هل أراد النظام أن يتخلص من علي محسن؟
عبد الرزاق الجمل
عبد الرزاق الجمل

الفارق ليس كبيرا، بين أن تكون فكرة إضعاف الفرقة الأولى مدرع بقيادة اللواء على محسن الأحمر، قد أوجدت حرب صعدة، وبين أن تكون حرب صعدة قد أوجدت فكرة إضعاف الفرقة، إن كان هناك توجه لإضعافها في إطار صراع الأجنحة داخل الأسرة الحاكمة على المنصب الأول في البلد أو على أشياء أخرى..

هذه القضية التي شغلت حيزا كبيرا وواسعا من أحاديث الناس وتناولات بعض وسائل الإعلام المحلية وغيرها، لم تخلُ منها تسريبات "ويكيليكس"، وإن كانت تلك التسريبات قد أوردتْها بشكل غير مباشر في سياق الحديث عن المشاركة السعودية في حرب صعدة السادسة، وعن الأخطاء التي وقع فيها الطيران السعودي..

وتقول الوثائق المسربة بأن لجنة خاصة (يمنية سعودية مشتركة) كانت تحدد للطيران السعودي أهدافه في محافظة صعدة، ولا يمكن للطيران السعودي أن يقوم بعملية قصف قبل أن يحصل على إذن نهائي من تلك اللجنة..

غير أن الوثيقة نقلت عن نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد إيضاحه للجانب الأمريكي بأنه "واجه مشاكل بخصوص بعض التوصيات التي يرفعها الجانب اليمني بخصوص الأهداف المزمع قصفها. على سبيل المثال، ذات مرّة أجهض الطيارون السعوديون ضربة جويّة وشيكة عندما أحسّوا بأن هناك خطأ ما في المعلومات التي تسلّموها من الجانب اليمني. وقد اتّضح فيما بعد أن الهدف الذي أوصى الجانب اليمني بقصفه لم يكن سوى المقر العام للّواء علي محسن الأحمر، قائد المنطقة الشمالية والذي ينظر إليه بوصفه معارضاً سياسياً للرئيس صالح. هذه الحادثة جعلت السعوديين أكثر حرصاً في تعاملهم مع توصيات الاستهداف التي تُرفع إليهم من قبل الجانب اليمني"..

تثبت تسريبات أخرى من وثائق "ويكيليكس" أن الطيران السعودي ارتكب العديد من الأخطاء في القصف أثناء مشاركته في حرب صعدة، وأن أشخاصا أبرياء من المدنيين راحوا ضحية مثل تلك الأخطاء، ففي ذات البرقية يقول الأمير خالد  "من الواضح أن بعض المدنيين قتلوا رغم أننا لم نرغب في حدوث ذلك"، ويضيف أن " القوات السعودية قصفت مبنى تعتقد الولايات المتحدة انه عيادة طبية لكن السعوديين اعتقدوا أن المتمردين يستخدمون المبنى قاعدة لهم.. وهنا نسأل: لماذا لم يحس الجانب السعودي بوجود "خطأ ما" إلا في الغارة التي كانت ستستهدف المقر العام للواء علي محسن؟!..

من المستبعد جدا أن تتوقف غارة جوية سعودية على أهداف في مناطق "يمنية" لمجرد "الإحساس" بوجود "خطأ ما" في المعلومات التي تسلموها من الجانب اليمني، لكن يجوز القول بأن القصف السعودي كان يستهدف مناطق جغرافية معروفة، وحين جاءت تلك المعلومات بأهداف بعيدة عن تلك المناطق أو لمعسكرات، دخل الشك في قلوبهم فتوقفوا، غير أن معرفة التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر ليستْ موضوعنا هنا..

بطبيعة الحال، لن يكون بمقدور الجانب اليمني أن ينفي ما جاء في هذه الوثيقة قبل أن يعرف موقف الأمير خالد أو قبل أن يتفق معه على موقف موحد منها، نفيا أو إثباتا، إلا أن صحة ما جاء في تلك التسريبات لا يعني أن محاولة اغتيال اللواء علي محسن الأحمر لها علاقة بمعارضته للرئيس أو بخلافه مع نجله كما سيتبادر إلى الذهن فور سماع الخبر، فهناك احتمالات أخرى يمكن أن تُفسر بها الحادثة، حتى وإن كانت بعيدة قليلا، كأن تكون الجهة التي أوصلت المعلومات حوثية متغلغلة في الدولة أو أن ذلك حدث بمحض الصدفة..

