إشكالات السلفية اليمنية في التحول للعمل السياسي
بقلم/ مأرب برس - سلمان العماري
نشر منذ: 8 سنوات و شهرين و 21 يوماً
الأربعاء 18 يناير-كانون الثاني 2012 07:59 م

لا تزال الحالة السلفية اليمنية، بكافة فصائلها ومكوناتها منكفئة على ذاتها،تراوح مكانها في المربع الأول، فيما تقدمت عليها مثيلاتها في المنطقة - قبل وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي - في نواح عديدة واتجاهات مختلفة، وكان للمشاركة السياسية في الانتخابات النيابية التي خاضها حزب النور السلفي في مصر مؤخراً الدور الفعلي والأثر البالغ في تحريك المياه الراكدة، وإعادة النظر في مسألة المشاركة السياسية لدى البعض من قيادات وقواعد السلفية في اليمن.

وعلى الرغم من التباين الحاصل والفوارق الجوهرية التي يدركها المتابع، ويصل إلى نتيجة مؤداها حتمية اختلاف الوضع بين التيارين بفعل البيئة وظروف النشأة والمسار لكل تيار من تيارات السلفية في المنطقة، ومنها اليمن، فإن الأمر الذي لا خلاف عليه في أن المرجعية العقدية والفكرية والموروث الفقهي الذي تلتقي عنده وتغترف منه هذه التيارات واحد.

غير إن التناولة للحالة السلفية اليمنية في هذه المساحة تصب في الجانب العملي دون النظري،ويدور حول دراستها لمستجدات الأحداث في المنطقة، ويوضح طريقة تعاطيها مع موجة التغيرات الحاصلة مقارنة بمثيلاتها في المنطقة، وخصوصاً في مآلات الأوضاع التي قد تفرض عليها القبول بالأمر الواقع، وتدفعها إلى البحث عن خيارات للتعامل مع تلك المتغيرات التي سيترتب عليها مراجعة موقفها من العمل السياسي، والأخذ به خياراً لا مناص منه في المرحلة القادمة.

الحالة السلفية اليمنية

وعند النظر في الحالة السلفية اليمنية، وتقديم خلاصة موجزة عنها، فإن المتابع لها والراصد لمسيرتها، يجد أنها ما زالت تعيش مع الأدوات نفسها التي اعتمدتها عند بداية نشأتها قبل ثلاثة عقود، كالبقاء رهن العمل خارج الزمن، وعدم قدرتها على مواكبة متغيرات الحياة ومتطلبات العصر، فضلاَ عن ذلك تقصيرها المستمر في الاستفادة من مجريات الأحداث، ومراعاة السنن الكونية والشرعية، واتخاذ ذلك سبيلاً ومنهاجاً في مسيرتها العملية.

وقد مرّت الحالة السلفية في اليمن بمرحلتين أو تجربتين،الأولى علمية والثانية خيرية،ولم تتجاوزهما بعد إلى الثالثة، والتي يفترض أن تكون مرحلة الدخول والمشاركة في العملية السياسية التي تعيش مخاض ولادتها مع حلول الربيع العربي في المنطقة؛ ويبدو أن خروج هذه المرحلة إلى الواقع والحياة متعذرة، وأن ولادتها متعسرة، لها إشكالاتها وتتطلب إجراء عملية قيصرية.

وبخصوص هذه الفترة والمراحل التي مرت بها السلفية يتحدث لـ"إسلام أون لاين" الكاتب والباحث اليمني محمد طاهر أنعم، بقوله "ثمة مراحل مر بها التيار السلفي في اليمن منذ بداية تكونه قبل ثلاثة عقود، وهي في الجملة عبارة عن موجات ثلاث، تشبيها لها بموجات البحر العالية التي لا يمكن إيقافها، الموجة الأولى هي (السلفية العلمية) وهي السلفية التي أسسها الشيخ مقبل الوادعي في الثمانينيات في دماج صعدة ،مع مشايخ آخرين في مناطق يمنية أخرى، من خلال قيامهم بتدريس العلم الشرعي والعقيدة السلفية والفقه والحديث، وغير ذلك من العلوم بطريقة علمية تقليدية، واستمرت على هذا الأمر أكثر من عشر سنوات، وكانت حينها كل الجهود السلفية موحدة، والهدف والأسلوب والتفكير كان علميا شرعيا بحتا.

