حكومة اليمن القادمة وعوائق بناء الدولة المدنية العصرية
بقلم/ د. عبد الله أبو الغيث
نشر منذ: 8 سنوات و شهرين و 26 يوماً
الجمعة 25 نوفمبر-تشرين الثاني 2011 11:44 م

على الرغم من مرور قرن كامل منذ صلح دعان 1911م الذي يعد نواة الدولة اليمنية المعاصرة -انتقلت اليمن خلاله من الحكم الإمامي إلى النظام الجمهوري، ثم تحقق الوحدة اليمنية - إلا أن حلم أبناء الشعب اليمني في بناء دولتهم العصرية لم يكتمل حتى يومنا هذا، على الرغم من التضحيات التي قدموها أثناء كفاحهم الطويل خلال تلك الفترة، ويعود ذلك إلى العديد من العوائق التي وقفت في طريق تحقيق ذلك المشروع ومنعته من أن يصبح واقعاً ملموساً في حياة اليمنيين.

 ورغم أن الثورة الشعبية قد أنعشت حلم بناء الدولة العصرية لدى اليمنيين -أو لنقل الدولة المدنية بعد أن راجت هذه التسمية مع ثورات الربيع العربي- إلا أننا نستطيع القول أن فكرة اكتمال بناء الدولة المدنية العصرية في اليمن ستظل مجرد حلم إذا لم تتمكن الحكومة المنبثقة عن الثورة الشعبية من إزالة العوائق التي وقفت في طريقها سابقاً -وما زالت في معظمها قائمة حتى اللحظة الراهنة- وستفشلها كما أفشلت العديد من المحاولات قبلها التي شهدتها اليمن خلال تاريخها المعاصر، وتتمثل أهم هذه العوائق في العوامل التالية:

أولاً: انتشار الجهل وقلة الوعي

رغم تعدد الثورات والحركات الوطنية التي شهدتها اليمن في تاريخها المعاصر، فقد كان الوعي بأهدافها وسمو غاياتها يقتصر في معظم الأحيان على النخب، ولا يمتد ليشمل جموع الشعب التي هي المحرك الحقيقي للتغيير والضامن الأول لبقائه، ويعود ذلك إلى انتشار الجهل، وعدم عمل النخب على إشراك عامة الشعب في خططهم وبرامجهم الإصلاحية والتغييرية.

 ويحسب لثورة اليمن الشعبية أنها قد تجاوزت ذلك خلال الاعتصامات الشعبية، ونستطيع القول عنها بأنها قد صارت ثورة لعموم الشعب، الذي التقت جموعه في المياديين العامه بمختلف مشاربها السياسية والجغرافية والفئوية والعمرية والنوعية، وكان ذلك مساعداً لهم لكسر حاجز التوجس والشك من بعضهم، واكتشافهم أن سلطات الفساد والإستبداد هي من كانت تغذي حالات العداء بينهم، ليتسنى لها الإستئثار بسلطات البلد وثرواتها.

وسيكون من الأهمية مواصلة التوعية الشعبية بعد نجاح الثورة، وذلك لن يكون إلا بالعلم وتشجيع المواطنين على محو أميتهم، عن طريق إيجاد الدوافع التي تولد لديهم الرغبة في ذلك، كأن يقتصر حق ممارسة الاقتراع والتصويت في الانتخابات العامة على من يجيدون القراءة والكتابة. ولا يخفى أن قراراً مثل هذا سيعجل بالقضاء على الأمية في زمن قياسي، لكونه إلى جانب خلقه لدوافع التعلم سيجعل الساسة في البلد أحزاباً وأفرادا يعملون على محو أمية أنصارهم طمعاً في الحصول على أصواتهم. إلى جانب ذلك فهذا القرار سيكون له ميزة إيجابية أخرى تتمثل بتقليله من حالة الغش والتزوير في الانتخابات، لكونها ترتبط في حالات كثيرة بتزييف رغبات الأميين من قبل الذين يتولون مساعدتهم.

ثانياً: التشبث بعادات سيئة وضارة

تنتشر في المجتمع اليمني العديد من العادات السيئة والضارة، مثل عادة حمل السلاح واعتباره مصدراً للرجولة، ولم يعد يخفى بأن تلك الرجولة المزعومة إنما هي مجرد رجولة قاتلة، حيث أدى وجود السلاح في أيدي الناس إلى جعلهم يحتكمون إليه بدلاً من الاحتكام إلى المؤسسات الضبطية للدولة.

