( بركة بول النبي ورضاعة الكبير )
بقلم/ بكر احمد
نشر منذ: 15 سنة و 8 أشهر
الأربعاء 06 يونيو-حزيران 2007 12:06 م

مأرب برس – خاص

أثارت فتوى أحد الأزهريين بجواز رضاعة الكبير جدلا واسعا بين الأوساط المنشغلة بمثل هذه المواضيع والتي تعني أنه بإمكان امرأة موظفة رضاعة زميلها في العمل حتى تستطيع أن تتعامل معه دون مانع شرعي ويصير حديثها معه متلائم مع تعاليم الدين الإسلامي ولم يخبرنا المفتي عن طريقة الإرضاع وهل تتم مباشرة من الفم إلى النهد أم تقوم زميلته بعصر الحليب له بكأس وتعطيه إياه ، وهو هنا وبهذه الفتوى يعتقد أنه وجد حلا لمخالفة شرعية بسبب اختلاط الرجال بالنساء في أثناء عملهم ولم يخبرنا ما هو الحل إذا كانت المرأة غير مرضعة ! مما جعل الإشكالية التي تعشش في ذهنه حول الاختلاط قائمة، ثم ظهرت فتوى أخرى بجوارها لتزيد المشهد إثارة و تتحدث عن أنه يجوز التبرك بشرب بول النبي.

وبغض النظر عن هذا ألحكي المفرط ببدائيته يتجلى لنا كيف تفكر هذه العقول وما هي اهتماماتها الرئيسية ، فعقل يفتي بجواز التبرك بشرب البول ، هو فعلا عقل لا يمت للوقت الحاضر بأية صلة وهو منفصل عن واقعه وزمانه ويعيش بزمان قد ولى ولن يعود إطلاقا ، لأنه وأن افترضنا بأن بول النبي بركة _ لأنه هنالك طوائف دينية تؤمن ببركة بول أئمتهم المعصومين _ فمن أين لنا أن نأتي بهذا البول لنتبرك به وعليه ما جدوى هذه الفتوى في هذا العصر ؟!، وهذا ينطبق تماما مع فتوى رضاعة الكبير والذي يعتقد صاحبها بأنه هنالك من سيهتم بما يقوله ويطبق فتاويه ، لأنه وأن وجدت هذه الفتوى قبولا لدى الناس لربما ترك الرجال أعمالهم وبدا لنا كل شخص يرقد في حضن زميلته ينتظر دوره في الرضاعة أو الحليب المخصص له ، إنها صورة مزعجة بمجرد التفكير بتطبيق آلياتها ومقززة حد الحيوانية في التصريح بها ناهيك عن تطبيقها .

هل من باب الصدفة أن تظهر مثل هذه الفتاوى متزامنة مع ظهور القنوات الفضائية التي تتحدث علانية وأمام الملايين من البشر عن استحضار الجن والسحر والحسد وكتابة الطلاسم والأحجية أم إنها إفراز طبيعي لعقلية سائدة ومهيمنة على المنطقة بشكل عام.

كل هذا يحدث بعد مرور أربعون عاما من الهزيمة التي حدثت في عام 1967م والتي وأن كانت هزيمة عسكرية تم _ نوعا ما _ إعادة الاعتبار لها في حرب أكتوبر عام 1973م إلا أن الهزيمة الثقافية كانت أقوى بكثير من محاولة ترميمها والتي شهدت حالة انحدار شديدة أوصلتنا لهذه المستوى التعيس الذي نعيشه الآن ، كما أنه ومن طبيعة هذه الإفرازات المتقيحة أن يهيمن على الساحة التيار الديني الذي يجد له ملاذا ملائما بين الخرافة والميتافيزيقا وتكريس هيمنة الغير مرئي والمحسوس لصالح نفوذه المتنامي والذي يتمنى أن يعيد أمجادا قديمة بذات العقلية التي تحاكي التبرك بالبول ورضاعة الكبير وإيجاد منافذ لإشكاليات شرعية بطريقة فضائحية تسيء للدين أكثر مما تجد له حلولا .

