بعد انخراطهم في العملية السياسية..السلفيون في اليمن وتحديات المرحلة القادمة ( 2- 4 )
بقلم/ عارف علي العمري
نشر منذ: 9 سنوات و 4 أسابيع و يومين
الأربعاء 11 إبريل-نيسان 2012 05:05 م

 دخول السلفيين في العمل السياسي في اليمن يمثل رصيداً قوياً للأحزاب الوطنية والإسلامية ذات التوجه السني في مواجهة المد الشيعي ألاثني عشري في اليمن, ولا أوافق كثير من الكتاب والمحللين الذين يقولون أن ميلاد حزب الرشاد اليمني قد يخطف الأضواء من حزب التجمع اليمني للإصلاح أو يقلل من شعبيته في الأوساط اليمنية, واعتقد أن مثل هكذا طرح يبدوا طرح غير بري إذ أن القاعدة الذهبية التي أسسها الإمام الشهيد حسن البناء هي القاعد الأنسب لتجاوز كل الخلافات والتي تقول " نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه", وبالتالي فان اعتماد هذه القاعدة في أوساط التيار السلفي واقصد به هنا حزب الرشاد ضرورة مهمة جداً لبناء تحالفات واسعة من اجل انجاز الكثير من البرامج والفعاليات التي يتبناها الحزب.

هل أصبح انخراط السلفيين في العمل السياسي ضرورة؟ لم يكن سلفيو اليمن هم أول من دعا للعمل السياسي من الفصائل السلفية العربية، بل سبقهم سلفيو الكويت قبل سنوات طويلة، ثم سلفيو البحرين، ثم سلفيو الجزائر في الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي انقلب على نتائجها النظام العسكري الفاسد في الجزائر قبل عشرين سنة، ثم سلفيو السعودية في الانتخابات المحلية قبل سنوات، ثم سلفيو مصر مؤخراً, لكن ما إن أعلن السلفيون الذين ينتمون إلى مدرسة السلفية الحركية إنشاء حزب الرشاد اليمني, حتى شن مشائخ السلفية التقليدية موجة كاسحة من عبارات النقد اللاذع, ووصل الأمر ببعضهم إلى الجرح والتلفظ بعبارات نابية, لاتتصل للأخلاق العربية فضلاً عن الإسلامية بصلة, وخرج بعدها رئيس ائتلاف الإحسان السلفي الشيخ عبدالله الاهدل بفتوى تجيز العمل الحزبي باعتباره ضرورة في المرحلة الراهنة بهدف خدمة المجتمع , وتشرعن العمل الحزبي بشروط سيتم ذكرها في سياق الفتوى.

وليعذرني القارئ الكريم أن انقل الفتوى نصاً نظراً لأهميتها والتي أصدرت في 21 مارس الماضي ونصها كالتالي حيث يقول الشيخ الاهدل " لا شك أن هناك متغيرات مهمة على أرض الواقع ، حيث بدأت الأنظمة العربية الطاغوتية الجبرية تتهاوى الواحد تلو الآخر ، وكان للضغط الشعبي وتضحيات الأمة الفضل الأكبر – بعد الله جل وعلا- في ذلك .. مما جعل الدعوة السلفية تعيد النظر في موقفها وأدبياتها ، والتفكير في العمل السياسي والذي من خلاله يمكن تجميع مختلف الشرائح والنخب الثقافية في المجتمع وتسخيرها لصالح الأمة ودينها وثوابتها .

 ومن حيث المبدأ فتكوين عمل سياسي أو إنشاء حزب إسلامي في ظل حكومات جاهلية تحكم بالقوانين الوضعية مسألة خلافية أجاز ذلك جمهور علماء الأمة ومفكريها في هذا العصر . مثل : السعدي ورشيد رضا وأحمد شاكر وابن باز وابن عثيمين وعموم قيادات الجماعات الإسلامية بلجانها الشرعية والمجامع الفقهية فهي من مسائل الاجتهاد والتي لا يضلل فيها المخالف ، لكن قد يخطّأ .

وعقدة هذا الموضوع هو مدى تحقق المصلحة الشرعية من عدمها ، ومعلوم أن الشريعة جاءت لجلب المصالح وتكميلها ودفع المفاسد وتقليلها ، فقد أجازت الشريعة الإسلامية التجسس على العدو ، ففي مصنف عبد الرزاق بأسانيد لا بأس بها أن العباس كان عيناً للنبي –صلى الله عليه وسلم- في مكة .. فإذا جاز نشر عدد من الجواسيس في دار الحرب في مصلحة الدين ، وهذا يعني أن هؤلاء الجواسيس سيظهرون الكفر ويبطنون الإيمان ، فلن يحضروا صلاة الجمعة والجماعة ، وسيرتكبون العديد من المخالفات الشرعية ، وقد يمكثون على هذه الحالة سنين .. فإذا كان هذا جائزاً لما يترتب عليه من مصلحة عامة للمسلمين فهذا مثله ، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن الحجاج بن علاط أنه قال للنبي –صلى الله عليه وسلم- : يا رسول الله إن لي مالاً عند قريش ولا يخرج منهم إلا أن أقول شيئاً ( أي من الكفر في الظاهر) . فقال –صلى الله عليه وسلم- : (( قل )) . وشواهد هذا كثير . فإذا جاز هذا للمصلحة الخاصة كان أجوز للمصلحة العامة .. والله أعلم

