البغي الفتحاوي وقفات للمراجعة والتصحيح
بقلم/ د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: 14 سنة و شهر و 10 أيام
الأربعاء 13 يونيو-حزيران 2007 03:02 م

مأرب برس ـ خاص

بدا جلياً وواضحاً الدور الذي تؤديه بعض القوى الاستئصالية في حركة فتح ، بعد أن عجزت عن مواجهة حماس على كافة المسارات ، شعبيا وجماهيريا وبرامجيا وتنظيميا وإداريا وفكريا وثقافياً ، لقد التف الشعب الفلسطيني حول حركة "حماس" حين رآها تقدم الدماء والمهج والأرواح لأجل دينها ومقدساتها وشعبها وكرامته ، ورفضها للاستسلام ، والخنوع للهيمنة الصهيوأمركية ، ورآها وهي تقدم خدماتها المتنوعة وفي كافة المجالات ، في الوقت الذي عايش الشعب الفلسطيني قيادات كبرى فتحاوية وهي تقتات على دماء الشعب الفلسطيني وتهبر الهبات والتبرعات التي كانت ترسل إليه ، فحوّلتها هذه القيادات الفتحاوية إلى قصور فارهة وفلل فخمة ، وأرصدة في البنوك بأسمائهم أو بأسماء ذويهم وأقاربهم ، ثم رآها الشعب الفلسطيني بدلا من أن توجه البندقية إلى المحتل ، إذا بها تسحق الشعب الفلسطيني وتغتال رجالاته وقياداته المجاهدة .

لقد كشفت حركة حماس عوار هذا التيار المصلحي الانتهازي والاستئصالي في حركة فتح ، ولذا ليس غريباً أن يقف منها هذا الموقف ، وأن يتلقى الأموال والأسلحة حتى من إسرائيل ، لأجل عرقلة مسيرة حماس ، وإرباكها ، ولتفويت الفرص عليها ، في التقدم والتطوير ، في نصرة شعبها ، ومواجهة عدو الله وعدوها .

لقد بدا واضحاً جداً أن مهمة هذا التيار الانقلابي الاستئصالي في فتح هو إسقاط حركة حماس ، عن طريق أعمال الفوضى والشغب والفلتان الأمني ، وإن الشارع العربي والإسلامي ليتساءل: لأجل من هذا ؟؟ وهل فعلاً لو سقطت حماس هل سوف تسلّم إسرائيل بالحق الفلسطيني ، وهل سوف يتحقق الأمن الفلسطيني ، وهل سيفك الحصار ؟؟.

لقد أجاب: عنان كريستال، المسئول الإسرائيلي البارز حيث قال: إن "إسرائيل" معنية بإسقاط حكومة حماس دون أن تبدي إسرائيل أي مرونة في موقفها السياسي، وقال أيضاً : "لو قام العرب وأبو مازن بتقديم رؤوس حركة حماس على طبق من فضة ل "إسرائيل"، فإن أولمرت لن يُقدم على أي خطوة في مجال تسوية القضية الفلسطينية".

إن الذي جعل الانقلابيين في حركة فتح يُقدمون على جرائمهم في حق شعبهم وحكومته الحماسية ، هو ذلك الدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه لها بعض الأنظمة العربية العبرية من التمويل بالسلاح والمال ، والإعلام ، بل والتدريب والتجهيز ، لإسقاط حكومة حماس ، ويكفي أن يشهد على هذا الأعداء قبل الأصدقاء ، فقد ذكرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني في تصريحات نقلتها الإذاعة العبرية في (18/5) ، قالت فيها إن جميع الرسائل التي تتلقاها "إسرائيل" من الحكومات العربية تؤكد أن الزعماء العرب معنيون أكثر من "إسرائيل" بغياب حركة حماس بأسرع ما يمكن عن دائرة الفعل السياسي الفلسطيني!! .

إن القتال الذي تخوضه بعض تيارات "فتح" إذن هو لأجل إسرائيل وأمنها ، ولأجل تحقيق الأحلام الاستبدادية في قمع الشعوب العربية عموماً ، والقضاء على مشاريعها في الحرية والأمن والاستقرار والديمقراطية ، وقد تأكد هذا من خلال الاتصالات المتبادلة مع الكيان الصهيوني والاتفاقيات المشهورة والوثائق المعلنة ، والتي من أبرزها خطة "دايتون" الثلاثية المشتركة صهيو/أمريكي مع جناح عباس دحلان.. ترجمها هذا التيار الاستئصالي في فتح إلى انتهاكات للأعراض ، واعتداء على النساء ، وخطف للصحفيين ، وقتل بسبب اللحية والمظهر الإسلامي ، وإلى ممارسة لأبشع أنواع التعذيب ، وإلى وتبادل للمعلومات الاستخباراتية مع دويلة الكيان الصهيوني عن أسرار المقاومة ، وقادتها ، إلى غير ذلك من الدلائل الدالة على أن فتح إنما تبغي الفساد والقتل والتخريب والانقلاب ، والقضاء على شعبها ومشروعه في التحرر والمقاومة .

ومن هنا يجمل بنا أن نصحح في هذا الإطار بعض القضايا والمفاهيم لدى البعض ، ومنها:

 أولاً: أن هذا العدوان ومقاومة أعمال التخريب والإفساد الفتحاوي ، يعد واجباً شرعياً ، ويعد جزءاً من مقاومة المشروع الصهيوأمريكي ، الواجب شرعاً الوقوف أمامه ، حماية للقضية الفلسطينية ، ومسارها ، وحماية لأمن الشعب الفلسطيني ، ودفاعاً عن الإرادة الفلسطينية واختيار الشعب الفلسطيني الحر الكريم ، يؤيد ذلك قوله تعالى:

{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ }الشورى39 .

