قصة إسلام سكرتير حلف شمال الأطلسي
محمد مصطفى العمراني
محمد مصطفى العمراني

 يعد المفكر والكاتب الإسلامي النمساوي محمد أسد والدبلوماسي والمفكر الإسلامي الألماني د / مراد هوفمان من أهم عمالقة الفكر الإسلامي في القرن العشرين وقد رفعا بجهودهما الفكرية الكبيرة راية الدعوة إلى الإسلام في الغرب فأحدثت كتاباتهم صدى لفت الأنظار إلى هذا الدين العظيم ولأنه لا يعرف أهل الفضل إلا ذوو الفضل فها هو محمد أسد ـ رحمه الله ـ يصف هوفمان بقوله : ( يعد هوفمان أول دبلوماسي ومثقف ألماني رفيع يقوده إستغراقه الشديد في قضايا الأخلاق والسلوك وعلم الجمال إلى اعتناق الإسلام وهي النتيجة المنطقية الوحيدة لبحثه المطلق عن حقيقة الحياة لسنوات عديدة ويضيف محمد أسد في تقديمه لكتاب مراد هوفمان : ( الرحلة إلى الإسلام ) وهو أحد الإشراقات الفكرية الرائعة لهوفمان والتي يعد كتابه ( الإسلام كبديل ) أشهرها على الإطلاق يقول محمد أسد : لقد بدا مراد هوفمان للوهلة الأولى نافراً من مادية الحضارة التقنية ومن عقم علم الاجتماع الغربي وما يتضمنه من إنكار لكافة القيم المتعلقة بتساؤلات الإنسان عن مصيره الروحي مما قاده كما هو الحال إلى اكتشاف التناغم والانسجام بين الأشكال الجمالية في العالم الإسلامي والمظهر الديني الذي تتحلى به الشعوب الإسلامية وقد أدى هذا الاكتشاف بدوره إلى الكشف عن العلاقة الحميمية بين الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي وقد حفزته تجاربه كدبلوماسي ورحالة في كثير من البلدان الإسلامية وبشكل رئيس في دول شمال أفريقية وتركيا لينغمس في دراسة القرآن الكريم وبمرور السنين أدرك هوفمان أن اعتناق الإسلام هو النتيجة المنطقية الوحيدة لبحثه المطلق في الحياة .

أسباب إسلام مراد هوفمان :

يروي د . هوفمان السكرتير السابق لحلف شمال الأطلسي ومدير الإعلام والعلاقات العامة فيه قصة إسلامه فيقول : من الصعب جداً أن يقدم الإنسان كشف حساب لأفكاره في تطورها وتناميها ولكن هدايتي للإسلام كانت هدية من السماء ونوراً ألقاه في قلبي وكان وراءها ثلاثة أسباب أساسية :

السبب الأول : كنت أعمل بالجزائر بالخارجية الألمانية في مطلع الستينات وقد عايشت حرب التحرير الجزائرية لمدة ثمان سنوات ، شاهدت خلالها آلاف القتلى في الشوارع والمنازل ، مما غرس أشد الآلام في نفسي حيث كنت ألاحظ مدى تحمل الجزائريين لآلامهم وقتلاهم ، ومدى التزامهم الشديد ـ خاصة في رمضان ـ من أنهم على يقين بالنصر والتحرر .. وذات ليلة تعرضت زوجتي للإجهاض ، وتحت تأثير الأحداث الجارية وقتها لم أستطع نقلها إلى عيادة الطبيب إلا في الصباح ، بسبب حظر التجوال المفروض وأيقنت أن زوجتي ستموت بسبب ندرة فصيلة دمها وأثناء توجهنا بسيارة الإسعاف ومن شدة قلقي أخبرتني زوجتي بفصيلة دمها فسمع السائق الجزائري المسلم وعلى الفور عرض علي التبرع بدمه لينقذ أجنبية ليست على دينه مما أثر جداً في نفسي ، ودفعني إلى أن أقرأ كتاب هؤلاء المسلمين القرآن في ترجمته الفرنسية كنت كمن يقرأ في صفحات الرحمة والمروءة الإنسانية النادرة .

