في النعش الحضاري ... يدقّون
بقلم/ أ.د/محمد بن حمود الطريقي
نشر منذ: 13 سنة و 3 أسابيع و 4 أيام
الثلاثاء 10 يوليو-تموز 2007 08:33 ص

حاولت الاعتذار عن الكتابة لكني لم أستطع أتخاذ موقف المتفرج بعدما مرني أحدهم في مكتبي بالرياض شاكياً لي سوء حاله وحالة القلق الأسري التي هي أولى حالات القلق الوطني بعدما لم يجد مركز إيواء مناسب لأبنته المعوقة في ظل اقتصار دور الرعاية الإنسانية في أغلب مناطقنا العربية على فكرة الإيواء المفرغ من التأهيل ، بل وغياب حق الإيواء أصلاً على قوائم الانتظار التي لم ولن تنتهي.

هذا من ناحية ... بل وأخذ يسرد لي من نواحٍ أخرى ما يعصف به كأنموذج للمواطن مابين معاناته من داء السكري ، ومعاناة والدته من الإعاقة البصرية بانتظار أمر العلاج ... وبين ابنه الذي حصل الامتياز في الثانوية العامة لكنه قد لا يحصل قبولاً في جامعة ، وبين ابنته التي تخرجت بتقدير امتياز من الجامعة مع مرتبة الشرف ولا زالت تنتظر فرج الوظيفة وبين صاحب منزل عبوس مقلق بمطالبته بسداد قيمة إيجاره النصف سنوي ، وبين دفعات تتثاقل في قيمة أقساط المركبة التي يمتلكها ، وأخيراً رحلته مع سوق الأسهم التي تمر كالعاصفة الهوجاء التي لا تحمل إلا رياح الخسارة ومؤشرات النزول ... وزاد الحديث شجن بألم ونحن نتبادل أطراف الحديث ليخبرني بأنه على وشك السفر لقضاء إجازة يسميها هو " إجازة هروب" ... والهروب من كل منغصات النفس حتى فاجأني عن نيته تقديم نفسه لمشروع زواج " المسفار" الذي أطلت علينا إحدى الصحف اليومية بنبأه ... وليتها ما أطلت !!.

في ظل هذه التداعيات أخذتني لحظة فكر وتأمل في قضية ابنته المعوقة إلى الوضع العربي الإنساني الراهن المبتلى بالمشرعين والمنظرين والفاقد للمنفذين والمرتبط بطريقة سلطوية بمقتضيات السياسة ، فحق المعوق في العيش الكريم سياسة ، وحقه في العـلاج والتأهـيل سياسة ، حتى حقه فـي الحماية أضـحى سياسة !!.

وقادني وضع ابنه الذي جد فما وجد ، إلى مستقبل الأجيال القادمة ، المهزومة بأثر رجعي مصدره تركيب اجتماعي معقد ، حاقدة على حاضرها ، وغير آبهة بماضيها، وخائفة ـ بالمعنى الحقيقي للخوف ـ من مستقبلها ... لنسأل في مثل هذه الحالة : إذا لم يحتضن الذراع النظامي هذه الأجيال في صورة الأمن المستقبلي لها ، فأي ذراع ترى سيحتضنها وبأي صورة ؟!.

كما قادني التفكير الذي يجر عليّ عادة الكثير من اللائمة إلى ابنته التي رغم تفوقها ، حكم عليها بأن تكون مع قوائم الانتظار، وكأن لا قيمة للإبداع ، ولا حساب للتميز ،،، وبعد هذا وذاك نسأل : لما نخسر كل يوم خطوة إلى الأمام ؟

أما " المسفار" أيها الصديق في المعاناة ، فهو محاولة فاشلة جديدة للهروب من معادلات الحياة المتزنة التي تكسرت أعمدتها على اجتهادات وفتاوى بين " مسيار " و " زواج مسافر" و" زواج فريند" ولنعترف أنه " مسمار" لا " مسفار" أو " مسيار " وأن غياب حرف الميم غياب مقصود لدواعٍِ لاعلاقة له باحتياجات الرجل الجنسية ولا احتياجات المرأة الإجرائية ، وأن في هذا مزيد من النخر في مفتاح البيت الأسري " المرأة " التي تفقد كل يوم وطنها " الزوج " في غياهب الوهم بأن نوعاً ما بين الزواج سيحصد الكثير من المكاسب باتجاه محاسن العلاقة الأسرية وسيقضي على الكثير من مساوئها دون الالتفات إلى الأبعاد الشرعية والحقوقية والعاطفية .

" الدنيا متاع ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة .. هذا هو الهدي النبوي الشريف في معادلة مهمة جداً من معادلات الحياة.. ولنعترف للمرأة أن تكون لزوجها ما أرادها هو أن تكون له ، ولا ذنب لها إن عميت عيونه فاختارها يوم الرقص لا يوم الحصاد !!

معادلة التعليم لن ترتبط برؤية اجتهاد ، لأن علاقة الارتباط علاقة سامية تتم بأمان الله ، وبكلمة الله... " فاتقو الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " صدق رسول الله .

وبعدها هذا وكل ذاك ، أما يكفينا دق المسامير في نعش أخلاقياتنا ومبادئنا ونظمنا الأسرية ، بل وفي نعش كرامة المرأة أنّي كانت .. " لا يفرك مؤمن مؤمنه ، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر وهذا هدي آخر .

رحل هذا الضيف ... وتركني وحيداً أفكر في أصل أزمتنا ... هل هي سياسية ؟ أم اجتماعية ؟ أم حضارية ؟ ... ويبدو لي أنها أزمة عصّية على التحديد ... وبكل تأكيد هي أزمة لا إرتباط لها بأي شكل من الأشكال من النوحي العقدية أو النفطية ! ولا خير فينا إذا لم نعترف بها لنأمن شرورها في مستقبل يخبئ أكثر من الواقع المعاش .

* الباحث الرئيسي المشرف العام على مركز أبحاث الشرق الأوسط للتنمية الإنسانية وحقوق الإنسان.