بناء دولة تخدم الشعب وتقدم العدالة مجاناً (2)
أ.د  سيف العسلي
أ.د سيف العسلي

يا شباب الثورة عليكم ان تسمعوا النظام و من لا يزال يتعاطف معه او يقبل تبريراته ان ثورتكم لم تكن نزوة و لا رغبة في التغيير من اجل التغيير و لا من اجل ايصال اي شخصية اخرى او حزب اخر للسلطة. بل لان هناك عوامل و اسباب موضوعية لها. و لعل من اهمها ان اصبحت الدولة اليمنية الحالية عبئا على الشعب و ليست خادمة لها.

و في نفس الوقت فان عليكم يا شباب الثورة ان تأكدوا لمن يتطلع الى الحكم بان الدولة القادمة لا بد و ان تكون مؤسسة محكومة بالوظائف التي تحددونها الان. و انه لن يكون هناك تساهل مع اي شخص او حزب او جهة لا تتحمل مسئوليتها الكامل في القيام بهذه الوظائف.

عليكم يا شباب الثورة ان تبلغوا الجميع انكم لم تثوروا على شخص بعينه و لا على حزب واحد وانما ثرتم لتسقطوا كل رموز النظام السابق سواء أولئك الذي ينتمون الى الحزب الحاكم او احزاب المعارضة. فهم جميعا مسئولون و ان كان نسبب متفاوتة. عليكم ان تصيحوا و بصوت واضح انكم لم ولن تقبلوا أيا من المبادرات السابقة سواء كانت من الحزب الحاكم او من احزاب المعارضة لأنها فشلت في تحقيق اي شيء يذكر.

فثورتكم تسعى الى بناء دولة تعمل على خدمة الشعب بدلا من ان تكون عبئا عليه. فثورتكم هذه التي ستكون الارادة العامة الحرة التي ستقوم و تستند عليها الدولة اليمنية الحديثة. فالمجتمع اليمني لا يستطيع ان يتطور و ان يستقر الا اذا توفرت له دولة حديثة قادرة على القيام بالوظائف السياسية المطلوبة منها على اتم وجه. فاليمن في حاجة شديدة الى العدل و الامن و التعليم و البنية التحتية.

ان هذه الحاجات هي التي تمثل الارادة العامة الحرة التي تعبرون عنها. انكم انتم وحدكم الذي يمثل ذلك و بالتالي فإنكم تعبرون عن الشرعية الشعبية و التي هي سابقة و مقدمة حتى على الشرعية الدستورية. و لذلك فان مهمتكم الاساسية تكمن في تحديد وظائف الدولة القادمة و القواعد التي تحكم عملية القيام بها و الجهات التي ستتولى هذه المهمة.

صحيح ان من سيتولى ذلك فيما بعد حكومة مكونة من عدد قليل من الناس لكن هذه الحكومة أيا كان شكلها يجب ان تخضع للإرادة العامة و الحرة من الان. فان لم تكن كذلك فقد تتحايل على ارادتكم العامة و الحرة فتسعى الى تقديم مصالحها على مصالح الشعب. ان ذلك يتطلب وضع الضمانات الكافية لمنع من سيكلفون في ادارة الدولة من استغلال مناصبهم لتحقيق اي مصالح غير مشروعة لهم او لأقاربهم او لمناطقهم او لأحزابهم.

ان من اهم هذه الضمانات ان تكون وظائف الدولة القادمة في اليمن واضحة و مفصلة و متفق عليها من الان. و كذلك ان يتم الاتفاق على الكافي من الموارد لتحقيق ذلك. و لا بد ان يتحقق ذلك قبل مناقشة معايير من سيختارون لادارة الدولة. ان ذلك سيحدد مقار الشفافية الضرورية المطلوبة و مستوى المساءلة اللازمة.

اذا لم تعملوا على تحقيق ذلك الان فان احتمال انحراف الدولة القادمة عن مهمتها الاساسية و المتمثلة في خدمة الشعب لا في خدمة الحكام. فالتجربة التاريخية لليمن تدل بشكل واضح الحكام في العهود الماضية قد نجحوا في تحويل الدولة اليمنية من دولة خادمة للشعب و جعلها خادمة لهم فقط.

