العراك الجنوبي والحوار الوطني
بقلم/ ناجي منصور نمران
نشر منذ: 9 سنوات و 8 أشهر و 12 يوماً
الأربعاء 12 سبتمبر-أيلول 2012 05:37 م

لم يكن الناشط السياسي محمد علي أحمد مبالغاً في وصفه لواقع مابات يُعرف اليوم بالحراك الجنوبي ،عندما أقر في سياق حوار له مع صحيفة (الأمناء) أنه يعاني من إنقسامات حادة في صفوفه، وأن هنالك شخصيات تغلب عليها نزعة السلطة وتتمسك بقراراتها حتى وإن كانت خاطئة.مما لاشك فيه أن كلام محمد لم يأت من فراغ ، فثمة عراك حقيقي داخل فصائل ومكونات الحراك الجنوبي ، والذي ظهر جلياً في مؤتمر القاهرة المنعقد في نوفمبر2011، حين رفض البيض المشاركة في أعماله ، وقيام مجموعة أطلقت عليها بعض وسائل الإعلام (مجموعة ال19 الحضرمية) بإعلان إنسحابها من المؤتمر قبيل إنعقاده بنصف ساعة ،ويؤكده اليوم فشل المجلس الأعلى للحراك في التوصل إلى إتفاق يتحدد على ضوءه موعد انعقاد مؤتمره الأول،الأمر الذي يدل على وجود شرخ غائر في مكونات الحراك ، وتصدع واضح للعيان في بنيانه

ما تجاهل الخوض فيه محمد هو ماهية تلك العوامل التي تلعب دوراً حاسماً في زيادة حدة الإنقسام داخل مكونات الحراك ،نوجزها فيما يلي:

1- وجود قوى خارجية ذات ثقل إقليمي ودولي تعبث في أوراق ملف القضية الجنوبية وتتلاعب بها من خلال ضخ مليارات من العملة الصعبة لبعض القيادات الجنوبية التي تعمل لحسابها، والتي ما انفكت تدفع بهم لركوب الموجة تنفيذاً لأجندتها السياسية ،ولتتمكن من إستغلال أوراق القضية للإبتزاز السياسي ، وعلى رأس تلك القوى إيران من جهة والسعودية ودول الخليج من جهة أخرى، ففي الوقت الذي تدعم فيه الأولى مشروع الإنفصال، تدعم الثانية مشروع الفيدرالية، وهنا أذكركم بشهادة العميد ناصر النوبة أحد قيادات ومؤسسي الحراك ،والذي قالها صراحة في حوار أجرته معه صحيفة الشرق السعودية من أن البيض يحاول شق الصف الجنوبي بأموال إيرانية ،ولكن هذا لايعني عدم وجود قوى وطنية أهدافها سليمة، ولكنها للأسف تواجه حرباً ضروساً من قبل تلك القوى المسيرة من الخارج والتي تحاول إخماد صوتها بشتى السبل

2- من يتظاهرون بأنهم شركاء اليوم في الحراك كانوا هم أنفسهم فرقاء الأمس ، سالت الدماء بينهم إلى الركب في أحداث يناير، ولاتزال نزعة الإنتقام بينهم قائمة وستظل،ولذلك لو نجح مشروع الإنفصال لاقدَّر الله، فإن المحافظات الجنوبية ستكون أول من يدفع الثمن ، حيث سيتم فتح صفحة جديدة من تصفية الحسابات بين الزعامات المتصارعة منذ زمن بعيد ،وستكون تلك المناطق ساحة مفتوحة لتسوية تلك الفواتير المتراكمة، والتي أضافت لها حرب صيف 94 كلفة جديدة يتحملها الزمرة نظير مساهمتهم الفاعلة في إقصاء البيض ورفاقه. ويُعد هذا العامل سبب آخر يفسر إصرار البيض المستميت على الإنفصال ، فبالإضافة لدعم إيران السخي لإنجاح مشروع الإنفصال الذي يتبناه ، فإن وصول الجناح المناؤى له (الزمرة) اليوم إلى سدة الحكم وعلى رأسهم الرئيس هادي ، زاد من إصرار الرجل على التمسك بخيار الإنفصال، مما يعني إستحالة التعايش وحتمية التنافر بينهما ، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال قراءة المواقف المتباينة لتلك الأطراف ، ففي حين يحبذ الرئيس علي ناصر خيار الفيدرالية ،نجد أن البيض يتبنى الموقف النقيض المتمثل في الإنفصال.