السبب الثاني : كنت مولعاً بالجمال منذ صباي حتى إنني عشت في الفترة من ( 1954 ـ 1980م ) أعمل ناقداً متخصصاً في البالية ، في بعض صحف ألمانيا ، بل وحاضرت لمادتي تاريخ وعلم الجمال بمعهد كولونيا فيما بين ( 1971 ـ 1973م ) ولم يكن بعض معارفي يعلمون ذلك لأن مقاييس الجمال لدي كانت تتمثل في هذا المجال الحركي إلى أن تعمقت في الجمال الساكن ووقفت أمام قصر الحمراء في غرناطة والمجسد الكبير في قرطبة فأيقنت أنها إفراز حضارة إنسانية راقية وأن هذا الدين ـ الإسلام ـ له قوة روحية تتجلى في كل مظاهره ، في حميمية شديدة ، ينجذب لها القلب والروح والوجدان .

السبب الثالث : توقفي طويلاً أمام الآية ( 38 ) في سورة النجم والتي يقول فيها المولى عز وجل : ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) ذلك لأنها تصيب بصدمة شديدة كل من يتظاهر بالمسيحية بحب الآخر ، ويخضع لسلطان القساوسة ، في نفوذهم اللاأخلاقي على الآخرين كما أنها تنسف مبدأ وراثة الخطيئة من أساسه ، وتلغي كل واسطة بين العبد وربه ، لأن ظاهرة حب الآخر في المسيحية ، تحمل معها كل نقائضها .. ولا تؤسس أبداً لمبدأ الحرية الدينية .

هذه الأسباب الثلاثة .. إلى جانب دراستي في أكثر من مائة مرجع لحياة النبي الصادق محمد صلى الله عليه وسلم ، وتتبعي لكل ما نادى به من تعاليم ، ومقارنتي بين هذا وبين حياته وحياة أصحابه الكرام .. جعلني أدرك تماماً أنه ليس هناك مقر من أن أكون مسلماً بأعمق لهذه الكلمة الشاهدة .. فالحمد لله رب العالمين .

أصداء إسلامه :

بعد إسلام د / مراد هوفمان ألف كتابه الشهير ( الإسلام كبديل ) وعندما نشرت دار ديتريشنر الألمانية في عام 1992م هذا الكتاب ثارت زوبعة كبيرة في وسائل الإعلام وفي دوائر الأحزاب والبرلمان وكان القبول بما ثار حينها يعد تفريطاً لأنه كان يتجاوز شخص المؤلف إلى حملة قذف وتشويه منظمة تستهدف ما هو أبعد من شخص هوفمان إلى النيل من الإسلام وإذكاء موجة التخويف من الإسلام ( الإسلام فوبيا ) لقد مثل رد الفعل غير الحضاري على إسلام مثقف ودبلوماسي ألماني كبير بحجم ويلفرد هوفمان الذي تسمى بمراد بعد إسلامه أبشع سقوط للعقلية الغربية الداعية إلى حرية العقيدة والرأي والتعدد بمختلف أنواعها ولنترك هوفمان نفسه يحدثنا عن هذا .

يقول هوفمان في كتابه الرائع ( الرحلة إلى الإسلام ) : أعلنت دار النشر المرموقة يوجين ديدريشز في ميونيخ إعلاناً مبكراً عن نشر كتاب " الإسلام البديل " إلى كل من مكتباتها والإعلام ، وقد أثار هذا مقاومة فورية ، وذلك قبل أن يصدر الكتاب بزمن لا بأس به ، بل لم يقصر حتى مندوبو مبيعات الكتب المتنقلين من المساهمة في هذه المقاومة .

كان بإمكاني الآن أن أقرأ في الصحافة الألمانية ، التي أذكت أوارها وزادت وقودها الحركة النسائية اليسارية ، أنني أدافع عن " تعدد الزوجات " ، و " رجم الزناة " ، و " ضرب النساء " ، وقد كيلت كل هذه الاتهامات الباطلة دون أي دليل ، ولهذا ، لم يكن الكتاب على الإطلاق " السفير " إلى البلد النصراني . ( أي واحد يا ترى ؟ ) . بل لقد بدأ حتى أعضاء البرلمان من الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، بدؤوا مناقشة ما إذا كان يجب أن أُقَال من عملي .

وكانت المشكلة الأساسية في الدفاع أن الكتاب الذي دافعت فيه عن هذه الاتهامات السخيفة لم يتوفر في السوق إلا في السادس من شهر نيسان / إبريل ، وبالتحديد ، بعد ثلاثة أسابيع من بدء الحملة الإعلامية وانتشارها .

