يمن أكبر من مقاس 33
بقلم/ فاروق مقبل الكمالي
نشر منذ: 10 سنوات و 3 أشهر و يوم واحد
الخميس 29 مارس - آذار 2012 10:25 م

كمواطن يمني تحاصره الهموم والمشاكل والقضايا الخاصة والعامة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية فإنني تأكيدا أشعر بالإرهاق وينتابني القلق والخوف كلما لمحت مسلحا رث الثياب كئيب المنظر منفوش الشعر يتجول بكل حرية وسط شوارع المدن الرئيسية والفرعية وفي الأسواق العامة لما سيكون علينا تحمل كل تلك السخافات بما تشكله من تهديد حقيقي لأمننا وسلامتنا دون سبب؟ لما سيكون علينا أن نقبل بهذا الرعب الذي يغزوا مدننا ومدارسنا ومؤسستنا وهواجسنا وأحلامنا وساعات مقيلنا , ناهيك عن سخافات أخرى توترنا بضغطها العالي وتصعقنا بشحناتها المكهربة لأجوائنا الداخلية بما يفوق قدرتنا على التحمل كأشخاص أسوياء مدنيي الطباع .

لما كان علينا أن نقبل بمسرحية خليجية أممية شخصت مشكلتنا بشخص استأثر بمنصب رئيس الجمهورية 33 عاما وتغافلت أن مصيبتنا تتلخص بكوننا طيلة تلك الفترة نعاني غياب نظام حقيقي وليس نظام مفصل بمقاس 33 بدءا من القوات المسلحة والأمن وصولا إلى عاقل حارة لا تعرف أبسط مقومات الحياة وفق مفهومها البسيط ومدير مدرسة يتلقى طلابها تعليمهم تحت ظلال الشجر، مرورا بمجلس نواب تنضح رؤوس غالبية أعضائه أمية وجهل بينما يتعاطون السياسية كبردقان ويتحدثون عن الأمن ومرافقيهم ينشرون الذعر والرعب وسط مدننا بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة والثقيلة مرورا بحكومات أعضائها كلا في وزارته لايستطيعون اتخاذ قرار واحد يبرر على الأقل كونهم وزراء ومجلس شورى شيوخ القبائل فيه فوق القانون ودون المعرفة فيما مواطنوهم يخطفون سائحا كوسيلة ضغط على الدولة لإطلاق قاتل أو قاطع طريق ومجالس محلية جل ما يعرفه أعضائها عن وظيفتهم هو العبث بمستحقات الضمان الاجتماعي للأرامل والأيتام .

ولا نستثنى من هذا المقاس الأحزاب السياسية اليمنية برمتها .

يا الله كم نحن ساذجون جدا

فرغم ذلك كله ها نحن نتعاطى خيباتنا بوصفة خليجية أممية لم تراع إنسانيتنا وكرامتنا كبشر أسوياء بل وتجبرنا على العيش في ذات الجلباب بمقاسه القديم 33 عام لانقدر على الحركة أو التنفس أو حتى تلمس مواضع أقدامنا في منازل مظلمة وشوارع يسكنها رعب مسلح منابعه تتوزع بين مصلحة شئون القلاقل ( القبائل ) ومجلسي النواب والشورى، والأسوأ من ذلك كله أن تلك الوصفة السحرية لم تراع حق رئيس أخترناه بإرادتنا في إقالة برلمان جاثم على أنفاسنا منذ عشر سنوات والدعوة لاختيار مجلس جديد شرط أن يكون أعضائه من حملة البكالوريوس على الأقل بما يتواكب ومعطيات المرحلة التي يمر بها الوطن .

عدا ذلك فسيكون علينا أن نقبل بهذا الرعب الذي يغزوا مدننا ومدارسنا ومؤسستنا وهواجسنا وأحلامنا وساعات مقيلنا دون أن نجد شخص واحد يوضح لنا جدوى تساؤلات البرلمان الموجهة إلى رئيس الحكومة ووزيري الدفاع والداخلية عن الأوضاع الأمنية المرعبة في هذا الوطن وطبيعة الإجراءات التي اتخذت لحل هذا الرعب معلوم المصدر؟ .