قبل ذلك، كنا قد تناولنا في مادة العدد الماضي نفي الحكومة اليمنية لبعض ما تضمنته وثائق "ويكيليكس" عن اليمن، وأشرنا إلى أن الوثائق المتعلقة باليمن جاءت لتؤكد ما هو متداول بين الناس وفي وسائل الإعلام، ولم تأت بشيء جديد، عكس الوثائق المتعلقة بالبلدان الأخرى..

والخلاف بين قائد الفرقة الأولى مدرع اللواء علي محسن الأحمر، وبين قائد الحرس الجمهوري العميد أحمد علي عبد الله صالح، من الأشياء المتداولة والمتناولة حتى على مستوى تصريحات كبار القوم..

فالشيخ حميد الأحمر يقول، في لقاء له مع قناة الجزيرة في برنامج "في العمق"، إن الغرض من إطالة أمد حرب صعدة هو إضعاف الفرقة الأولى مدرع، وإن الحرس الجمهوري، في سبيل ذلك، أمد الحوثيين بالأسلحة، وإن أحد كبار قادة الحوثيين، ويدعى يوسف المداني، كان من الجلساء المقربين لقائد الحرس الجمهوري العميد أحمد علي عبد الله صالح أثناء حروب صعدة..

وإذا صح ما جاء به الشيخ حميد في لقاء قناة الجزيرة، فسيكون أقوى مما جاء به "ويكيليكس"، لأنه نص صريح في القضية، ولأن ما جاء به "ويكيليكس" قابل لأن تتوارد عليه احتمالات أخرى لا علاقة لها بهذا الخلاف..

*الطيران اليمني للفرقة، والسعودي لقائدها

الحديث عن خلاف بين علي محسن وأحمد علي ليس بجديد، لكن سحب هذا الخلاف على كل الأحداث أو تفصيل كل الأحداث على مقاسه يحتاج إلى معلومات دقيقة لا إلى تحليل واستنتاج فقط، وأغلب ما هو موجود في تناولات الكثير لا يستند على معلومات بقدر استناده على علم بوجود خلاف، ولهذا السبب قلنا بأن ما قاله الشيخ حـميد الأحمر يعد من أهم ما قـيل في هذه القضية، إن كان ما قاله صحيحا..

تسريبات "ويكيليكس" التي جعلتنا نعود إلى كلام الشيخ حميد الأحمر، ستعيدنا أيضا إلى الخلف لنستعرض كل ما حدث في حرب صعدة وكل ما قيل عنها من هذه الزاوية، حتى نفهمها ونفسرها على ضوء ما استجد:

في التسجيل الحوثي المرئي "فأوردهم النار" يتحدث الجنود الأسرى لدى جماعة الحوثي عن بعض ما حدث في حروب صعدة، وعن القصف الجوي اليمني تحديدا وما هي الأهداف التي كان يقصفها..

عبد الوهاب أحمد حسن الفقيه من اللواء "72" يقول كنت في موقعي في جبل شبر، وكنا نرى مواقع الحوثيين، وعندما اتصلنا لهم ليضربوا الحوثيين في سائلة الغصن، ردوا علينا: "على طول" ثم قذفونا نحن باثنين صواريخ راجمة وقذيفتين إلى داخل الموقع..

جندي آخر يقول إن السلطة تريد أن تتخلص منهم، من خلال القصف الذي يقوم به الطيران اليمني للمناطق التي كانوا يتواجدون فيها، ثم يعرض هذا الجندي شظايا للقصف ورؤوس صواريخ..

جندي ثالث من اللواء "19" في موقع الشقراء العسكري يتهم السلطة بأنها حاولت استهدافهم وهم في الأسر، وأن القصف الجوي يتبعهم إلى حيث يتم نقلهم، ويضيف الجندي: "سلمنا أنفسنا بعد أن وجدنا أننا هدف للقصف الجوي وبعد أن شربنا البول، والذين ماتوا أكلتهم الكلاب ونحن ننظر، لكننا لا نزال هدفا حتى ونحن في الأسر".. قال هذا وعيناه تدمع..

في هذا الصدد وعلى ضوء هذه الشهادات، يحق لنا أن نتساءل عن هوية الطائرات التي استهدفت مخيما للأسرى من الجنود وقتلت وجرحت العشرات في الحرب السادسة، وإن كان الحوثيون قد اتهموا الطيران الأمريكي بالوقوف وراء تلك الغارة..