وكذلك العصبيات القبلية العمياء، التي أغرقت أبناء المجتمع في الحروب والثارات القبلية، ووقفت حائلاً أمام تعلم الكثير منهم، لكون الجهل يبقيهم مجرد قطعان يسوقها النافذون في الإتجاه الذي يحقق مصالحهم. ومما يؤسف له أن مثل هذه العصبيات صارت في أحايين كثيرة تستخدم للاعتداء على حياة الناس وكرامتهم بدون وجه حق، وكذلك نهب حقوق المستضعفين وسلبهم ممتلكاتهم، مثل الأراضي، في همجية متخلفة تعتمد القوة بديلاً عن الحق والعدالة، وتجرد الرجولة من شيمها وأخلاقها.

  ويحسب للثورة الشعبية أنها قد أوقدت جذوة الوعي لدى الكثير من أبناء القبائل والأرياف، خصوصاً بعد أن تخلى أكثرهم عن السلاح لأول مرة في حياتهم ، وانظموا إلى ساحات الإعتصامات الثورية، وأدركوا بأن قيمة الإنسان وأهيمته الحقيقية إنما تنبني على أساس حصيلته العلمية وسمو قيمه ومبادئه التي يعيش بها ولأجلها، وقدرته على البذل والعطاء من أجل المجموع، وليس بناء على السلاح الذي يعلقه على كتفه أو خاصرته، ولا بناءً على انتمائه العرقي أو النوعي. ويذكرنا ذلك بمقولة الامبراطور الروماني السكندر سفيروس عندما قال بأن الذهب إنما يكتسب قيمته من أصالة معدنه وليس من أهمية الغلاف الذي يُلف به.

ثالثاً: اشتعال الصراعات المسلحة

 تعد اليمن عبر تاريخها من بين أكثر بلدان العالم تعرضاً للحروب والصراعات المسلحة، وقد تواصلت تلك الحروب في تاريخ دولتها المعاصرة بوتيرة عالية، حيث ساعد ذلك على تأخير تشكل الدولة العصرية، وكانت تئد أي خطوة لتحقيق ذلك الهدف قبل اكتمالها.

 وقد كان وما زال لتلك الحروب والصراعات تجارها المستفيدون منها، وبالتالي فإن مصلحتهم دائما كانت في بقائها مشتعلة، خصوصاً أن عامة المواطنيين كانوا هم وقودها، بينما يتحصن أولئك الخفافيش في سراديب قلاعهم المحصنة، ويقومون بالتضحية بأولئك المقهورين والمغفلين الذين يدفعون حياتهم بسذاجة منقطعة النظير لتعيش الأصنام البشرية التي تستعبدهم مترفة ومنعمة.

 ولقد مثل الخروج السلمي للشعب في ثورته الحالية خطوة هامة لوأد تلك الصراعات، لكونه قد جعل الناس يدركون حياة الاستغفال التي كانوا يعيشونها، إضافة إلى توفيره لبدائل أخرى أمامهم من أجل إنجاح قضاياهم اعتماداً على عدالتها ونبل أهدافها، وليس على فوهة البندقية وممارسة الجبروت.

رابعاً: هيمنة العسكر على شؤون الحكم

 وفرت الصراعات والصدامات المسلحة المستديمة المبررات للعسكر لأن يدسوا أنوفهم في شؤون الحكم، وصار الناس يرونهم وقد تقاسموا البلاد ببشرها وشجرها وحجرها وكأنها إقطاعيات ورثوها عن أبائهم. وتناسوا أن مسؤولياتهم إنما تتمثل بحماية سيادة البلاد وأمنها، والمكان الطبيعي لهم ولمعسكراتهم إنما هو على حدود التراب الوطني للدولة  وليس داخل المدن وفوق كراسي السلطة.

