة ، فسبحانه من كريم وعظيم ، وكان مني السير إليه في التقصير والكثير من الجفوة ، لكني استغفره ورجائي إليه لا يبلغه حد ، ليس لي ما يبلغني إليه سوى أني أحبه مليء كل ذرة في كياني .

محطــة الأربعين

من قبل لم يكن لذكر الموت أي وقع على النفس ، لكنه وبعد أن يبلغ المرء الأربعين يجد وكأنه يبرمج من جديد في عقله وروحه .

كم يهزني ويرعبني ذكر الموت ، يحتوشني أحيانا من كل جهاتي .

بين الفينة والأخرى يبلغك موت صديقك ، أو قريبك ، ثم يتوالى نفس الخبر في نفس الفترة أو فترات متقاربة جدا على عدد من الأصدقاء والأقارب والمعاريف من نفس الجيل أو الدفعة ، فلان مات ، وفلان مات ، وفلان مات ....الخ وكأنما القوم في الطابور ، وأنا من نفس الدفعة أيضا ، وأجدني تلقائيا أتحسس رقبتي قد أتقدم أو أتأخر بقليل ، لكن استحالة أن أفلت .

وكم يشتد في النفس الحنين والأنين حينما يأتيك خبر وفاة أحدهم ممن كنت تشاكله في الرأي والقضايا ، أو أنت معه على خصومة في أمر ما ، ما كنت تحتمله ولا هو يحب أن يلقاك ، ربما طريقكما على قطيعة ، لكنه الآن ...كم تفيض العين عليه ، وتشتاق النفس إليه ، وتتسارع الدعوات له ..

يا لسر هذا التحول الوجداني....

أما حينما يسبقك إلى القبر توأم الروح – زوج أو زوجة – بعد طول هذه الصحبة والعناء ، وبعد ذك التمازج ، فليس مثلها صدمة ، أو أشق على الروح وهي تغادر الروح..هي مغادرة من الدنيا لكليكما ، الفرق انه بروحه وجسده ، أما أنت فقد بقي فقط هذا الركام الذي يثقلك حمله وتظل تدعو الله بحرقة أن يأتيك الفرج وتلحق بالحبيب ..

أو هبه شقيقك أو صديق العمر .. فمتى ستفيق من تلك الصدمة ؟؟، أما إن كان ابنك الأكبر ، الذي بكرتما – أنت والنجيبة - به ، وألفيت نفسك الآن تتحرك به ، فهو يداك ورجلاك وفرحتك التي لا تقاس ، وبه تعرف بين الناس بابي فلان فان المصاب لا تحمله اللغة في التعبير..

يا ..ألله ....القلب لا يحتمل ورود هذا الخاطر ، واجعلنا إليك أولا فداء لكل حبيب.

إن هناك من تجده يهد - بضم الياء- لفقد فلذة كبده ، يقول كسر ظهري ، وسقط عمودي ، وروحي تهد ، وعزمي يخور ، ورجلاي لا تحملني ، أواه.. أواه..( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) ...

وكلكم لاقيه ..... فإما عليكم أو على من تحبون ولو بعد حين .

...

أرى صبيتي يتحلقون على الطعام تؤمهم سيدة القلب والدار فأتذكر هذا الطارق الفجأة الذي لا يستأذن أحد ،وأتساءل خيفة متى سيأتي ؟، وهو حتما سيأتي ، ومن سيختار؟.. فيشتعل في قلبي الهم ويملاني الأنين ، وأزيد في الترقب حينما يدعونا الإمام –في كل يوم – الصلاة على فلان يرحمكم الله –فيغشاني كرب ومتى دوري وعلى من سينادي في هذا الدار ..؟

ذكر الموت يكدر العيش ، لكنه نعمة من الله يسترجعك إلى نفسك وعقلك فتستعد بتهذيب هذه الأمارة بالسوء مع الله ثم مع خلقه ، ويذهب عن نفسك الشطط والصولة ونفخة الشيطان .، ثم تعيد ضبط نفسك وتستعملها في طاعة الله ورضوانه ، ولحمل رسالة تسعد الإنسان وتعبد هذا الكون ، بغاية رضوانه سبحانه.