من الواضح جدا أن هزيمتنا داخلية وهي من أنتجت الهزيمة الشاملة على مختلف الأصعدة ، ومن غير المختلف عليه أن هزيمة 1967م هي هزيمة لخطاب حداثي تقدمي لصالح خطاب إسلاموي جامد وجد مظلة سياسية من نظام كامب ديفيد في مصر وجعله يتنفس الصعداء ويشن حملة ضاربة لم تتوقف حتى الآن على كل عصري ومدني يحاول أن يجد له موطأ قدم في المنطقة العربية ، وفي ظل أسوء الظروف التي تمر بها الأمة العربية في العراق وفلسطين والسودان ، يتفوق الفكر الديني على نفسه ويخرج لنا بتقليعات الفتاوى المثيرة للسخرية والبكاء في آن واحد .

الأرض العربية لا تقبل إلا مشروعين يمكن أن يكتب لهما النجاح ألا وهما المشروع القومي بكل ما يحتويه من ثورة و حداثة وعلمانية ومدنية وفي حال غياب هذا المشروع يظهر وكردة فعل طبيعية و انتقامية الخطاب الديني كتعويض عن الفراغ الموجود بأي شكل من الأشكال ، ودون هذان الاتجاهان الذان يبدوان لنا في معظم الأحيان أنهما متقاطعان لا يمكن لأي خطاب ثالث أن يتنفس بينهم لأنه وبكل سهولة لا يمت بصلة إلى هذه التراب العربية وإلى تاريخها ولغتها وثقافتها والتي هي في الغالب لا تطل برأسها إلا مع مشروع عسكري قادم من الخارج ثم تتوارى معه في حال هزيمته ، أن هذه الحلقة هي تجارب تاريخية لا علاقة لها من بعيد أو قريب بنظرية المؤامرة .

كل العرب وبالأجيال المتتالية لم ينسوا نكسة حزيران بينما لا يشكل لهم حرب أكتوبر أي أثر في ذاكراتهم ، وذلك لأن الهزيمة كانت أصدق بكثير من النصر ، ولأن الهزيمة كانت تحمل حلما وأجهض بينما النصر كان يحمل إجهاض الحلم بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى وكانت بداية لمسار آخر متناقض وعدائي وأناني أدخل العرب في زوبعة حتى الآن لم نخرج منها ، لأنه ورغم قساوة الهزيمة إلا أنها أعادت بناء ذاتها من جديد وخاضت حرب استنزاف شريفة وعملت بكل صدق لمعركة جديدة ضمن حرب طويلة مع الكيان الصهيوني الممسوخ ، ومن يقف على قدميه من جديد لا نستطيع أن نقول عنه أن أنهزم بشكل مطلق ،وأيضا وأنه ورغم توهج النصر في أكتوبر إلا أنه أدى وعكس لكل انتصارات العالم إلى حالة من الاستسلام والتراخي ، وهذا ليس تبسيط لفاجعة ألمت بنا ومازلنا نبكيها حتى الآن بقدر ما هو اعتراف بأن المشروع القومي العربي من أكثر المشاريع صلابة وتصميما على استعادة أراضيه مهما حدثت له من ظروف أو انتكاسات.

بعد أربعين عاما هل أنكسر المشروع القومي العربي ، في نظري أن هذا الخطاب والمشروع القومي هو باقي ما بقيت هذه الأمة تتنفس والأجيال العربية المؤمنة بعروبتها هي في كل مكان مهما بلغت الهوة بينها وبين الأنظمة المتراخية عن دورها التاريخي وأشعر أنه هنالك شيء سيظهر عما قريب من رحم هذا الانكسار المرير وهو في الغالب أسميه ( الأمل ) فأربعون عاما في تاريخ الأمم ليست بشيء حتى وأن سطا على عقولنا دجالين القنوات الفضائية ومهرجي الفتاوى الدينية .

benziyazan@hotmail.com