وسرد الشيخ الاهدل عدداً من الضوابط التي يجب مراعاتها في ذلك ومنها:-

 1- أن يكون قيام هذا الحزب في اليمن في هذا الظرف مدروساً من الناحية الشرعية ، أعني أن مصالحه أكثر من مفاسده.

 2- أن يقدم خطاباً سياسياً عصرياً منضبطاً بالشرع قدر الإمكان ، وأعتقد أن هذا هو الجديد الذي يمكن أن يقدمه حزب سلفي ويتميز به عن سائر الأحزاب الإسلامية

 3- أن يكون قادراً على تحقيق أهدافه التي قام من أجلها مثل الحسبة السياسية وتأطير مختلف شرائح المجتمع لصالح الدين ، وإبراز المشروع الإسلامي للملأ وللعالم.

4- أن لا يشغل العمل السياسي جميع الدعاة عن واجبهم الأساسي وهو الدعوة إلى الله على أساس البلاغ المبين الذي جاءت به الرسل والتربية والتزكية ولذا فمبدأ التخصص وارد هنا بقوة (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة .. )).

وعليه فتكوين عمل سياسي أو حزب سلفي هي قضية اجتهادية لو تفرغ لها بعض السلفيين بتلك الضوابط فلا أرى حرجاً شرعياً فيها بل قد يكون ذلك مستحباً أو واجباً على الكفاية حسب تحقيقه للمصلحة الشرعية والله أعلم وإذا كانت تلك هي الفتوى الجديدة فلماذا تأخر السلفيون حتى اليوم في إعلان حزب سياسي, سؤال يطرح نفسه بقوة وخصوصاً مع وجود المشككين في توقيت ولادة حزب الرشاد اليمني. لماذا تأخر ظهور حزب الرشاد السلفي في اليمن؟

لم يشارك السلفيون في أي عمل سياسي في اليمن قبل ثورة الـشباب الشعبية السلمية ، بل كان لهم موقف حاد يتمثل في عدم الاقتراب من أي مشاركة أو استحقاق سياسي في البلاد، وذلك لعدد من الأسباب منها:

1ـ رفض "الديمقراطية" كنظرية غربية حاكمة للمنظومة السياسية في اليمن،باعتبار ما فيها من مخالفات شرعية، وأيضا باعتبارها نظرية غربية ظهرت بعيدا عن قيم الإسلام ومبادئه، وأيضا لأنها ليست الشورى البديل الإسلامي الأولى بأن يكون حاكما للمنظومة السياسية. إذ ينظر السلفيون إلى كون الديمقراطية لا تراعي الشروط الإسلامية فيمن يحكم أو يشرع القوانين، وقد تأتي "بكافر أو امرأة لحكم الدولة الإسلامية أو تأتي بمن يجهر بعداء الدين"., إضافة إلى ذلك النظرة السلفية بخصوص المرأة ومساواة صوتها بصوت الرجل في الانتخابات, والتي تعتبر ذلك مخالفة لنصوص القران الكريم التي تعتبر صوت الرجل يعادل صوت مرآتين.

 2ـ الموقف الدولي والإقليمي من أي انخراط إسلامي جاد في العملية السياسية قد يفضي إلى وصولهم إلى سدة الحكم في اليمن، وما كان يستلزمه هذا الموقف من تقديم تنازلات شرعية لا يرضاها السلفيون تجاه كثير من القضايا، هذا في حال قبل مسألة وصولهم من الأساس. إذ كان التيار السلفي كثيرا ما يضع نصب عينه انقلاب النظام الجزائري على الانتخابات التي فازت بها "جبهة الإنقاذ الإسلامية" أوائل تسعينيات القرن الماضي، وأيضا ممارسات القوى الدولية والإقليمية والمحلية ضد حركة "حماس" بعد فوزها بالانتخابات الفلسطينية.

 فكانت هذه التجارب دليلهم على أن معطيات اللعبة السياسية في ضوء موازين القوى عالمياً وإقليمياً وداخلياً لا يمكن أن تسمح لهم بالمشاركة "إلا بالتنازل عن عقائد ومبادئ وقيم" لا يقبل السلفيون أن يضحوا بها في سبيل الحصول على وضع سياسي وكان السلفيون أيضا يقرون في ذلك الوقت ـ بأن رفضهم الدخول في اللعبة السياسية جعلهم بعيدين عن "حالة الاستقطاب التي كانت تمارسها بعض الاتجاهات مع بعض القوى الإسلامية" التي كانت تمارس السياسة، فبقيتالدعوة السلفية "لا تغازل أحداً ولا يغازلها أحد، بل بدا الأمر في بعض الأحيان على أنه لا يهابها أحد على نفسه".