بل أصبحت أقرأ في الصحافة أيضاً أنني دفعت واحداً من أعضاء السفارة إلى الانتحار ، وأنني أجبرت كافة الموظفات في سفارتنا في الرباط على ارتداء الحجاب على وجوههن وأجسامهن ، ولاشك أن هذه الاتهامات هي خطيرة وجادة ، حتى لو كانت محض افتراءات كاذبة .

لقد كنت رجل إعلام شخصياً ، إذ شغلت منصب مدير الإعلام والمعلومات في حلف شمال الأطلسي بين ( 1983 ـ 1987م ) ، حيث تعاملت مع العديد من الصحفيين المتخصصين في قضايا الدفاع العسكري والاستراتيجية النووية ، وبما أن هؤلاء كانوا " النخبة العالمية " ، فربما بقيت بريئاً من احتمال الإصابة بـ : " الصحافة الصفراء " ، التي تعرضت لها آنذاك في ألمانيا .

وحسبما نراه من خلفية تشويه سمعة الإسلام بشكل مستمر فيما يتعلق بما فعله سلمان رشدي ، وبما فعلته حرب الخليج ، فقد أصبحت بعض محطات التلفزة ، وبعض الصحافة المطبوعة ( وخاصة الصحيفة المصغرة " بيلد أم سونتاج " ) مشتطة جداً في ادعاءاتها التي لا دليل عندها عليها على الإطلاق ، حيث كنت أنا الضحية ، وأن " الإسلام " أمر غير دستوري ، وبالتالي فهم يريدون رسم خط بين " الغالبية الجيدة " و " الأقلية الرديئة " ، وهم المسلمون . وتسمى هذه الطريقة بالألمانية ( وهي أساساً فاشيستية ) " أو سجرينزن " ( وضع سياج خارجي ) ، وأما الإعلام الذي ينخرط في هذه العملية فيعرف باسم : ( الإعلام الإعدامي ) .

لقد اشتدت حدة الهجمات الإعلامية جداً حتى بدأت أشعر وكأنني " خارج عن القانون " . وبالطبع ، لم يكن مكتب الشؤون الخارجية في بون ليسمح لي بإجراء دفاعي الخاص ضد الصحافة ، وأنا سفير لهم ، بل ولم يكن ليتدخل نيابة عني ، اللهم إلا في الآونة الأخيرة جداً حين أصبح corpusdelicti متوفراً في الأسواق . إنها الأحجية من طراز 22 ، اللهم إذا كان هناك ما يمكن أن يكون كذلك !

فعندما أصبح باستطاعة مكتب الخارجية أن يقرأ كتاب : " الإسلام : البديل " ، بفضل النسخة المبكرة التي استطاع الناشر أن يعدها بسرعة ، استطاع أن يجد أن الكتاب موضوعي ولا غبار ولا اعتراض عليه . وقد " بُرِّئْتُ " بإصدار إعلان صحفي ، والذي لم يشأ الإعلام تحليله والتعليق عليه ، واستمريت في أداء عملي كسفير لألمانيا إلى المملكة المغربية .

لم يقدِّم أحد أية اعتذارات ، ولم يقيمْ أحدٌ مدى الحزن والألم لأفراد عائلتي . بل إنني أنا شخصياً ، في حقيقة الأمر ، كنت أقل المتأثرين لأن الحملة الإعلامية بأسرها حدثت في شهر رمضان ، وقد كان الصيام عوناً لي على الابتعاد عن الأمور الثانوية في الأهمية ، كالمهنة والمكانة والاحترام .

وأما بالنسبة للجالية المسلمة في ألمانيا ، فإن هذه الحادثة كانت ، وستبقى ، ذات أثر كبير . لقد كانت هذه الحادثة بالفعل محاولة واضحة لتحجيم المسلمين ووضعهم في المكان المحدد لهم ، ولا داعي لأن نذكر هنا أن " فتوى الإعلام " وقناعتهم هي أنهم يتابعون " الإسلام " ، وهو " غير صحيح سياسياً " . ترى هل يكون الأمر أن هناك توجهاً أن الألمان لم يعودوا قادرين ، ولا مسموح لهم ، أن يخوضوا في أمور " ضد اليهود " و " ضد السامية " ، وهم الآن قد بدؤوا الخوض في أمور لتشويه سمعة " العرب " و " ضد السامية " ، وأن المسلمين ، من حيث الخلفيتان الدينية والعرقية ، أصبحوا هم " كبش الفداء " الجديد ؟

إشراقاته الفكرية :

قدم د . مراد هوفمان في كتابه ( الإسلام كبديل ) مرافعة فكرية راقية للدفاع عن الإسلام حيث عمل بمنهج عقلاني على دحض كافة التحيزات والمفاهيم والأفكار الخاطئة وغير المعقولة والتي ترسخ بعضها بفعل عدة عوامل في أعماق الوجدان الغربي حيال الإسلام .

