اليمن ليس بحاجة إلى سمكة
بقلم/ د. عمر عبدالعزيز
نشر منذ: 11 سنة و 7 أشهر
الخميس 16 نوفمبر-تشرين الثاني 2006 06:50 ص

بانعقاد مؤتمر وزراء خارجية دول مجلس التعاون بالترافق مع انخراط مبكر لليمن في بعض اللجان العاملة بالمجلس تكون قد انفتحت آفاق جديدة في العلاقات اليمنية الخليجية، وهي بطبيعتها آفاق تحضُر في أساس العلاقات التاريخية البينية المحكومة بالجوار الجغرافي والمستقبل المشترك، وتُعززها التحديات الكبرى الماثلة أمام دول شبه الجزيرة العربية. فالمعروف أن اليمن يجاور أكبر دول المجلس وأكثرها عمقا (المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان) فيما تتمدد الصحراء اليمانية السعودية العمانية لتعانق تخوم المناطق المشابهة في الإمارات العربية المتحدة، ويعتبر شريطا البحر الأحمر والخليج العربي بمثابة جسري تواصل تاريخي يؤكدان واحدية المنبع والمصير.

خلال السنوات الماضية أدار اليمن سياسة إقليمية متوازنة، واستطاع بإرادة سياسية مُبادرة اقتحام المستقبل وأن يسدل الستار على القضايا الحدودية العالقة مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، وبهذا قدم اليمن مع المملكة والسلطنة مثالاً باهراً لأهمية المستقبل، مُتخلية عن الإقامة في الماضي ومستوعباً أن اليمانيين والعرب الآخرين من منابت واحدة، وان الخلافات على الكيلومترات ليست أصل المشكلة بل العمل من أجل الإنسان وتطويره، كما كانت إدارة فترة ما بعد الحرب المشؤومة لعام 1994 من العناصر الحيوية في ترسيخ الوحدة الوطنية الداخلية، وترميم المُسبقات الذهنية التي استتبعت دراما الحرب واستدعاءاتها لخطاب الماضي وسيئاته. ولقد شكلت كل هذه المقدمات أسساً حقيقية لسماوات مفتوحة في العلاقات اليمنية الخليجية التي آن لها أن تخرج من شرنقة النماذج المتباينة وغير المتصالحة إلى فضاء التعايش المحتّم بالرغم من الاختلافات الإجرائية في بعض المسائل.

فالشاهد أن هذه الاختلافات تقدم ميزات نسبية في كل بلد، وأن مثالب اليمن الماثلة في بعض الجوانب توازيها مثالب أخرى في دول الجوار، فليس من حال أفضل من كل الأحوال، وليس من نهاية لمطاف الإصلاحات والتطوير سواء في اليمن أو خارجه، فالنظام العربي العام يتشارك في المعيوب حد التناسخ، ويتباعد عن المستقبل حد الاستغراق في الهروب.

ان العقد الاجتماعي التنموي الخليجي استقام ومازال على استيعاب التنوع المؤكد بين دول المجلس، وهذا يشكل رافعة أخرى لاستيعاب الحالة اليمنية بكل خصوصياتها، التي قد تثير ريبة بحق شكوك بعض المتابعين من النخب السياسية الخليجية، ومن محاسن الأقدار أن اليمن، حكومة ومعارضة، يعترف بالأخطاء والخطايا، بدليل الأهداف المعلنة بعد الانتخابات الرئاسية والمحلية الأخيرة والتي من أبرزها: مكافحة الفساد، وتعزيز هيبة ومكانة الدولة، وتحقيق تنمية سريعة، والتخلي عن المركزية المالية والإدارية، وتعزيز نظام الحكم المحلي، وتسوية الطريق للشراكة اليمنية الخليجية، والتي بدأت من خلال سلسلة من الإجراءات المالية والجمركية والاستثمارية، مما لا يتسع المقام لشرحها هنا.

إذا كان اليمن بحاجة ماسة إلى ضخ مالي استثنائي لتعزيز التنمية فإن ما يشجع على ذلك يتمثّل في الآتي:

 العمق البشري المترافق مع ثقافة عمل تاريخية مشهودة، فاليمانيون بناة حقيقيون، جديون في العمل، محبون للاعتماد على النفس، مروضون للطبيعة، متواشجون في التعاون، وتواقون دوماً للتطور.