 ولعل ذلك ما جعل رأس الدولة يتباهى بأن جيشه –كما الجيوش العربية- إنما صارت مهمته القضاء على الشعب وإخماد ثوراته، وليس الدفاع عن حدود البلد وحماية سيادتها، ولعل ذلك هو ما دفعه للتعجيل بتوقيع اتفاقيات حدودية مجحفة بالحقوق التاريخية لليمن، وسمح لدولة صغيرة مثل أرتيريا لتعبث بكرامة اليمن، عندما احتلت جزر حنيش بينما كانت حاميتها العسكرية تتولى مهمة تعبئة الصناديق الانتخابية ببطائق اقتراعها المزورة في إحدى الدوائر البرلمانية في العاصمة صنعاء.

 وسيتحتم على سلطات البلد المنبثقة عن الثورة الشعبية –وهي تتحدث عن دولة مدنية- أن تحصر العسكر في مهمتهم الدفاعية والأمنية، وتفصلهم فصلاً تاماً عن سلطات الدولة الأخرى، وتخضعهم لقيادة الدولة المدنية المنتخبة من قبل الشعب. وذلك بعد أن يتم ترحيل معسكراتهم ومقرات قيادتهم بعيداً عن المدن كما هو الحال في كل بلاد الدنياء.

خامساً: عدم توفر الديموقراطية الحقة

 رغم الحديث المستمر عن الديموقراطية في اليمن منذ بداية العهد الجمهوري إلا أننا نستطيع القول بأن اليمن لم تمر بمرحلة ديموقراطية حقة حتى الآن، والديموقراطية الحقة التي نعنيها هي تلك الديمواقراطية التي يصل بها الحكام إلى السلطة عن طريق صناديق الإقتراع، وتنتج لنا تداول حقيقي للسلطة.

 من بداهة القول أن الصراعات التي مر بها الوطن اليمني قبل ثورته الشعبية، وكذلك ظهور الدعوات الانفصالية والعصبيات السلالية والمناطقية إنما سببه غياب الديموقراطية الحقة. لأن التزوير الذي تشهده العملية الديموقراطية من أجل منع الناس من الوصول للسلطة –وهو حق طبيعي لكل مواطن يمني- إنما يدفعهم للاستقواء بعصبيات جهوية وسلالية وقبلية، والشواهد على ذلك كثيرة ومعروفة للجميع.

 وسيسجل التاريخ للثورة الشعبية تكريسها للمفاهيم الديموقراطية بمعناها الصحيح في أذهان الناس، بحيث جعلتهم يدركون بأن سكوتهم وتفريطهم بحقوقهم الوطنية هو من ضاعف في معاناتهم، وأوصل البلد إلى حافة الإنهيار. وصار في حكم المؤكد أنهم لن يسمحوا بعد اليوم لكائن من كان بأن يستغفلهم تحت أي مسمى.

سادساً: الاستئثار بالسلطة وإقصاء الآخرين

 كانت هذه من العلامات التي ميزت الدولة اليمنية المعاصرة ، حيث ضاقت الأطراف السياسية بمختلف أطيافها بالتنوع، ونظر كل طرف لنفسه بكونه الأولى والأحق بالحكم من غيره. وتم في معظم الأحيان استخدام العنف لإقصاء الآخرين وفق منظور إديولوجي مقيت، ومارست الأطراف التي تمكنت من الوصول للحكم تصفيات دموية بشعة ضد خصومها.

 وقد أدى فوز المؤتمر الشعبي العام في الانتخابات البرلمانية في 1997م وحصوله على الأغلبية المريحة إلى إثارة نهمه وجشعه، وبدأ يخطط بكل الوسائل المشروعة منها وغير المشروعة لإقصاء الشركاء السياسين والفوز بأغلبية ساحقة ماحقة حسب تعبير أمينه العام أنذاك.

 وقد دفع ذلك ببقية التيارات السياسية لأن تدرك أهمية العمل وفق منظور الشراكة الوطنية، حيث تآلفت أحزاب المعارضة اليمنية -على اختلاف عقائدها الإديولوجية- في حلف سياسي واحد عُرف باللقاء المشترك، وقد ساعد تشكل هذا الإتلاف إلى حد كبير في إشعال الثورة الشعبية 2011م. أما نجاح الثورة الحقيقي  فهو مرتبط بقدرة الأطراف المختلفة على تكريس ثقافة التعايش والتنوع، ونبذ فكرة الإقصاء وادعاء احتكار الحقيقة، وفق منظور: لكل منا انتماؤه والوطن يتسع للجميع.