ثم يردف الكاتب بقوله "وتلا تلك المرحلة والتجربة الأولى الموجة الثانية مطلع التسعينيات، وهي (السلفية الاجتماعية الخيرية) بعد إعلان الوحدة اليمنية، فنشأت حينها جمعيات ومؤسسات خيرية كالحكمة والإحسان؛ ولكن لم يستوعب بعض مشايخ المرحلة الأولى هذا التطور السلفي؛ فحاربوه، وواجهوه بشتى الوسائل، كالتحذير من أصحابه، واعتباره انحرافاً عن المنهج السلفي الأصيل، المتمثل في السلفية العلمية حصرا، على الرغم من أن مؤسسي المرحلة الثانية هم من مشايخ السلفية العلمية، وقد اتهم مشايخ المرحلة الأولى أصحاب المرحلة الجديدة بالحزبية والانحراف عن السلفية، وبالضلال، حتى صارت السلفية ذات توجهين في اليمن، تقليدية، تمثلها المدرسة العلمية برئاسة الشيخ مقبل، رحمه الله، والمراكز التابعة له في (دماج ومعبر والحديدة ولحج ومأرب)،والثانية خيرية علمية، ويمثلها أصحاب الجمعيات والمؤسسات الخيرية والمراكز الشرعية.

ومع مطلع الألفية الثانية، ومرور السنوات على هاتين المرحلتين، فإنه في الوقت الحالي " تتبلور المرحلة الثالثة، وهي (السلفية الحركية السياسية) بحسب الباحث محمد طاهر أنعم ،والتي بدأت تشق طريقها منذ سنوات قليلة، وقد وجدت دافعاً قوياً لها في ظل الثورة الشعبية اليمنية،وتوجد حالياً في الساحة السياسية خمسة مشاريع للعمل السياسي تدرس داخل التيارات السلفية في اليمن، أحدها داخل تيار الحكمة، والآخر داخل تيار الإحسان، والثالث داخل التيار الحسني (جماعة أبي الحسن السليماني)، والرابع نابع من شباب الثورة السلفيين في الحركات الشعبية في الساحات، والخامس (حزب العدالة والتنمية) الذي أعلن عنه منتصف العام الماضي 2011م، ومن المتوقع أنها سوف تفضي إلى مشروعين اثنين يقف خلفهما طرفا السلفية الحركية في جمعيتي الحكمة والإحسان.

السلفية والعمل السياسي

تاريخياً تعتبر فترة الثمانينيات مرحلة العمل السري للتنظيمات والجماعات،ومع دخول عقد التسعينيات من القرن الماضي، ودخول التعددية إلى بلاد اليمن، برز كثير من الجدل الفكري والسياسي والثقافي حول عدد من القضايا، والتي كان في مقدمتها إسلامية الدستور اليمني وموقف الإسلام من الديمقراطية والحزبية والانتخابات، وهي المسائل التي احتدم حولها النقاش كثيراً في أوساط الإسلاميين تحديداً، وبحسب الباحث في شؤون الحركات الإسلامية الأستاذ نبيل البكيري في حديثه لـ"إسلام أون لاين" "فقد كان في مقدمة تلك القضايا التي جادل فيها السلفيون كثيراً، الديمقراطية والتعددية والحزبية والانتخابات، والتي كان لهم فيها الكثير من الفتاوى المستقدمة من خارج الحدود اليمنية التي لها موقف سياسي واضح من هذه الأفكار التي تمت بلورتها دينياً من قبل هيئة علمائها ومشايخها".

ويضيف البكيري بقوله "وعلى الرغم من التحولات الفكرية والسياسية الخجولة والمرتبكة في فكر بعض الجماعات السلفية الحركية في بعض دول الخليج، يبقى سلفيو اليمن الاستثناء الأبرز في هذه التحولات، بمختلف توجهاتهم وأفكارهم من تقليديي دار الحديث بدماج صعدة أو ما يسمى بالتيار المقبلي نسبة للشيخ السلفي والمحدث الشهير مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه الله ـ إلى الحركيين في جمعيتي الحكمة والإحسان الخيريتين، إلى المراوحين بين التقليديين والحركيين كجماعة الشيخ السلفي أبو الحسن المأربي إذ إن هؤلاء كلهم ما زالوا مأسورين بمنظومة من المعتقدات السلفية الجامدة التي تكفر المنظومة الثقافية والسياسية للنظام والمجتمع، والمتمثلة بآلية الديمقراطية وأدوات العمل السياسي والانتخابات والتعددية الحزبية والدستور والبرلمانات.

ويعتبر البكيري أن الإشكالية السياسية في الفكر السلفي، مرتبطة ارتباطاً تاماً بمنظومة من الأفكار والمعتقدات التي يؤمنون بها كمسلمات وثوابت يحرم مجرد النقاش حولها، فضلا عن القول ببشريتها، ومن أكثر هذه الإشكاليات تعقيدا هي إشكالية ما اصطلح عليه سلفياً بـ"طاعة ولي الأمر" هذه الإشكالية السياسية بامتياز، والتي كانت إحدى تداعيات الصراع السياسي المبكر بين فرقاء السياسة من أمويين وعلويين وعباسيين وزبيريين خلال القرن الهجري الأول.

