حقائق لم نكن نعرفها من قبل.. أسرار العلاقات بين طهران وواشنطن تكشفها مذكرات قديمة

الخميس 02 ديسمبر-كانون الأول 2021 الساعة 06 مساءً / مأرب برس - أحمد القديدي
عدد القراءات 3532

تبدأ جولة أخرى من المفاوضات بين الغرب وإيران هذه الأيام في فيينا.. ومن أجل فك ألغاز الحاضر يجب أن ننير بأضواء كاشفة بعض طلاسم الملف النووي من خلال كنوز المذكرات التي نشرها كبار صناع السياسات في الغرب ولم يقرأها العرب!

إن مصطلح التحالف الأمريكي ـ الإيراني ليس من عندي ولكن من عنوان كبير على صحيفة (الغارديان) أيام نطق الوزير جون كيري بضرورة التفاوض مع بشار الأسد مباشرة بعد لقاء مدينة لوزان بينه وبين الوزير الإيراني محمد جواد ظريف.. هذا المنعرج وصفه زميلي عبد الباري عطوان بالخنجر في ظهر حلفاء واشنطن العرب الذين راهنوا مثل أوباما على إسقاط نظام الأسد!

فهل فرضت طهران مصالحها فرضا وعولت على الجناح (البراغماتي) في السلطة الأمريكية ضد الجناح (الأيديولوجي) وتعزز هذا الإتجاه الإيراني والأمريكي الجديد بعد رحيل ترامب وقدوم بايدن وبعد العودة إلى المفاوضات في (فيينا) هذه الأيام؟

ثم هل هناك اتفاق سري بين واشنطن وطهران؟

هل توصل الرئيس أوباما عام 2015 إلى درجة التحالف الخفي بين الولايات المتحدة وجمهورية إيران؟

هذه هي الأسئلة التي تتردد على ألسن الدبلوماسيين والإعلاميين والخبراء، وهي أسئلة مشروعة حين نرى التغيير الطارئ والسريع والعجيب على موقف واشنطن من إيران دون اهتمام كبير بموقف (رئيس الحكومة الإسرائيلية المتهور والمنادي بالحرب!

موقف بايدن من الملفين الخطيرين المتعلقين بإيران: وهما الملف النووي وملف التوسع العسكري الإيراني في منطقة الأزمات الدائرة رحاها في العراق وسوريا وليبيا ومنطقة الأزمات المتفاقمة في اليمن ولبنان بدأ يتغير.

وحين كنا نسمع السيد جون كيري عام 2016 يشرح للإعلاميين موقف واشنطن من هذين الملفين، كنا نخرج من مؤتمره الصحافي صفر اليدين ونعود بخفي حنين لأننا لم نفهم شيئا. وأنا أعترف للسيد كيري بعبقرية نسميها بلغة الدبلوماسية بالتخفي الحربائي حين يصبح الكلام طلاسم القصد منه ألا يفهمه الناس!

فالجنرال قاسم سليماني كان يقود الجيوش العربية ولقبته (الواشنطن بوست) بأقوى رجل في الشرق الأوسط.. وملف النووي الإيراني الذي كان مطروحا على مجلس الأمن تم سحبه بلطف.. واليوم يجب أن يعرف العرب بعض الحقائق حول خفايا الأسرار الأمريكية تجاه التسلح النووي الإيراني والإسرائيلي حتى يدركوا خفايا مواقف اليوم لأن التاريخ الماضي القريب يفسر أحداث الحاضر.

أريد أن أكشف للقراء عن بعض الأسرار المتعلقة بالنووي في كل من إيران وإسرائيل، وهذه الأسرار ليست من عندي ولكني أكتشفها حين أراجع المذكرات الثمينة التي كتبها في الأزمنة الماضية صناع السياسة وأصحاب القرار في أعلى هرم الحكومات الغربية، حينما كانت شعوبنا إما ترزح تحت نير الاستعمار في ذلك العهد أو غارقة في معضلاتها الداخلية.

وفي الحالتين لم يقرأ العرب تلك المذكرات وهي منشورة ومع الأسف قرأها أعداء العرب وعرفوا بفضلها كيف يخططون لمزيد قمعنا وإخضاعنا وإخراجنا من دائرة التاريخ!

والحقائق التي أعرضها على القراء مكتوبة بقلم رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق السيد (موريس كوف دي مرفيل) تحت رئاسة الجنرال شارل ديغول، وهو الذي كان أيضا وزير خارجية فرنسا من عام 1958 إلى 1968.. أي على مدى عشر سنوات كاملة كانت هي السنوات الحاسمة في تمكن إسرائيل من السلاح النووي بفضل مساعدة باريس..

وهنا سوف أترجم للعربية خفايا أعتبرها جديدة تماما كتبها بوضوح من كان في قمة الدولة الفرنسية آنذاك وعاشها بل وكان مهندسها الأول.

يقول السيد (كوف دي ميرفيل) في الصفحة 98 من مذكراته المنشورة بمؤسسة (بلون) للنشر بباريس: "حين قابلت الرئيس الأمريكي جون كيندي يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1963 في البيت الأبيض أجريت معه جولتين من المحادثات عبر لي الرئيس عن مخاوفه الخطيرة من إسرائيل وإمكانية حصولها على السلاح النووي لأننا في باريس وحسب اتفاقية بيننا وبين إسرائيل وقعناها عام 1957 التزمنا بمساعدة تل أبيب على إنشاء مفاعل ديمونة في صحراء النقب وتمكين الدولة العبرية من مخصبات اليورانيوم من نوع ماركول أي من إنتاج البلوتونيوم".