فالأمام قبل الثورة في الشطر الشمالي كان هو الذي يحدد وظائف الدولة و هو الذي يديرها. اما مهمة الشعب فلم تكن سوى دفع تكاليف ذلك. و من الواضح ان الوظيفة الاساسية للدولة في عهد الامامة قد انحصرت في وظيفة العدالة. و مع ذلك فان الذي كان يحددها هو الامام و ان الذي يختار من يقوم بها هو الامام و ان الذي يقدر تكاليفها هو الامام. و نتيجة لذلك فان ما تحقق في ذلك العهد من العدالة كان قدرا ضئيلا و بتكلفة كبيرة. اذ ان ذلك كان يتم من خلال العقاب الجماعي و احتجاز الرهائن. و كانت نفس الممارسات متبعة من قبل المشيخات في الشطر الجنوبي قبل الثورة.

على الرغم من الوظائف العديد للدولة التي وعدوا في اقامتها الا ان ما تحقق على ارض الواقع لم يكن شيئا يذكر. ذلك ان من قام بالثورة سواء في الشطر الشمالي او الجنوبي كانوا نخبة قليلة احتكرت لنفسها مهمة تحديد وظائف الدولة ومهمة ادارتها من دون الشعب الذي كان عليه فقط تحمل تكاليف ذلك. و كانت النتيجة ان تحول الشعب خادمة للدولة بدل ان تكون هي خادمة له.

و نتيجة لذلك كانت الدولة و المؤسسات التابعة لها فقط وسيلة لا ثراء النخبة الحاكمة. فالوظائف العامة تقدم لمن يوالي الحاكم بدون ربطها باي خدمات للمواطنين بل ان غالبية من يتولى الوظائف العامة يعمد على خلق مشاكل غير موجودة بهدف ابتزاز المواطنين. وما يتم تقديمه من خدمات عامة للناس مثل التعليم و الصحية لم يكن من اجل تحسين حياة افراد الشعب و انما كان بهدف ايجاد فرصة للمتنفذين لتحسين اوضاعهم. و لم تكن مشاريع البينة التحتية تهدف الى زيادة الانتاج و الدخل و خلق وظائف للعاطلين و انما كانت تهدف الى توفير مصدر دخل غير شرعي للمرتبطين بالنظام. و قد تمكن المتنفذون من السيطرة على كل مناح الانشطة الاقتصادية مثل الاستثمار و التجارة و غيرها.

نتيجة لذلك فقد تم التهام معظم إيرادات النفط و تحويلات المغتربين و متحصلات الضرائب و القروض و المساعدات. بل ان الفساد المتمثل في انتشار الرشوة و العمولات و المشاركة القصرية قد التهم كل الفائض لدى طبقات وفئات الشعب المختلفة، بل تعداه ليلتهم جزاء كبيرا من حاجاتهم الاساسية. فقد تركزت الثورة في ايد القلة المتنفذة التي تفننت في الاسراف و التبذير و ممارسة تهريب رؤوس الاموال للخارج. أما غالبية افراد الشعب فقد عانت من البطالة و سوء التغذية و الامراض الفتاكة. فلا يجادل اي احد في وقوع غالبية ابناء الشعب في براثن الفقر المدقع.

يا شباب الثورة ان مسئولتكم تكمن في تكوين الارادة العامة التي يجب ان يستند اليها في بناء الدولة الخادمة للشعب و ليست التي يمكن ان تكون عبئا عليه. ان عليكم و منذ الان ان تعملوا على مناقشة و كتابة ميثاق يحتوي على وظائف الدولة الضرورية لبناء اليمن الجديد و اولوياتها و المعاير التي يجب ان تتوفر في من سيعمل على بناء مؤسسات الدولة و ادارتها.

و في هذا الاطار يمكن ان تكون وظائف الدولة وفقا للأولويات التالية. اذ يجب ان يكون حماية النفس و المال و العرض اولوية قصوى للدولة القادمة. ان ذلك يحتم ان يتم التوسع في التعليم و خصوصا التعليم المهني الى اقصى نطاق ممكن. و لا بد ان تحظى حماية النفس و المال و العرض بأهمية كبرى. و لا شك ان ذلك يتطلب تصحيح الوعي المجتمعي لذلك و بناء مؤسسات امنية تحمي اليمنين كلهم مع الاخذ بعين الاعتبار بحقوق الانسان. و كذلك فانه لا بد من توفير العدالة مجانا لكل ابناء اليمن. ان ذلك يعني ان يتم المساوة بين كل اليمنين في الحصول على خدمات القضاء قبل المساوة امام القضاء. و على وجه التحديد فان جهاز النيابة العامة يجب ان يقدم خدماته للشعب و للوطن بدلا ان يكون وسيلة في يد الحكام لمتابعة المعارضين.