حدود المشاركة في الواقع السياسي: يعني مفهوم المشاركة السياسية: الاهتمام بالشأن العام والانخراطَ فيه عبرالمؤسسات السياسية المختلفة كالانتماء للأحزاب، كما يعني المشاركة في التصويت وفي النقابات المهنية وفي النوادي والمشاركة في جمعياتها العمومية التي تقرر مسيرتها واهتمامها وتوجهاتها، وتُعَد المشاركة السياسية في تقديري هي التعبير المعاصر عن مفهوم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»؛ خاصة لو ذهبنا إلى أن ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المفهوم المعاصر تتم من خلال المؤسسات وليس عن طريق العمل الفردي.

وكما هو معلوم فإن السلفية تمتعت بشرعيتها لدى الجماهير في اليمن والعالم العربي من خلال قيامها بالعمل الدعوي والاحتسابي والتربوي والتزكوي، ومن ثَمَّ فإن المشاركة في العمل السياسي يجب أن تكون بالقدر الذي لا يطغى على العمل الدعوي والتربوي والتزكوي.

وفي ظل الولادة الجديدة لحزب الرشاد والنظرة التي لم تكتمل بعد فإن المدرسة السلفية الحركية تعبر عن القوى التي تكاد تحرِّك الحزب وترسم توجهاته، وهو ما يطرح إشكالية العلاقة بين العمل الدعوي والعمل السياسيوطبيعة كلٍّ منهما التي تختلف عن الآخر، فبينما يتجه العمل الدعوي للإفصاح عن الحق والبيان الذي ربما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، فإن العمل السياسي قد يسلك مسالك مختلفة حول الأخذ في الاعتبار الواقع السياسي وأنه قد يؤخر بعض البيان، كما قد يجري عامل المصلحة التي هي جوهر السياسة الشرعية، وقد يذهب إلى إعمال المقاصد واعتبار المآلات وأخذ العرف والعادة والاستصحاب في اعتباره، وهنا أحد التحديات الكبرى، وهي: كيف يمكن إدارة العملية السياسية ومواجهة تحديات الواقع؟ كما أن إدارة الواقع السياسي سوف تعني بالضرورة أن يعبر الفاعلون السياسيون المنتخَبون عن عموم الأمة وليس عن التيار الذي يمثلونه، ومن هنا فهناك فرق بين مفهوم الجماعة أو المدرسة وبين مفهوم الحزب السياسي الذي يعبر عن معنى أوسع قد يدخل ضمنه مخالفون للجماعة السلفية في العقيدة؛ كما هو حال حزب الإصلاح مع اتحاد القوى الشعبية وحزب الحق.

وهذا في الواقع أحد التحديات التي تواجه التيار السلفي؛ فهو تيار يقوم على التماثل العقدي بينما السياسة تقوم على التعدد وربما التخالف في الرؤى السياسية، والتيار السلفي يقوم على التوحد في الرؤى بينما السياسة تقوم على التعدد والتنوع، والتيار السلفي يقوم على الثقة في مشايخهوإتباع ما يرونه, بينما السياسة قد تعني مناكفةً ومغاضبةً وجدالاًمراعاة الواقع والضرورة: يشير ابن القيم إلى علاقة الواجب بالواقع وأن نعطي الواجب حقه من الواقع كما نعطي الواقع حقه من الواجب؛ فمراعاة الواقع هي الفضاء الذي يتحرك فيه الفاعلون لتطبيق الأحكام أو يتحركون فيه من أجل تهيئته لتطبيقها نحو مزيد من الإسلام والاقتراب من الشريعة وَفْق قواعد المصالح والمفاسد التي تقول بدفع أعلى المفسدتين وإن تحققت أدناهما وتقول بتحقيق أعلى المصلحتين وإن فاتت أدناهما كما لا بد من مراعاة العرف والعادة وإعمال مبادئ الاستصحاب والاستصلاح كمداخل رئيسية في العمل السياسي,كما أن القول برفض الأحزاب السياسية باعتبارها تعبيراً عن التجزئة والتفتت لم يعد مقبولاً اليوم، وأن هذه الأحزاب هي أدوات للتدبير وأنها مؤسسات لا يخلو مجتمع منها ومن ثَمّ فإنها تقوم بوظائف مثل التثقيف السياسي والتنشئة السياسية والحشد والتعبئة، ومن ثَمَّ فلا بد من القبول بالصيغ الجديدة للمؤسسات التي لم تكن موجودة في الاجتماع العربي القديم.