ويضيف رئيس حكومة فرنسا الأسبق قائلا: "منذ عام 1958 حاولنا أن نحد من طموحات إسرائيل وإخضاع منشآتها النووية للمراقبة بحرص من الجنرال ديجول منذ توليه رئاسة الجمهورية عام 1958 ولكننا كنا مدركين بأن إسرائيل في مقدورها الحصول على اليورانيوم من جهات أخرى غير باريس".

هذا ما قاله السيد (كوف دي ميرفيل) بالحرف وهو يكشف حقائق لم نكن نعرفها من قبل وهي:

1 ـ جون كيندي كان ضد امتلاك إسرائيل للسلاح النووي وعاتب باريس على تزويدها للدولة العبرية بما يؤهلها لامتلاكه وهو موقف مختلف تماما عن موقف الإدارات الأمريكية التي جاءت بعده والتي اعتبرت التفوق الإسرائيلي على العرب أولوية استراتيجية في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

2 ـ كيندي عبر عن موقفه هذا قبل 45 يوما من اغتياله على يد / (لي أوزوالد) الذي كان متهما بعلاقات مع الأجهزة السرية الروسية والإسرائيلية.  

3 ـ (لي أوزوالد) قاتل كيندي اغتيل بعد ثلاثة أيام من إيقافه على يد (جاك روبي) أحد غلاة اليهود الأمريكيين المتطرفين وجاك روبي هو ذاته مات في السجن بمرض شبيه بمرض ياسر عرفات بعد ثلاثة شهور من إيقافه.                                                    

هذا فيما يتعلق بالنووي الإسرائيلي أما النووي الإيراني فيقول السيد (توني بين) الوزير العمالي البريطاني للصناعة أنه عام 1977 في عهد شاه إيران عندما قابل وزير خارجية الولايات المتحدة (سايرس فانس) وجده يحث حكومة لندن على مساعدة طهران حتى تمتلك السلاح النووي، لأن واشنطن تعتبر إيران في ذلك الزمن حارسة المصالح النفطية الغربية في المنطقة.. فهل طوت الإدارة الأمريكية ملف العداء مع طهران وعادت من جديد تعتبر إيران ما بعد الشاهنشاه بوليس الشرق الأوسط؟! صحيح أن الثوابت في السياسة الأمريكية لا تتغير بتغيير الرئيس ولا بتجديد الكونغرس.

نحن ندرك اليوم بأن مصير العرب ربما يفلت من أيدي العرب وسيتواصل المشروع الأمريكي الإيراني تدريجيا إلى مراحله الأخيرة ويحقق أهداف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، وهي أهداف تتعلق أساسا بالحرب الباردة بين واشنطن وموسكو والصين، وهي الحرب المؤهلة للتسخين ولا يشكل العرب فيها سوى حطبا للنار المقبلة

نلمس من خلال هاتين الشهادتين من أهلها أن الخيارات الاستراتيجية للدول العظمى يمكن أن تتحول من الضد للضد ومن الموقف إلى نقيضه بحسب مصالحها دون أي اعتبارات عاطفية أو أخلاقية أو قانونية. فالمصالح حين اقتضت تفوق إيران كانت واشنطن مع تسليح طهران بالنووي ثم حين أصبحت إسرائيل هي حامية حمى المصالح الغربية تحول الخيار الأمريكي والأوروبي من تسليح طهران إلى تجريد طهران من سلاحها وإلى عقيدة انفراد إسرائيل بالقوة النووية.

وهل أصبحت إسرائيل عبئا ثقيلا على مصالح واشنطن والغرب؟ هذا هو منطق العلاقات الدولية كما يفرضه علينا العالم اليوم.. وعلينا نحن العرب قراءة ردود فعل شعوب أمريكا اللاتينية على هذا النظام العالمي الظالم للاستلهام منها..

منذ أن أعلن الرئيس البرازيلي (لولا) ورئيس فينزويلا (شافيز) ورئيس بوليفيا (مورالس) ورئيسة تشيلي (ميشال باشليه) بأنهم لا يقبلون ذلك المنطق المؤسس على القوة والهيمنة، فهذه أول حركة عصيان رسمي في العلاقات الدولية انطلقت من أرض (شي جيفارا) ضد الاستبداد الليبرالي العالمي! وهي المبادرة التي أجبرت أوباما على إعادة العلاقات مع كوبا..

فنحن ندرك اليوم بأن مصير العرب ربما يفلت من أيدي العرب وسيتواصل المشروع الأمريكي الإيراني تدريجيا إلى مراحله الأخيرة ويحقق أهداف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، وهي أهداف تتعلق أساسا بالحرب الباردة بين واشنطن وموسكو والصين، وهي الحرب المؤهلة للتسخين ولا يشكل العرب فيها سوى حطبا للنار المقبلة وسوى رقعة شطرنج عملاقة وهشة في لعبة الأمم. فاعتبروا يا أولي الألباب لنتجنب الكارثة وهي ربما على الأبواب!