مخاطر فشل خيار التغيير السلمي في اليمن!!!
بقلم/ د. عبد الملك الضرعي
نشر منذ: 9 سنوات و أسبوع و 3 أيام
الجمعة 13 يوليو-تموز 2012 06:28 م

دشن الشباب اليمني ثورة سلميةً ضد الفساد المستشري في مختلف مفاصل الدولة ، وهب الملايين من اليمنيين مساندين لتلك الثورة أسوة بدول الربيع العربي ، ولكن وبعد مرور عام ونصف على الثورة لم تحدث تغييرات محورية تتصل بمحاسبة الفاسدين وتحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.

لقد شهد اليمن خلال الأسابيع الماضية تحولات في غاية الخطورة بدأت بحملة سندهم الإماراتية مروراً بإعلان اليونسيف اليمن منطقة منكوبة بسوء التغذية ، وإعلان اليمن منطقة منكوبة لم يكن الأول من نوعه بل سبقه تقارير قبل الثورة الشبابية وصفت اليمن بالدولة الفاشلة والدولة المنكوبة ...إلخ ، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هل اليمن فعلاً دولة منكوبة ، نستطيع القول حتى الآن أن اليمن لم تصل إلى درجة النكبة ولم تصل إلى حد الحاجة لجمع التبرعات في مساجد الدول الشقيقة لإغاثتها ، لسبب بسيط هو أن قوى النفوذ لم تصل إليهم النكبة بعد ولازال بعضهم يتسلم الملايين كرواتب ويحصل على امتيازات بملايين أيضاً ، حيث يقال لمن تسلم وزارة إو إدارة هذا حقك ، عجيب إذا كان أعلى راتب في سلم الخدمة المدنية في اليمن وهو راتب رئيس الدولة لايصل إلى(300)ألف ريال ، فبأي قانون يحصل كبار المسئولين على الملايين من الريالات ، وبأي قانون يستحوذ فئة معينة على المشروعات الإستثمارية الكبيرة ويتحولون إلى مليارديرات في لمح البصر ، إن نكبة اليمن الحقيقية هي في غياب النظام والقانون والعدالة الإجتماعية وغياب الشراكة الوطنية الحقيقية في الثروة والسلطة والقوة ،إن موارد اليمن والمساعدات الدولية التي تصل إلى المليارات كفليه بإخراج اليمن من واقعه الراهن دون الحاجة لإذلال الشعب وإهانته.

لقد حاول الشباب اليمني وبدافع وطني إخراج اليمن من واقعه المزري بثورة سلمية بيضاء وتساقط مئات الشهداء وهم يفتحون صدورهم العارية في مواجهة مختلف أنواع الأسلحة ، على الرغم من امتلاكهم لنظير تلك الأسلحة ولإرادة تفوق إرادة قاتليهم ، ولكنهم تركوا أسلحتهم في منازلهم وقدموا الورود لقاتليهم وهم يهتفون سلمية سلمية سلمية وهدفهم من ذلك تقديم نموذج حضاري لمقاومة الفساد والظلم .

إن خيار الشباب السلمي للتغيير تعرض لانتكاسات عديدة شاركت فيها أطراف داخلية وخارجية ، ومن المؤسف أن أطراف المعارضة الرسمية كانت شريكة في تلك الإنتكاسات ، وبالتالي وجد اليمنيون جميعاً أنفسهم في وضع لايختلف كثيراً عن مرحلة ما قبل ثورة الشباب ، سيقول البعض هذا كلام غير دقيق فالرئيس تغير والحكومة تغيرات وقيادات عسكرية ومدنية نقلت من مواقعها وو....إلخ ، نقول ذلك صحيح ولكن السؤال المهم لماذا قامت ثورة الشباب أصلاً هل من أجل تغيير السلطة القديمة بشخوصها ومكوناتها أم لإعادة إنتاج تلك السلطة بمسميات ومواقع أخرى.