والناس تحيا بذكر الموت

ومحمد الراشد- في الرقائق – خير من تكلم هنا وله ابلغ التأثير في جزء من خطبة - أورده- لعمر بن عبد العزيز رحمه الله بشان الموت : " ألا ترون في أسلوب الهالكين ، وسيخلفها من بعدكم الباقون ، وكذلك حتى تُردّوا إلى خير الوارثين ؟ ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشّيعون غادياً إلى الله ورائحاً ، قد قضى نحبه ، وانقضى أجلُه , وطُوي عمله ، ثم تضعونه في صُدع من الأرض في بطن لحد ، ثم تَدَعُونه غير موَسَّد ولا ممهّد ، قد خلع الأسلاب ، وفارق الأحباب ووُجّه للسحاب ، غنياً عما ترك ، فقيراً إلى ما قدّم " . ولربما أجلس أحدهم أمامه و علّمه ، تعليمه عنبسة بن سعيد : " يا عنبسة : أكثـر ذكر الموت ، فإنك لا تـكون في ضيقة من أمرك ومعيشتـك فتذكـر الموت إلا اتسع ذلك عليك . ولا تكون في سرور من أمرك وغبطة فتذكـر الموت إلا ضيّق ذلك عليك "

ويأتي آخر يحسن التصوير بقوله..

وكأن بالداعِ قد يبكي **** عليه اقربوهُ

و كأن القوم قد قاموا **** فقالوا : أدركوهُ

سائلوه ، كلموهُ ****حرّكوه ، لقـنوهُ

حرِّفوه ، وجِّهوهُ **** مدِّدوه ، غمضوهُ

عجَّلوه لرحيلٍ **** عجّلوا لا تحبسوهُ

ارفعوه ، غسلوهُ **** كـفـِّـنوه ، حنّطوهُ

فإذا ما لُفَّ في الأكفان **** قالوا : فاحملوهُ

أخرجوه فوق أعواد **** المنايا شيّعوهُ

فإذا صلوا عليه ****قيل : هاتوا و اقبروهُ

فإذا ما استودعوه **** الأرض رهناً تركوهُ

خلـّـفـوه تحت رمسٍ **** أو قـروهُ ، أثـقـلوهُ

أَبعدوهُ ، أَسحَقوه **** أوحَدوه ، افردوهُ

ودّعوه ، فارقوه **** اسلَموه ، خلــَّـفـوه

و انثنوا عنه و خلّوه **** كأن لم يعرفوهُ

ويستمر الراشد في الوصف لحال الميت

ضعوا خدي على لحدي ضعوه **** و مِن عـَفـْـر التراب فوسٍّدوه

وشـُـقـوا عـنه أكــفـاناً رقـاقـاً **** وفـي الـرمْس الـبعـيد فـغيـّـبوه

فـلـو أبـصرتـمـوهُ إذا تـقـضـت **** صبـيحة ثـالثٍ : أنـكـرتـموه

وقــد مـالت نواظـرُ مـقلـتـيه **** عـلى وَجَنـاتــه ، فـرفضـتـمـوه

فهنالـك يكون السكون ، حيث تصفر الرياح على تلال هامدة واطئة ، فيصل صفيرُها إلى آذان أمهاتٍ ثكالى يخرجن ببلاهة يـقودهن الصفير إلى قبور أبنائهن ، لتسأل كل واحدة منهن ابنها :

بأي خديك تَبدّى البلى **** و أي عينيك إذاً سالا ؟

فيجيبهن صوت بعـيد ، من حيث القبـر الأخير المنـزوي :

لم تبق غير جماجم عَرِيتْ **** بيضٌ تلوح ، و أعظمُ نَخِره

و يثـني آخر :

لا يدفعون هَواماً عن وجوههم **** كأنهم خشب بالقاع منجَدِلُ

أو يرد صوت ثالث :

هجودٌ ولا غير التراب حَشية **** لجنبٍ ، ولا غير القبور قِبابُ

أو يخبرهن رابع :

قد أصبحوا في برزخ **** و مـحـلـة متـراخية

ما بـيـنهم متــفـاوت **** و قـبـورهـم مـتـدانـيـة

فمحلها مقـتـرب ، وساكنها مـغـتـرب ، بين أهـل موحشين ، وذوي محلة متـشاسـعـين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الإخوان . قد اقتربـوا في المنازل ، وتـشاغـلوا عن التـواصل حتى طحنهم بكلكَلِهِ البلى ، وأكلهم الثرى.