ويبين البكيري العقدة السلفية من السياسة، في أنها " ليست مجرد تكتيك مرحلي بقدر ما هي قناعة فكرية مسطحة مرتبطة بالإشكال السلفي الآخر الذي ينطلق من فهم سطحي وحرفي للأثر القائل "إن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وهو المنطلق الذي انطلقوا منه في تحريمهم لكل أشكال التطور السياسي الحديث كالديمقراطية التي يرون بدعيتها وتكفيرها اسماً ومضموناً، فضلاً عن بدعة وحرمة كل ما يتعلق بها من آليات العمل السياسي، من التعدد الحزبي والتشريع الدستوري الذي يعتقدون بكفر من ينادي به.

وفي اليمن، وبالرغم من حالة الفرز والتباين بين فصائل الحالة السلفية، إلا أنهم مجمعون تقريبا حول حرمة العمل السياسي، باستثناء حالة التردد والمراوحة التي تبديها جمعية الحكمة اليمانية، التي دشنت مؤخراً باستحياء مرحلة الرهبة والخوف من اقتحام العمل السياسي، من خلال تنظيمها للملتقى السلفي العام، والأول لها، والذي انعقد في صنعاء في مايو 2009م، تحت عنوان "الوحدة اليمنية من وجهة نظر شرعية وواقعية ".

كذلك ما تلاه في الملتقى السلفي الثاني الذي انعقد العام الماضي في مايو2011 تحت شعار "نحو كيانٍ موحدٍ للدعوة السلفية في اليمن" والذي خرج بإشهار الكيان الجامع للمؤسسات الدعوية للسلفيين (الائتلاف السلفي اليمني) إلا أنه لم يتعرض في بيانه إلى مسألة المشاركة في العمل السياسي، وخوضهم لها في المرحلة القادمة، على الرغم من أن قضية العمل السياسي وضرورة دخول السلفيين طرحت في حلقات النقاش، وأثيرت في الملتقى السلفي الثاني الذي أتى موعد انعقاده في ظل الثورة الشعبية، وفي المقابل شكل في الداخل والوسط السلفي ثورة فكرية ومراجعات فقهية جديدة.

أما بالنسبة للتقليديين من السلفيين، فإن أشهر ما عرف عنهم في تحريمهم للديمقراطية نظرتهم إلى الانتخابات باعتبارها منازعة ولي الأمر حقه الذي حصل عليه،ولو بالانقلاب العسكري الذي يرون شرعيته انطلاقا من اعتقادهم بشرعية «ولاية المتغلب» التي تستبطن في أصلها الدعوة والتحريض الدائمين على الانقلابات العسكرية، مقابل عدم إيمانهم بالتبادل السلمي للسلطة، لكونها إحدى مخرجات الديمقراطية الكفرية.

والملاحظ أن ثمة إشكالات وعقبات، لا بد أن تتجاوزها الحالة السلفية في اليمن حتى تتحول إلى مرحلة الدخول في العملية السياسية والمشاركة في الانتخابات النيابية والمحلية، وغيرها من أدوات الديمقراطية التي ما زالت تتحفظ عليها بالمطلق وفق موقف وقناعات مسبقة وفتاوى تحريم وتجريم لها.

إشكالات وعقبات

وفي توضيح مجمل للموانع والعقبات التي تقف دون تحول السلفيين باتجاه العمل السياسي والدخول فيه، تحدث الشيخ عمار بن ناشر العريقي، أحد قيادات ومراجع السلفية الحركية في اليمن، لـ"إسلام أون لاين" بقوله "لقد بدا للسلفيين مع مرور الزمن، أن انحصار اهتمامهم بالتعليم والتربية والعمل الخيري الدعوي لا يكفي، ولا يساعد في انتشار الدعوة وإبلاغ الرسالة وخدمة الإسلام والمسلمين، الأمر الذي يتطلب منهم من أجل مقاومة المد العلماني والإلحادي الكفري المشاركة في العمل السياسي، كما فعل إخوانهم في مصر الذين كان لهم الحضور الملفت للأنظار،وبعض المراجعات المعروفة، وقد سبقهم إلى ذلك سلفيو الكويت والبحرين وغيرهم .