 وقوله تعالى : {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }الحجرات9 .

 وقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (من قتل دون ماله فهو شهيد) .

 وبوب الإمام مسلم في صحيحه فقال: "باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه وإن قُتل كان في النار وأن من قتل دون ماله فهو شهيد" ، وذكر رحمه الله حديث: (من قتل دون ماله فهو شهيد) .

إلى غير ذلك من النصوص الشرعية المتواترة والواضحة في وجوب رد البغي والظلم والانتصار للحق .

وهذا ما أفتى به العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في شرحه لحديث (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) حيث أوضح حفظه الله أن ذلك القاتل والمقتول في النار إذا لم يكن متأولا ، أما إن كان لرد البغي والعدوان فليس يدخل في عموم هذا الحديث ، كما هو الواقع الآن في فلسطين ، كما أن عموم هذا الحديث وردت له مخصصات كثيرة ذكرها حفظه الله تعالى ، وكان موقع مأرب برس قد قام مشكوراً بنشر هذه الفتوى .

وهذه الفتوى هي التي يفتي بها العلماء قديماً وحديثاً ، وأطبقت عليها أقوالهم ، ويبقى مدى تيقن هذا البغي ، ومدى تعين القتال لرده ، كوسيلة لا بديل عنها ، وإلى الآن كل الأحداث تؤكد أن البغي واقع من جهة حركة فتح ، واستعصامها بالعدو الإسرائيلي على شعبها وإرادته الحرة .

ثانياً: يجب على علماء الأمة ومفكريها التدخل في هذه الأزمة والمحنة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ، وإن كان العلماء خارج فلسطين بعيدون عن مسرح الأحداث ، ويصعب عليهم الحكم من خارج فلسطين لطرف على آخر ، لكن يبقى الواجب الشرعي والوطني متعيناً وقائماً على علماء فلسطين بالدرجة الأولى ، في تبصير الرأي العام الفلسطيني بمواطن الخلل في بنيته السياسية والإدارية والفكرية ، ومن وراء الشعب الفلسطيني الأمة الإسلامية بعلمائها ونخبها الفكرية والسياسية .

إن الواجب في خضم هذه الأحداث الأليمة أن يخرج علماء فلسطين عن صمتهم ، وأن يبينوا الحق الذي أمرهم الله ببيانه ، ولا يكتمونه .

 قال تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} آل عمران187 .

صحيح أنه ليس للعلماء في فلسطين ولا في غيرها قوة رادعة للأطراف المتصارعة ، لكن بيدهم قوة البيان والإيضاح وتبصير الرأي العام ، وهم المعنيون بالدرجة الأولى ، أكثر من غيرهم بذلك ، لقربهم من الحدث ، ووقائعه ، وهم محل احترام وقبول من الشعب الفلسطيني كله ، بكافة فئاته وتياراته .

ثالثا: ليس الحل أبداً هو انسحاب حركة حماس من السلطة ، لأن في انسحابها تجريئ وتقنين لممارسة الانتقام السياسي والتصفيات الجسدية ضدها وضد كوادرها ، وإذا كانت حماس تتعرض لما تتعرض له من الاختطافات والاغتيالات ، وأعمال القتل والتعذيب الوحشي ، وهي في السلطة ، والحكومة حكومتها ، فما بالك بخروجها من السلطة! .

إن ما يمكن أن يقع هو أنهار من الدماء لكن بشكل مقنن ، وبالتالي فالصواب والحكمة تقتضي أن يظل الحماسيون في السلطة مع نضالهم في الدفاع عن أنفسهم ، وعن منجزات ومكتسبات الشعب الفلسطيني ، وإن الله مع الصابرين .

رابعا: يجب على الإخوة في فتح وحماس تسليم القتلة لأجهزة العدالة والضبط الفلسطينية الممثلة في وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية ، حيث هي الجهة القانونية المعنية والمختصة ، ومن ثم إلى المحاكم للبت فيها ، وإقامة أحكام الله في المجرمين والقتلة .

خامساً: على الفتحاوين البراءة من كل أعمال العنف والاغتيالات كجهة تنظيمية ، ولا يتأتى هذا إلا بالبراءة الأصلية من محمد دحلان ، وجهازه "الأمن الوقائي" ، الذي يُعمل القتل والاغتيالات باسم حركة فتح ، وما لم تفعل فتح ذلك فهي شريكة لمحمد دحلان في هذه الجرائم ، حتى تتبرأ من محمد دحلان ومن معه .

سادساً: أن القضية الفلسطينية لا تحتمل مزيداً من القتل والدماء وإزهاق الأرواح ، وتبديد الإمكانيات ، والواجب هو أن تتدخل الجامعة العربية كمنظمة معنية بالشأن العربي وحل مشكلاته ، ولعل من الغريب هو عجزها حتى الآن عن مجرد الحضور الشكلي في القضية ، ومحاولة فض النزاع بين الطرفين ، وكأنها تبارك هذا النزاع وترعاه ، وكان المفترض أن تكون الجامعة العربية الأكثر حضوراً ، لكن كعادة الجامعة العربية هي آخر من يعلم ، ولا تتحرك إلا بعد بعض الإجراءات المتعلقة بالبيت الأبيض .

سابعاً: على حركة حماس – كحركة إسلامية - الدعوة إلى طاعة الله ورسوله ، وذكر الله تعالى والاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله ، والدعوة إلى الصيام والقيام والدعاء سواءا في فلسطين أو خارجها ، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33 .

وإن شر العذاب وأشنعه هو هذا العذاب الذي يعيشه الشعب الفلسطيني من أعدائه وأبنائه .

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ،،، والله تعالى من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل ،،،

Moafa12@hotmail.com