الاستسلام في حرب صعدة لم تشهده أي من حروب العصر، فقد استسلمت معسكرات بالكامل في مران ورازح وحرف سفيان وغيرها، وسلمت كل ما فيها من أسلحة وعتاد لجماعة الحوثي، والسبب كما يقول مئات من الجنود الأسرى لدى الجماعة هو انقطاع المؤمن عنهم لأسابيع دون مبرر، فعلى الرغم من تواصلهم مع القيادة وتبليغهم بأنهم محاصرون وبأن كل الإمدادات انتهت، كما يقول أحد جنود الكتيبة "13"، إلا أنهم لم يقوموا بأي إنقاذ من أي نوع لهم..

مئات الأسرى من مختلف الألوية والكتائب العسكرية لم تلق لهم السلطة بالا ولم تطالب حتى بالإفراج عنهم ناهيك عن السعي لتحريرهم، بل سعت إلى التخلص منهم بحسب روايات لبعض الأسرى من الجنود..

جندي آخر يتحدث: "قُتلنا وأسرنا وجُرحنا وأكلت الكلاب زملاءنا، لكن لا طائرات أنقذت جرحانا، ولا طائرات أجلتْ جثث قتلانا، وأشير هنا إلى أن الأخ عبد الحميد مقولة جاءه عبده هبة وجرحه ينزف بشدة، فقال ماذا أفعل له.. خلوه يموت"..

الآلاف من الجرحى تم إهمالهم وحرمانهم من مستحقاتهم، كما حُرمت أسر الضحايا من التعويضات..

من كل ما تقدم يبدو أن الفرقة الأولى مدرع أصبحت شيئا زائدا عن الحاجة، وأن حرب صعدة مثلتْ فرصة للتخلص منها أو إضعافها فعلا، كما يقول الشيخ حميد..

قد يقول قائل: لماذا لم يستهدف الطيران اليمني اللواء علي محسن إذا كان قد استهدف جنود فرقته وإذا كانت هناك رغبة في استهدافه؟!.. بكل تأكيد أن خطأ كهذا لن يكون مقبولا في حق قائد كعلي محسن إن قام به الطيران اليمني، وقد تعقبه الكثير من المشاكل، لكن حين يقضي في غارة جوية سعودية، سيكون الأمر مختلفا..

*حرب التوريث

هل كانت حرب صعدة ضد الحوثيين تُخاض على هامش حرب أخرى لصالح مشروع التوريث القادم، وهل كانت محاولة اغتيال اللواء علي محسن الأحمر عبر غارة جوية سعودية لأجله أيضا؟.. لكن ماذا عن المعارضين الآخرين لهذا المشروع وعلى رأسهم أولاد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر؟..

الحوثيون تحدثوا عن وقوف مشروع التوريث وراء بعض فصول الحرب في محافظتي صعدة وعمران أثناء المعارك التي دارت بينهم وبين جماعة الشيخ حسين الأحمر، والتي تزامنت مع التوقيع على اتفاقية الدوحة الأخيرة..

ففي بيان سابق لهم، لم يستبعد الحوثيون وقوف الرئيس علي عبد الله صالح وراء ما يقوم به الشيخ حسين الأحمر وبطرق دبلوماسية معقدة لا تظهره في الواجهة مباشرة..

وجاء في البيان المذكور: " فأولاد الشيخ الأحمر معارضون بقوة لتوريث الحكم لأحمد علي عبد الله صالح ويشكلون خصماً ومن خلال إدخال أولاد الأحمر في دوامة الحروب القبلية فسيتخلص الرئيس من خصماء حقيقيين يمتلكون الثروة والبعد القبلي الواسع إضافة إلى علاقات قوية مع المملكة العربية السعودية وبذلك فستضعفهم المواجهات إلى حد كبير مما تجعلهم في أوقات حرجة لا يفكرون أو يعارضون من يتولى الحكم في اليمن"..

غير الحوثيين تحدثوا عن "الحرب لصالح التوريث" من خلال سكوت الحكومة عن التوغل الحوثي في محافظة الجوف، حيث سقطت 10 مديريات من أصل 12 مديرية في أيدي الجماعة، على مرأى ومسمع من الحكومة اليمنية، ويرى هؤلاء أن الغرض من هذا السكوت هو معاقبة بعض الخصوم السياسيين في الداخل "حاشد"..

أخير.. ليس من العدل في شيء أن يموت الكثير من البشر كي يتمكن شخص واحد من تحقيق رغبته..

*عن الناس


في الإثنين 13 ديسمبر-كانون الأول 2010 04:55:47 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=8516