وكما يبدوا سيكون قدرنا أن نقبل بهذا الرعب ولا من أحد قادر أن يخبرنا عن جدوى تأخر البرلمان بإقرار الموازنة العامة للدولة بذريعة تأخر حكومة الوفاق الوطني عن تقديم تقرير ما أنجزته من تلك الوصفة الخليجية الأممية ( المبادرة ) إلى المجلس متجاهلين أن تأخير إقرار الموازنة عرقلة متعمدة لتنفيذ المبادرة التي يعد إقرارها خطوة هامة في سياق معالجة الحكومة للأوضاع التي تمر بها البلاد اقتصاديا واجتماعيا .

هاهي السخافة وحدها تحكم اللحظة التي نمر بها وعلينا كما يبدوا التعاطي معها مجبرين لأن ثمة أشخاص أو شخوص يريدون لنا ذلك دون مراعاة لظروف جديدة نعيشها كشعب أفضت إلى تغيرات عدة على الصعيد السياسي ،وبينما الانفلات الأمني يتصاعد من حولنا يدور الحديث إعلاميا فيما لامعنى له أساس ولا أهمية كالحديث عن وساطات جديدة بين صالح ومحسن، صالح ترك السلطة وبات خارج الحكم دستوريا ومحسن عسكري في الطرف الأخر وهذا يعني أن خلافات الرجلين بعد يوم 21 فبراير لم تعد ذات أهمية تستدعي بنا التعاطي معها كما لو أننا لم نتجاوز مرحلة صالح إلى مرحلة هادي وعلينا الوقوف بجانبه لتجاوز أوضع معقدة في تاريخ الوطن لامواصلة العزف على ذات الأوتار الممزقة والعودة إلى نفس المربع السابق وكان لا شيئ تغير بالمرة .

كمواطنين من القبيلة ذاتها يمكن لصالح ومحسن الذهاب إلى شيخ القبيلة أو محكم يختارانه بينهما لإصلاح زجاجة علاقتهما ببعض دون حاجة إلى أن يقوم الإعلام الخارجي بإعادة تصدير ريحهما إلينا بمنشتات عريضة ، ودون أن نكون مجبرين أيضا على التعاطي مع كل السخافات التي يروجها الطرف الأخر عما يعتقده تدخلات صالح بالطريقة نفسها التي تجعل الملايين منا أشد قناعة بأنه لم يتغير أو أن هادي لم يكن .

هل يقول لنا أحد أننا كشعب لم نعد بحاجة إلى مزيد من السخافات وعوضا عن ذلك نحن بحاجة جادة إلى النظر لهيكلة معسكراتنا وأجهزة أمننا كعمل وطني وليس إلى الحديث عن ذلك كمشروع انتقامي يسعى من خلاله كل طرف إلى التربص بالأخر والمراوحة عند ذات النقطة ،إذ لم يعد يعنينا شيئ في واقع الأمر عدا كيف نصنع مستقبلنا ونعالج جراحتنا ونحفظ هذا الوطن .

هل يقول لنا أحد أننا كشعب لم نعد بحاجة إلى مزيد من السخافات وأننا بحاجة إلى هيكلة برلماننا ليكون أكثر قدرة وكفاءة وتناسب مع طموحات الشعب ،ونحن أحوج ما نكون إلى هيكلة السلطات المحلية بما يوجد حكم محلي يتولى إدارة شئوننا الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في كل محافظة وقرية بمعزل عن الوضع العام وحتى يتسنى للسلطة المركزية استكمال تنفيذ الوصفة الخليجية الأممية وهيكلة معسكراتنا وأجهزة أمننا وإدارة الحوار الوطني ووضع دستور مقاسه اليمن على أسس وطنية صرفة وليس على إملاءات داخلية أو خارجية .

هل يقول لنا أحدهم لما سيكون علينا أن نقبل التعاطي مع مزيد من السخافات في كل مناحي حياتنا ونستمر عاجزين أن ندرك أن الحديث عن هيكلة معسكراتنا وأجهزة أمننا وإجراء حوار وطني لامعنى له اليوم وثمة من يريد كل ذلك أن تكون مشاريع انتقامية يسعى من خلالها كل طرف إلى التربص بالأخر فيما نضل كشعب ووطن نراوح عند ذات النقطة