سابعاً: شيوع الثقافة الطائفية والمناطقية

  قام الحكم الإمامي في اليمن على أساس العصبية المذهبية، ومارس التمييز ضد أتباع المذاهب الأخرى، وقد وصل ذلك التميز في بعض الأحيان إلى حد تصنيف بعض الأئمة لمغايرييهم في المذهب باعتبارهم (كفار تأويل). وقد ظلت نفس النظرة قائمة في شمال الوطن –بطريقة أو بأخرى- حتى بعد قيام النظام الجمهوري، حيث ظل المركز المتحكم يغذي النظرة التحقيرية ضد أبناء المحافظات الوسطى، وينظر إليهم بصفتهم رعية أتباع وليسوا مواطنين شركاء.

  ولم تخلو الدولة الجنوبية بعد استقلالها من نفس الصراع الذي أخذ لديها بعداً مناطقياً لعدم وجود التعدد المذهبي، حيث سيطر أبناء محافظة واحدة -من ضمن المحافظات الست- على معظم المناصب خصوصاً العسكرية منها. وعلى الرغم من اعتناق الحزب الاشتراكي الحاكم للفكر الماركسي آنذاك إلا أن صراع الأجنحة فيه قد أخذ بعداً مناطقياً، الأمر الذي جعل المفكراليساري العربي المعروف بلال الحسن يعلق على أحداث 1986م الدموية في الجنوب بقوله "القبائل الماركسية تتصارع في اليمن".

 ولايخفي أن الثورة الشعبية قد أعادت للهوية اليمنية اعتبارها، وجعلت الناس يدركون بأن الخلل ليس في تعدد الانتماءات المذهبية والمناطقية والقبلية ، بقدرما يتمثل في غياب العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، وذلك هو العنوان الأبرز الذي يجب أن تتشكل على أساسه هوية الدولة القادمة في اليمن.

ثامناً: عدم احترام القوانين والأنظمة

  بات من المعروف بأن المشكلة في اليمن لا تتمثل في طبيعة التشريعات والقونين المعمول بها بقدر تمثلها في عدم احترام تلك القوانيين والخضوع لأحكامها، ويعود مرد ذلك الى الثقافة التي تكرست لدى المواطن اليمني - خصوصاً خلال الثلاثة العقود الأخيرة- التي تعتبر المواطن السوي الذي يلتزم بالأنظمة والقوانين ويحتكم إليها بمثابة إنسان ضعيف وعاجز لا يستحق الاحترام، وتعتبر رجولة الشخص وهيبته متمثلة بعبثيته وقدرته على انتهاك الأنظمة العامة.

 وزاد الطين بلة اعتبار كبار المسؤولين لأنفسهم بأنهم فوق القانون وأكبر من المساءلة، رغم أن مهمتهم المفترضة تجعلهم حماة للقوانين وفي مقدمة الملتزمين بها. وساعد الموروث الاجتماعي على ذلك الاستهتار بالقونين والأنظمة، حيث كرس في أذهان الناس -خصوصاً في المناطق القبلية- بأن أعرافهم وعاداتهم هي أفضل ما ورثوه عن أجدادهم، وصارت في أحايين كثيرة لديهم بمثابة المقدسات التي لا يجوز مخالفتها حتى عند المتعلمين منهم، وهي عند كثير منهم مقدمة حتى على نصوص الفقه الشرعي.

 لذلك سيكون من مهام الدولة الناتجة عن الثورة الشعبية تكريس مبدأ احترام القوانيين والأنظمة المعمول بها لدي كل الناس دون استثناء، بغض النظر عن منصب الشخص أو انتمائه الإجتماعي، مع تبني حملة واسعة لتوعية الناس وتخليصهم من المفاهيم العبثية التي لصقت بأذهانهم، وجعلتهم يعتبرون الحق باطلا والباطل حقا.

تاسعاً: امتلاك المناصب العامة وتوريثها

  مازال أبناء بعض المناطق وكذلك بعض الأسر يصرون على التعامل مع سلطات الدولة ومناصبها المفصلية باعتبارها ملك شخصي لهم يتوارثوه كابر عن كابر، وينظرون لمن ينازعهم عليها بصفته عد و لدود من حقهم التخلص منه حتى إن كان يفوقهم علماً وقدرة وخبرة ونزاهة.