3- لانستطيع إنكار وجود صراعات مناطقية داخل مكونات الحراك الجنوبي ،تعود جذورها إلى فترة حكم الرفاق قبل الوحدة، والذين قاموا بتهميش محافظات بأكملها ، والتاريخ يزخر بالكثير من تلك الحقائق لمن أراد معرفتها، فحضرموت ذات الخصوصية الثقافية والإقتصادية على سبيل المثال، عانت إبان فترة تفرد الإشتراكي بالسلطة قبل الوحدة من أقسى أنواع القهر والحرمان،حيث قُمع علمائها ،ونُكل بتجارها، وشُجت رؤوس فلاحيها بالفؤوس تحت شعارات براقة وجوفاء لامعنى لها، ولذا فقد ظهرت اليوم بعض الأصوات من هنا وهناك التي تدعو إلى التأهب لإعلان دولة حضرموت في حالة نجاح مشروع الإنفصال، إذ يبدو أن الحضارم ليس لديهم الإستعداد لخوض غمار التجربة المريرة مرة أخرى، فالمؤمن لايُلدغ من جحر مرتين.

4- كثرة الفصائل ،وتعدد قياداتها ،وتنوع مواردها، يشكل عامل هام في تعميق هوة الخلافات بين تيارات الحراك

  إن استمرار حدة الإنقسامات داخل مكونات الحراك الجنوبي على هذا النحو ، وتباين مواقفها خصوصاً حيال عملية الحوار الوطني الشامل ، وإصرار البعض منها على فرض شروط تعسفية للدخول فيه ،كل ذلك من شأنه وضع المزيد من العراقيل أمام الجهود الحثيثة لإنتشال اليمن من مستنقع التمزق الذي يهدد أمنه واستقراره ، ولذا فإن ما جاء على لسان محمد علي أحمد الذي تمنى للحوار الوطني النجاح شريطة أن تتجه القضية الجنوبية -على حد قوله- نحو تقرير مصير أبناء الجنوب، لايعدو عن كونه استباق للأحداث ، فذلك الطرح يتناقض مع مفهوم الحوار الذي يقوم أساساً على المناقشة بين الأطراف المتحاورة بجدية وصدق، مع عدم مصادرة آراء الأخرين وصولاً بالتالي إلى حل وسط يرضي الجميع وعلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار،خصوصاً وأن معزوفة تقرير المصير التي صدّعوا رؤوسنا بها، سيتحدد على ضوئها مستقبل البلاد برمتها. كلنا أمل أن ينجح إخوتنا أبناء المحافظات الجنوبية في الإعداد لمؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي والذي لم يتم الإتفاق على تحديد موعده حتى الآن للمرة الثالثة، والخروج منه برؤية واضحة تجاه كل القضايا العالقة وفي مقدمتها الحوار الشامل، وهو ما لن يتأتى إلا بخلعهم عباءة التبعية للقوى الخارجية في المقام الأول، وتخلصهم من سيطرة أصحاب المشاريع الصغيرة ، خصوصاً وأن القيادة السياسية عازمة على تذليل كافة الصعاب ، وسد كل الثغرات أمام كل من يحاول الإصطياد في الماء العكر، وما تضمنته النقاط ال20 من متطلبات لازمة لإنجاح الحوار تم رفعها من قبل اللجنة الفنية التحضيرية لمؤتمر الحوار للرئيس وموافقته الفورية عليها ،إلا تأكيدا على قناعة الوطنيين بضرورة قلب صفحة الماضي والسير في إتجاه التغيير الجذري ، مالم فإن النتائج ستكون كارثية على الجميع بلا استثناء ،وستفضي لامحالة إلى تشرذم جنوب الوطن قبل غيره إلى دويلات وكيانات صغيرة.