لقد مثل الكتاب صدمة كهروفكرية لكثيرين في ألمانيا وأوروبا وقد أثمرت هذه الصدمة إيجابياً إذ أعادت النظر في كثير من الصور الفكرية المغلوطة عن الإسلام والتي كادت أن تصبح مسلمات لدى كثيرين .

ويعد الكتاب الشهير طرحاً إسلامياً رصيناً يناقش العقلية الغربية ويعدد مشكلاتها ويطرح حلولاً لحالة التخبط والتيه الفكري التي تعيشه عقلية النخبة الغربية فالإسلام الدين البديل الذي فيه إجابات شافية لكل التساؤلات المصيرية القلقة بالإضافة إلى الصفات والخصائص التي يحملها كمنهج شمولي يصل بالفرد والمجتمع إلى ذروة النهوض الشامل وبر الأمان في الدنيا والآخرة .

 

وفي كتبه ( رحلة إلى مكة ) و( الرحلة إلى الإسلام ) ينحو هوفمان منحى محمد أسد في كتابه الرائع ( الطريق إلى مكة ) حيث يروي تفاصيل رحلته إلى الإسلام بأسلوب قصصي مشوق معلقاً على ما يشاهده من مواقف وأحداث موضحاً ببساطة أثر القوة الدافعة التي يستمدها المسلم من دينه وكيف تستطيع أن تسمو به وتضع النقاط على الحروف كونها تبين من جهة أخرى الأفق الذي يمكن أن يصل إليه العالم الإسلامي عند تمسك أبنائه بهذا الدين .

ويلمس القارئ المسلم لكتابات محمد أسد ومراد هوفمان مدى عظمة هذا الدين الذي يكاد أن يصدق عليه وصف ( جوهرة بيدفحام ) فكم نمر نحن على كثير من الشعائر والصور مروراً جافاً لا روح فيه ولا حياة ولا تفكر !!

إن شخصاً كمحمد أسد أو مراد هوفمان لا يمر ككثير من المسلمين وهو يؤدي مناسك الحج مرور الكرام إنه يدرك العمق النفسي والإنساني لشعيرة كهذه تنداح في ذهنه آلاف الصور والخواطر والمقارنات ويفيض تفكيره بدرر وعبر ودروس يخرج بها من هذا الركن الإسلامي العظيم يخلطها بقصص عاشها بنفسه ومواقف تعرض لها مع حرص شديد على إصلاح أي خلل لدى المسلمين في الممارسة وطرق التفكير وبعاطفة محب ناصح فتكتمل الخلطة السحرية في هذه الإشراقات والإصدارات الفكرية الرائعة .

لقد أصبح مراد هوفمان ( تلميذ محمد أسد رحمه الله ) أحد المسلمين الذين يحملون هم الإسلام ويألمون لتنكر كثير من أبنائه له ويأسف لبعض الممارسات الخاطئة التي ترتكب باسم هذا الدين وهو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف !!

دعي هوفمان إلى كثير من المؤتمرات والندوات وتنقل في كثير من بلاد المسلمين وسجل خواطره وانطباعاته وملاحظاته الدقيقة في كتابيه ( الرحلة إلى الإسلام ) و ( الطريق إلى مكة ) .

استجاب لنداء الفطرة المؤمنة فشرح الله صدره للإسلام ليكون حجة على أبناء جلدته الذين خاطبهم بلغتهم وحجة علينا نحن أبناء الإسلام الجاهلين به المقصرين في الدعوة إليه والدفاع عنه .

إن قصة سلمان الباحث عن الحقيقة تتكرر رغم فوارق الزمان واختلاف المكان فأين من يستقبل كل سلمان جديد ليقول له : سلمان منا آل البيت الإسلامي الكبير ؟!! 

amrany22 @ hotmail. com

 
في الثلاثاء 30 نوفمبر-تشرين الثاني 2010 08:13:20 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=8419