ويوضح الشيخ العريقي "إن العمل السياسي في اليمن، يكتنفه الكثير من الإشكالات والعقبات التي تحول دون هذا الانتقال المطلوب من السلفيين أن يقوموا به، وذلك لأسباب جوهرية، ويأتي في مقدمتها عدم وجود قيادة سلفية موحدة للعمل تجمع شتاتهم الناجم عن الاختلاف في الرؤى والتصورات وآثار السنوات التي خاضوا فيها العديد من الصراعات والمواجهات الفكرية مع بعضهم بعضا، وكانت نتيجة ومحصلة ذلك تعود إلى سوء الفهم لدى بعضهم أو سوء الظن لدى بعضهم الآخر.

ومن الأسباب التي جعلت السلفيين لا ينخرطون في العمل السياسي، وليسوا على استعداد للدخول فيه، كما يرى أحد القيادات السلفية الشابة الشيخ فيصل العشاري في حديثه لـ"إسلام أون لاين" هو "طبيعة البنية التنظيمية المشتتة للتيارات السلفية، فالسلفيون في اليمن ليسو تياراً واحدا، بل أصابتهم ظاهرة التشظي الفكري حتى غدا بعض فصائلهم خنجراً حادا في خاصرة بقية الفصائل، ومن ذلك الإغراق في ظاهرية النص، وطريقتهم البدائية التي اشتهروا بها في التعامل مع النصوص، والتوقف عند مجرد الفهم الأولي، وعدم الانضباط بالطريقة المعمول بها في تأصيل النوازل على طريقة الفقهاء، بسبب النزوع إلى الاجتهاد من دون مراعاة ضوابطه وشروط المجتهد، فصار بعض صغار الطلبة يتكلمون في كبار المسائل من دون الرجوع لكبار الشيوخ.

ومن الأسباب أيضا، وفقاً للشيخ الشاب فيصل العشاري "النزوع النفسي لإتباع السلف الصالح، وهذه قد تكون ميزة لو اقتصرت على ما يناسبها في التوقيفيات، أما إنكار الوسائل العصرية، بما فيها السياسة وطرائقها المستجدة، بحجة أنها ليست ضمن حزمة فهم السلف؛ فهي طريقة غير سديدة، والخصومات المفتعلة مع التيارات الإسلامية الأخرى المنخرطة في السياسة - ولا سيما تيار الإخوان - مما جعلهم يظنون سوءاً في السياسة ".

ومن الإشكالات والعقبات التي حالت دون تقدم السلفيين نحو العمل السياسي وفقاً للقيادي السلفي عمار بن ناشر العريقي "ضعف الموارد المالية التي جاءت إثر سياسة تجفيف المنابع التي قوضت مسيرتهم، وعدم وجود الكفاءات السياسية، وقلة الخبرة التنظيمية والإدارية والمؤسسات الإعلامية، وغياب الحس الجماهيري، وانقطاع القيادات العاملة إلى العمل العلمي والخيري والدعوي والإداري لها فقط ".

ويضيف الشيخ العريقي في ثنايا إجاباته أن من جملة الإشكالات التي لدى السلفية "ضعفها وتفريطها بمسألة العلاقات العامة، وعدم اتصالها بالمؤسسات المهمة في البلد، كالجيش والقبائل والسياسيين، ومن ذلك ضرورة إحداثها لمراجعات فكرية وسياسية، تتناسب والتحديات الجديدة مع تجاوزها لمرحلة الخضوع للداعم ومصادر التمويل، وما يتطلب ذلك من المراجعة الفكرية لمسألة التعاطي مع الديمقراطية،باعتبارها أداة ووسيلة، وليس منظومة،وما يتبعها من الاعتراف بالتداول السلمي للسلطة وتعدد الأحزاب وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجلوس مع أعداء الأمس من علمانيين وغيرهم على طاولة واحدة،ومن باب أولى الاتصال والتنسيق مع الإخوة في الحركة الإسلامية " التجمع اليمني للإصلاح" .

ومع ذلك ورغم الموانع والإشكالات الإ أن ثمة نظرة استشرافية للمستقبل وللسلفية في اليمن، يقول الشيخ العشاري "مع موجة الربيع العربي بدأت تتشكل مجاميع سلفية في اليمن داعمة للتغيير، واتخاذ مواقف متقدمة في السياسة الشرعية، والتنسيق العملي مع بقية التيارات الإسلامية الأخرى، هذا يبشر بنمو هذا التيار الذي سيمثل رافدا من روافد وحدة الجماعات الإسلامية العاملة في الساحة، وأغلب الظن أنهم سيتجهون للانخراط في العمل السياسي وتكوين أحزاب سياسية، فهناك شخصيات سلفية ذات ثقل في الوسط الشبابي سلكت هذا الطريق، ونتوقع تقدما ملموسا خلال الفترة القادمة بمشيئة الله.