  أما سياسة توريث المناصب العامة فقد تعاظمت خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بشكل خاص، ومرد ذلك يعود إلى رغبة رأس الدولة في توريث منصبه لإبنه، فعمد إلى تكريس نهج التوريث في المناصب العامة، حيث حُصرت إلى حد كبير في أولاد المسؤوليين والوجهاء، وكثير منهم حلوا في مناصب أبائهم بعد وفاتهم أو عجزهم وتقاعدهم. ولذلك فقد انتشر مبدأ التوريث حتى أوشك أن يصبح ثقافة، وامتد ليشمل حتى صغار الموظفين، الذين صار الواحد منهم لا يريد أن يترك مكانه إلا لإبنه أو أحد أقاربه. وقد عجلت هذه السياسة بالثورة الشعبية لكونها قد مثلت عامل رئيسي من عوامل إنهيار الدولة وهيكلها الإداري.

 لذلك من الضرورة أن يكون هناك نصوص دستورية وقانونية تمنع توريث المناصب العامة، وتحد من تولي أبناء الأسرة الواحدة أو المنطقة الواحدة للمناصب المفصلية للدولة سواء كانت عسكرية أومدنية. ويفترض بأن يمتد تحريم التوريث أيضاً إلى المناصب القيادية للأحزاب ومشيخات القبائل، لأنها تعد من المناصب العامة وليس الخاصة، فالمنصب الخاص الذي يمكن توريثه إنما يتمثل في الأشياء التي يؤسسها الشخص من مال أبيه، ويظل ينفق عليها من خزينته الخاصة، كالشركات التجارية.

عاشراً: ارتهان الوطن اليمني للخارج

     أدت الصراعات المتواصلة التي شهدتها اليمن إلى أن تستقوي بعض أطرافها بقوى خارجية، وهي لعنة مافتئت تطاردنا منذ القرن الثاني الميلادي عندما استعان الملك السبئي الهمداني علهان نهفان بالإحباش ليستقوي بهم على خصومه الحميريين. والخارج عندما يتدخل في شؤون دولة ما إنما يجعل تدخله يصب في مصلحته قبل أي شيئ آخر.

 وقد تعدد اللاعبون العرب والأجانب على الأرض اليمنية في تاريخها المعاصر، وأصبحت اليمن قبيل اشتعال ثورتها الشعبية مسرحاً تنفذ عليه أجندات دول إقليمية ودولية عديدة؛ أبرزها الولايات المتحدة والسعودية وإيران، وصارت قوى السلطة والمعارضة تشترك بكونها تخاطب في سياساتها الخارج قبل الداخل. ولذلك فبعد اشتعال الثورة الشعبية فقد ظل أمر انتصارها مرهون بموافقة القوى الخارجية -التي أباح لها نظام صالح أرض اليمن تعبث فيها كما تشاء- على البديل الذي سيخلفة، وهي في طبيعة الحال تريده أن يمثل مصالحها قبل مصالح الشعب اليمني.

 يدفعنا ذلك للقول بأن المعيار الأهم لنجاح الثورة الشعبية إنما سيتمثل بقدرة السلطة الناتجة عنها على استعادة سيادة الدولة اليمنية ، وذلك لن يتم إلا بامتلاك إرادتها، وهو أمر مرهون بقدرتها على تنمية مصادر دخلها، ومنعها لمواطنيها من الارتباط بالعمالة للخارج ومد أياديهم لتسوله، سواء تم ذلك التسول باسم العادة المتبعة أو باسم دعم الهيئات والمنظمات، وعند ذلك فقط يمكن أن نتحدث عن انتصار الثورة الشعبية.

أخيراً:

  بتخلصنا من هذه العوائق سنكون قد وضعنا أقدامنا في بداية الطريق الصحيح لبناء الدولة العصرية التي نحلم بها، ولا فرق عندها أن نسميها بالدولة المدنية أو الدولة الإسلامية أو حتى دولة (أم الصبيان) مادامت ستحقق للمواطن اليمني ما يصبو إليه من حياة الرفاهية والحرية والأمن والعدالة والمواطنة المتساوية، فالعبرة في المضمون وليست في المسميات.