و من الوظائف المهمة للدولة القادمة اقامة البنية التحتية التي تساعد على تطوير القطاعات الاقتصادية الواعدة القادرة على خلق وظائف للعاطلين و على زيادة معدل النمو الاقتصادي و بالتالي تحسين مستويات المعيشة لجميع اليمن. و كذلك العمل على ترسيخ الادارة الاقتصادية الضرورية لاستقرار اقتصاد اليمن من خلال تحقيق الاستقرار في قيمة العملة و في الاسعار.

و من المفيد ان يحتوي هذا الميثاق على الضمانات الضرورية الرادعة لكل من قد تسول له نفسه تحويل الدولة القادمة من دولة تخدم الشعب الى عبء عليه. و لعل من اهم هذه الضمانات؛ اولا اعتبار الانتخابات الحرة و النزيهة و التداول السلمي للسلطة و حماية الحقوق الاساسية للإنسان ثابت الثوابت. ومن اجل ذلك يجب الحرص على الا يتولى في المرحلة الانتقالية أيا من رموز العهد الماضي اي مسئولية سواء كانوا من الحزب الحاكم ام من احزاب المعارضة حتى لا يكرروا تجاربهم الفاشلة. و يجب كذلك ان يستمر الشباب الذين ثاروا في الحرص و السهر على هذه المهمة.

اذ يجب اعتبار التزوير في الانتخابات العامة خيانة عظمى يعاقب عليها الحزب الذي يمارسها بالحل و قياداته بالحرمان في الترشح في المناصب القيادة في الدولة. و كذلك يجب تحريم رفع السلاح امام السلطة المنتخبة بانتخابات حرة لأي سبب كان. و ايضا يجب تجريم و منع العاملين في الوظائف العامةٍ من المشاركة في الدعاية الانتخابية باي شكل من الاشكال. و يجب تحييد الوظيفة العامة و الاعلام الرسمي في كل الانتخابات. و يجب التدقيق في الذمة المالية لكل مرشح في اي انتخابات عامة و لكل من يتولى اي وظيفة عامة قبل اصدار قرار التعيين و ارفاقها به.

ثانيا؛ يجب ان يتضمن الميثاق تعهدا بالفصل بين مؤسسات الدولة التي تتولى مهمة تصميم و تحديد السياسات و التوجهات العامة و مؤسسات الدولة التي تتولى تنفيذها. اي انه يجب الفصل بين المؤسسات السياسية و القيادات العليا للدولة و الاحزاب السياسية و بين مؤسسة الخدمة المدنية. فالمؤسسات السياسية تغير من خلال التداول السلمي للسلطة اي من خلال الانتخابات اما مؤسسة الخدمة المدنية فتخضع للمعاير و الكفاءة و تتغير وفقا للأداء. و كذلك فان عليكم ان تسعوا لإقناع الجميع بالتعهد بعدم دفع اي رشاوى مهما كانت الاسباب.

ثالثا؛ ينبغي ان تكون اولويات الانفاق العام على النحو التالي. ميزانية التعليم يجب ان تكون اكبر نسبة في الموازنة العامة خلال الخمس السنوات التالية. و كذلك يجب اعتبار اي انفاق خارج الموازنة خيانة عظمى. من المهم ان يتعهد القطاع التجاري بدفع الضرائب القانونية و عدم الاستجابة لدفع اي اتاوات او اموال للمسئولين السياسيين.

رابعا؛ عليكم يا شباب الثورة العمل على اقناع القبائل اليمنية بالتوقيع على تعهد بإيقاف الثأر لمدة خمس سنوات و حل قضايا الاراضي بينهم من خلال التحكيم. و كذلك فان عليكم ان تقنعوا كل افراد الشعب و خصوصا الشباب منهم على الاقلال من التمنطق بالسلاح و احلاله بالكتاب.


في الإثنين 11 إبريل-نيسان 2011 06:23:00 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://video.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://video.marebpress.net/articles.php?id=9836