من المسلمات التنموية أن بقاء الحاكم أو الوزير أو المدير لفترة طويلة في عمله يؤدي لتكوين شبكة من الفاسدين حوله توقعه في أخطاء ومخالفات متتالية يصبح معها غير قادر على إحداث أي إصلاحات حقيقية في المكان الذي يشغله ، لذلك وجدت الدول المتقدمة في التدوير السياسي والإداري الحل الذي تحمي به كلا من الموظف والمجتمع ، أما في الحالة اليمنية الراهنة فالمجتمع لم يرى تغيراً جوهرياً في منظومة السلطة القديمة وإن جاءت بعض شخصيات حكومة الوفاق عبر المجلس الوطني ، بل العجيب حتى التعيينات الأخيرة في بعض أجهزة الدولة آلت إلى شخصيات كانت مكون رئيسي من منظومة السلطة السابقة ، وبالتالي يمكن القول أن المشهد السياسي الراهن هضم حلم الشباب في إزاحة الفاسدين ومحاسبتهم بل وأعاد الثقة لبعض الفاسدين وأصبح شباب الثورة في وضع لايحسدون عليه ، فمئات من زملائهم سقطوا في شوارع المدن اليمنية والعديد من الجرحى لازالوا حتى الآن في مستشفيات الداخل والخارج وبعضهم لم يحصل على الحد الأدنى من الرعاية الطبية وآخرون لازالوا رهن الإعتقال التعسفي وو...إلخ.

إن المتابع لتطورات الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة في اليمن يدرك إلى حد بعيد أن المجتمع اليمني يعاني من شعور غير مسبوق بالإحباط نتيجة استمرار قوى الفساد في إدارة الحياة بمختلف جوانبها وبالإكراه ، ففي مجال التعليم أصبح التعليم وهمي والغش علني وتحت قوة التهديد والسلاح وتعاظمت الهجرة من الحضر إلى المراكز الاختبارية الريفية بغية الحصول على معدلات عالية ومزورة والحال شبيه به في التعليم العالي ، وفي مجال الصحة تراجع دور الدولة بشكل ملحوظ في تقديم الخدمات الصحية للمواطنيين على الرغم من الموازنات العالية لهذا القطاع وأصبح الفساد في هذا القطاع أبرز مظاهر المرحلة الراهنة، ومن ثم أصبح سفر القادرين إلى الخارج أقرب الطرق للحصول على الخدمة الطبية أما الفقراء فلا مجال أمامهم سوى مصارعة المرض ، وإذا تتبعنا مسار كثير من القطاعات الحكومية سنجدها لاتختلف كثيراً عن القطاعين المشار إليهما.

من المؤسف أن تدخلات لقوى داخلية وخارجية أثرت بشكل سلبي على نجاح الثورة الشبابية الشعبية السلمية ، وتعتقد تلك القوى أنها نجحت في كبح الثورة السلمية ، إن ذلك الإعتقاد وهمي لأن منطق التاريخ يقول أن كبح الثورات دون تحقيق أهدافها المجتمعية يبقيها كنار تحت الرماد.

إن قوى الثورة المضادة تعتقد أنها تمكنت من إحتواء ثورة الشباب ، وبالتالي بدأت رموز الفساد تعود إلى السلطة مرة أخرى وبنفس آليات الإدارة الفاسدة في العهد السابق ، إن تحدي قوى الفسادلإرادة المجتمع والإصرار على عودة اليمن إلى مربع ما قبل2011م يضع المجتمع اليمني أمام خيارات جديدة قد تشعل ثورة أخرى إنها ثورة الفقراء والفقراء عندما يثورون لايعرفون مفاهيم مثل السلمية والسياسة والحوار وو..إلخ .

أخيراً إن إحتمالات فشل خيار الثورة السلمية أمر بالغ الخطورة ، فمن منظور نفسي ستتكون قناعات لدى شريحة الشباب بفشل الخيارات السلمية للتغيير وذلك سيفتح الباب لدى قوى العنف المسلحة لاستدراج الشباب البائس اليائس إلى خيارات غير سلمية ، كما أن فشل الثورة السلمية في تحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية واستمرار الفساد ونهب المال العام سيفتح الباب أيضاً لقوى العنف لاستدراج شرائح أخرى من المجتمع وفي مقدمتها الفقراء إلى دائرة العنف ، وذلك كله سيفتح أمام اليمن مخاطر كبيرة سيكون من الصعب على المجتمع الدولي أو الإقليمي أو المحلي إحتوائها أو السيطرة عليها.