الخروج على الحاكم العربي خروج على الله!
بقلم/ عبدالعزيز الخاطر
نشر منذ: 11 سنة و أسبوعين و 5 أيام
الخميس 12 يناير-كانون الثاني 2012 02:38 ص

بالمفهوم المعاصر ليس هناك خروج على الحاكم، هناك آليات لإستبداله. ثم من هو الحاكم بالمفهوم العصري المعاش؟ هو إما رئيس حزب فائز في إنتخابات عامة أو زعيم تكتل يحظى بأغلبية شعبية تمكنه من الحكم. ثم ما هو الحكم بالمعنى المعاصر أيضا؟ هو مدة زمنية محددة تنتهي في موعدها، وقد تمدد لمدد محدودة يجري الإتفاق عليها من خلال الإستفتاء الشعبي وما ينص عليه الدستور.

هذا هو منطق العصر الذي نجاوره ولم نندمج فيه بعد. ليس هناك حاكم يُخرج عليه اليوم، من يدعي ذلك فهو ليس بحاكم أصلا لأن الأصل رضا وإيجاب وقبول المحكومين، تراثنا في معظمه منقول وليس معمولا، يتعامل مع مفاهيم مغلقة لا يمكن الخروج منها إلا بإستعادتها والرضوخ لها، السياسة في تاريخنا للحاكم هو من ينتجها ويفصلها، وما عدا ذلك خروج عنها ودخول في دائرة الفتنة، بمعنى إزالته فتنة، والصبر عليه جزاءه الجنة.

 في الأصل االسياسة هى خطاب العامة وليست من وساوس الشيطان. نسمع اليوم بين حين وآخر من يردد أن الخروج على الحاكم مهما كان لا يجوز مخافة الفتنة وذهاب الأمن والإستقرار، ولا يدرك هؤلاء أنه لا أمن مع الإستبداد والظلم ولا إستقرار مع العبث بمقدرات البلاد، وإن بدا ذلك اليوم لكن المستقبل ينبىء عن شر مستطير.

شعوبنا اليوم ثقافيا هي بين مفهومي 'الفتنة' والسياسة' خروجا من الأولى دخولا في رحاب الثانية. ليس الدخول في عالم السياسة المعاصرة بالأمر السهل إذ يتطلب تضحيات ورؤية شمولية وإيثارا وتقديما للمستقبل على الحاضر وإبعادا للماضي، إلا من العبرة والموعظة الحسنة.

 كل مانشاهده وسنشاهده من اليوم حتى يستكين الوضع هو عبارة عن إنفصال مؤلم متأخر من عقلية الفتنة والمخافة منها إلى رحاب السياسة بما أنها فن الممكن والتوافقات. فلا يخاف المرء على دينه ولا يعرض المجتمع نفسه للشعور بالذنب عندما يتحسس من مفاهيم الفتنة وأضاليها كالخروج على الحاكم أو عدم إتباع أوامر ولي الأمر بالمفهوم السياسي، لماذا لا يكون لدى الآخرين ولي للأمر، لأن الأمر بأيديهم، لماذا لا يكون لدى الآخرين أب أو والد للجميع؟ لأن الحاكم هناك ليس أبا لأحد سوى أولاده الشرعيين، لماذا لا يكون للآخرين رب للعائلة الكبيرة التي هي الشعب وممتلكاته؟ هذه هي عقلية الفتنة ونحن نستنسخها حتى اليوم.

 فلما تدخل في السياسة تبطل أثرها الفعال في العمل والتغيير وتعطل آلياتها في ذلك، فكيف يمكن أو يصح تغيير ولي الأمر أو والد الجميع، وما إلى ذلك، كما رأينا في الثورات العربية القائمة اليوم. الشعوب في طريقها للإنفكاك من مفهوم الفتنة الديني التراثي ليست على مستوى واحد، هناك نقطة معينة هي الفاصل أو القطع الذي قد تصله الشعوب ويتمظهر في شكل ثورة وهو ما وصل به الحال في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والجزائر. 

ذلك لا يعني أن الآخرين في منأى عن ذلك، ولكنهم في نقطة ما على الطريق لأن الحكم أو المُلك لا يزال يمثل في أذهاننا فتنة وليس برنامجا سياسيا يُصوت عليه ويقوم عليه رجل منتخب يبدأ بشعبية وينتهي بتضاءلها وتآكلها شيئا فشيئا ليأتي البديل الجديد بأفكار جديدة، نشاط إنساني سوي. علينا أن نسرع في إدخال السياسة كمفاهيم وفكر لنستبعد الفتن والسحر والأحلام والرؤى الليليلة وتفسيراتها التي حكمت على الأمة بالتأخر والهزال وعلى تاريخها بالشقاق بل وعلى دينها بالخروج عن المنطق والعقل.

' كاتب من الخليج

*القدس العربي