وبينما هم كذلك إذ جاءهم من ليس هـو بفـضولي ، وعساه عند عمر بن عبد العزيز أو عنبسه أو القرظي يتدرب ، فيسألهم :

أين الوجوه التي كانـت محجّبة **** من دونها تـُضربُ الأستار و الـكـُـلـَلُ

و يميل بأذنه يريد جواباً منهم ما هـم بـقادرين عليه ، فتـنـوب عنهم التـلة الصغيرة تجيب ..

و أفـصـح الـقـبـرُ عنهم حين ساءلهم **** تـلك الوجوهُ عليها الدودُ تـقـتتلُ

قد طالَ ما أكـلوا دهـراً و ما نعِموا **** فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلوا

فيتولى عنهم بجناح من الرهبة ، خفيض ، و دمع على الخدين يفيض ، يودع ويندب و يـقول :

أهـل الـقـبـور أحبتِي **** بعد الجذالة و السرور

بعد الغَضارة و النضارة **** و التـنعّم و الحُبور

بعد الحِسان المؤنسات **** و بعد ربّات الخدور

أصبحتم تحت الثرى **** بين الصفائح و الصخور

وأنا أتوب مع الفرزدق : -

 قبل الغرغرة وقبل التراق مهما عظمت ذنوبي ، يحملني اليه رجائي وجميع حبي ولست بأقل من الفرزدق

عن معاوة بن عبدالكريم عن أبيه قال: دخلت على الفرزدق فجعلت أحادثه فسمعت صوت حديد يتقعقع، فتأملت الأمر فإذا هو مقيد الرجلين، فسألت عن السبب في ذلك. فقال إني آليت على نفسي ألا أنزع القيد من رجلي حتى أحفظ القرآن.

وعن سلام بن مسكين قال: قيل للفرزدق: علام تقذف المحصنات؟ فقال: والله لَلّهُ أحب إليَّ من عينيَّ هاتين، أفتراه يعذبني بعدها؟

وروي أنه تعلق بأستار الكعبة، فعاهد الله على ترك الهجاء والقذف وقال:

ألم ترني عاهدت ربي وإنني +++ لبين رِتاج قائم ومقام

على حلفة لا أشتم الدهر مسلماً +++ ولا خارجاً من فيّ زور كلام

أطعتك يا إبليس تسعين حجة +++ فلما قضى عمري وتم تمامي

فزعت إلى ربي وأيقنت أنني +++ ملاق لأيام الحتوف حِمامي

وعن إدريس بن عمران قال: جاءني الفرزدق فتذاكرنا رحمة الله، فكان أوثقنا بالله، فلما قيل له ذلك مع قذفه وهجائه، قال: أترونني لو أذنبت ذنباً إلى أبويَّ أكانا يقذفاني في تنور وتطيب أنفسهما بذلك؟ فقلنا: لا، بل كانا يرحمانك، قال: فأنا والله برحمة ربي أوثق مني برحمتهما.

ولما توفيت زوجته النوار قال له الحسن البصري – وكان فيمن حضر جنازتها – وهو عند القبر: ما أعددت لهذا المضجع يا أبا فراس؟ قال: شهادة أن لا إلا إلا الله منذ ثمانين سنة. فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطنب [2] ؟ وفي رواية أنه قال له: نِعمَ ما أعددت! ثم أنشد الفرزدق في الحال:

أخاف وراء القبر إن لم يعافني +++ أشد من الموت التهاباً وأضيقا

إذا جاءني يوم القيامة قائد +++ عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا

لقد خاب من أولاد آدم من مشى +++ إلى النار مغلول القلادة أزرقا

يقاد إلى نار الجحيم مسربلاً +++ سرابيل قطران لباساً محرقا

قال: فرأيت الحسن يدخل بعضه في بعض، ثم قال: حسبك!

فتذكروا الموت تحسنوا صناعة الحياة والدار الاخرة..


في الأربعاء 27 أغسطس-آب 2008 06:29:14 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=4103