 توفر عمالة حرفية ومهنية مجربة خاضت غمار الأعمال المهنية المختلفة في اليمن وخارجه، وهؤلاء بجملتهم يشكلون رافعة أساسية في التنمية الاستثمارية والخدماتية.

 عشق اليمانيين لكرامة العطاء والكسب المشروع، فالأصل في اليمن الالتزام وشرف المهنة لا اللصوصية والنصب والاختطافات التي تعتبر طارئة عل ثقافة اليمن وأهله.

 التنوع المناخي والجغرافي والجيولوجي الفريد والذي يسمح بأنماط متعددة من الاقتصاديات الزراعية والسمكية والاستخراجية والسياحية.

 توفر حد معلوم من البنية التحتية القابلة للمزيد من التطوير، فالطرقات تنتشر في ربوع البلاد، وقد تم شق ما يزيد على 75 ألف كيلومتر خلال السنوات القليلة الماضية، فيما تنتشر مضخات الري، وأنظمة الاستفادة القصوى من الماء والطاقة، غير أن ذلك لا يعني على الإطلاق ان مشاريع البنية التحتية قد اكتملت، بل العكس، فاليمن بحاجة ماسة وملحة إلى آلاف الميجاوات من التيار الكهربائي، وإلى شبكة طرقات سريعة واسعة بين المدن، وإلى مئات بل آلاف الأنفاق والجسور الجبلية، وإلى العديد من مؤسسات النقل الجوي والبحري والبري، وكل هذه الأمور لن تتوفر لمجرد وجود التمويل الكافي، بل لابد من بيئة إدارية وتنموية حاضنة تعتمد على المبادرات الخلاقة الموصولة باللامركزية والمسؤولية المحلية، وتطلق العنان لآليات مختلفة عن تلك التي سادت وكانت سبباً في تعطيل التنمية والتطوير.

وبمقابل هذه الإشارات المختزلة إلى عوامل الداخل اليمني، لابد من القول إن دول مجلس التعاون بحاجة أيضا إلى اليمن، سواء بوصفه بيئة واعدة للاستثمار وتدوير الإمكانيات، أو لكونه عمقاً بشرياً قابلاً للانسجام التلقائي مع عناصر الثقافة والهوية العربية، وقد أدرك عقلاء الأمة هذه المسائل، وما كان لدول المجلس أن تُسارع في اتخاذ خطوات لإدماج وتأهيل اليمن لولا الإدراك الواعي لهذه الحقائق، والاستشعار الأخلاقي بأن أي مساعدة لليمن ليست منّة، بل واجباً يترافق مع حماية الذات ومحاصرة العاديات، وذلك استنادا إلى الحقائق والتحديات الموضوعية الماثلة.

يبقى القول إن الاختلافات في آليات التسيير وطبيعة المشاكل والاستحقاقات أمر وارد، وأن التنمية الحقيقية في اليمن موصولة أولاً بإرادة يمنية داخلية، وأنها تستمد أبرز مقوماتها وإمكانياتها من هذه الإرادة لا العكس، وهذه إشارة إلى تلك التداعيات المتهافتة للبعض ممن يراهنون على حلول سحرية لمشاكل اليمن التنموية، ويعتقدون أن بوسع دول المجلس ومؤتمر المانحين في لندن تقديم بضعة مليارات من الدولارات في ظل عوامل داخلية مازالت تستدعي الشك والتردد، فالأصل في العلاقات التعاونية التكاملية أن تكون مجدية للأطراف كلها، وأن تكون مقدمات الرضى والقبول متبادلة ومحكومة بآليات ترضي الطرفين.

ليس لليمن أن يُراهن كثيراً على انفتاح صنبور التمويل الخليجي، وعلى عطايا المانحين فهذا وهم كبير لا علاقة له بالحقائق الماثلة، فاليمن بألف خير إن تم إعادة تدوير الإمكانيات والمقدمات الهائلة للتنمية الأفقية والرأسية. وفي مثل هذه الحالة ستكون الاستثمارات العربية والعالمية مجرد إضافة نوعية إلى العمل الداخلي.

يقول المثل الصيني: “لا تعطني سمكة، بل علمني كيف اصطاد السمكة”، واليمن ليس بحاجة لا إلى السمكة ولا إلى كيفية تعلم اصطيادها بل إلى إرادة دولة تتقدم على طريق التنمية وتتخلّى عما عدا ذلك، وفي المقدمة من كل ذلك “الفساد محدد المعالم والتضاريس” لا المرصود بالتعاميم التجريدية التي تضر أكثر مما تنفع.