خواطر يمنية
بقلم/ د. محمد جميح
نشر منذ: 9 أشهر و 22 يوماً
الجمعة 23 فبراير-شباط 2018 03:13 م
 

أسس السبئيون دولة قوية في جنوب بلاد العرب التي أطلق عليها اسم «اليمن». أقاموا علاقات تجارية مع شمال الجزيرة، ووصلت تجارتهم إلى الشام وجزر اليونان، وامتد ملكهم قروناً طويلة.
ويحدثنا التاريخ أن السد العظيم الذي أقاموه في مأرب تهدم، فتفرق شمل القوم، وضربوا في البلاد يبحثون عن أوطان أخرى. والحقيقة أن تهدم السد كان لأنهم في عصورهم المتأخرة أهملوا أعمال الصيانة الخاصة به، الأمر الذي أدى إلى تهاويه تحت ضربات «سيل العرم» المقبل من أعالي الجبال.
واليوم يمر اليمنيون بمرحلة أشبه ما تكون بتهدم سدهم القديم، حيث أتت عليهم السيول، وتناوشتهم العواصف والأحقاد. اليوم يتقوقع أبناء هذه «البلدة الطيبة»، على هوياتهم الجهوية والمذهبية والقبلية الضيقة، ويصنعون لأنفسهم مظلات صغيرة وسط غضب العواصف والأمطار، في وقت يمزقون فيه هويتهم الوطنية والدينية الجامعة. لا شك في أن الإنسان بطبعه يحتاج إلى غطاء، إلى حماية، إلى شعور بالانتماء. فإذا غاب الانتماء الكبير، لجأ الناس إلى انتماءات صغيرة جهوية وعصبوي،ة يعبرون بها عن حاجتهم للحماية قبلياً وطائفياً وجهوياً.
هذا- بالضبط – ما حدث في اليمن، حين اُختصر الولاء للشعب في الولاء للشخص والحزب والقبيلة، والولاء للوطن في الولاء للجهة الجغرافية، واختصر الدين بمحتواه الروحي الواسع في المذهب بحدوده البشرية الضيقة. وبما أن الولاء الوطني انهار، وحلت محله الولاءات الضيقة، فقد انقسم اليمنيون إلى شماليين وجنوبيين، وجبالية وسواحليين، وزيود وشوافع، وهاشميين وقحطانين، وحاشد وبكيل ومذحج، الأمر الذي أورثهم كماً هائلاً من الصراع السياسي والعسكري والإعلامي، مع موجة من الكراهية المصحوبة بلغة بشعة لا يقل أثرها التمزيقي عن آثار السلاح، إمعاناً في هذا الجسد الذي تفتك به صراعات وأمراض متعددة.
واليوم، يبدو الجسد اليمني مثخناً بالكثير من الجراح ونقص المناعة، لكثرة ما تناوشته من جراحات سياسية وعسكرية، إلى درجة يخيل للمرء معها أننا بحاجة إلى معجزة لاستعادة الجسد عافيته ونضارته. إن جسد المجتمع كجسد الإنسان يمرض ويشيخ، لكن الفارق بين الجسدين أن الأول لا يموت، في حين يوضع الثاني في التراب، تأكله ديدان الأرض. وبما أننا إزاء حالة رفض لعوامل فناء المجتمع، فإن الأمل بعودة الروح، أو عودة الوعي لا يزال يحدو الناس، في وقت يُطالَب فيه اليمنيون بالوقوف لحظة لتأمل ماذا جنت عليهم مكايداتهم السياسية، وخلافاتهم الحزبية، وانكفاءاتهم العصبوية.
ومن الخلاصات التي يمكن لليمنيين أن يخرجوا بها من تجربة السبع العجاف، أن قضية اختصار الوطن في شخص أو حزب مهما عظم هذا الشخص، أو هذا الحزب، إنما هي مغالطة يقوم بها ساسة انتهازيون يقدمون لنا اليمن مختصراً في جبة السياسي الحاكم، أو في قميص السياسي المعارض. إن هذه العملية السوسيو-سيكولوجية مورست من قبل أحزاب السلطة والمعارضة على حد سواء، وهذه العملية تشبه حد التطابق قضية اختصار الدين في المذهب أو الحزب السياسي الديني، أو اختصار الإسلام في خطيب الجمعة. كل ذلك يعني إضفاء القداسة الدينية على بشر يخطئ ويصيب، كما أنه يطبع الإلهي المقدس بطابع البشري غير المقدس، ويلقي على الدين بجريرة سلوكيات المتدينين، ويحمل الإسلام مسؤولية أفعالهم التي محلها الصواب والخطأ، وهو الأمر الذي أدى خلال السنوات الماضية إلى اهتزاز إيمان البعض بتلك المقدسات، لا بسببٍ من عمليات عقلية تأملية أفضت إلى اكتشاف خطأ المقدسات، ولكن بسببٍ من عمليات انفعالية عاطفية، تمثل ردة فعل عنيفة على انهيار أحلام معينة كان بعض المتدينين يروجون لها، وربط البعض بين انهيارها، وبين المقدسات، الأمر الذي أدى إلى ضرب من تجاوز الهجوم على المتدينين إلى مهاجمة الدين ذاته.
وأياً ما تكن نتائج أحداث 2011 في اليمن، وأياً ما يكن الموقف من هذه الأحداث، فإن ما هو مهم ومفيد لليمنيين اليوم هو أن يعلموا أن ما بعده ليس كما قبله، وأن شكل النظام السياسي والمنظومة الاقتصادية، وقواعد اللعب بشكل عام قد تغيرت إلى حد كبير. يجب اليوم النظر إلى مقاربات مختلفة لطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والنظام والمعارضة، وشكل الدولة وعلاقة المركز بالأطراف، وعلاقة السلطة بالثروة، والعلاقة التي تربط السلطات الثلاث، والكيفيات التي بموجبها يتم توزيع السلطات حتى لا تتراكم في يد جهة تنفيذية أو تشريعية أو قضائية محددة.
ما حدث في البلاد خلال السنوات الماضية هو ردة فعل طبيعية لاختلال ميزان العدالة والفساد الذي مورس خلال العقود الماضية، وهذه نقطة مهمة يجب الاعتراف بها، لكي نتجاوز تداعيات عام 2011. وعندما نتحدث عن اختلال ميزان العدالة وعن الفساد، فإننا بالطبع نتحدث عن جملة المنظومة السياسية، والنخب الثقافية والاجتماعية، بمفهوم أوسع يتجاوز اتهام النظام السابق فقط وتبرئة ما عداه، وإن كان هذا النظام يتحمل القدر الأكبر من المسؤولية في هذا الصدد.
من المفيد لليمنيين أن ينتقلوا من حالة الانقسام السياسي إلى حالة التعددية السياسية، ومن حالة الوحدة الجبرية، إلى حالة تكون الوحدة فيها خياراً شعبياً مناسباً لكل اليمنيين، وهذا يعني تطبيق ضوابط عادلة في تقاسم السلطة والثروة في البلاد، وإقرار ذلك في الدستور والقوانين، واليقين بأن أي عملية انقلاب على الشرعية الدستورية سيكون مصيرها الفشل، وأن طريق السلطة الوحيد هو صندوق الانتخابات. ومن المفيد خلال هذه الفترة كبح جماح النعرات العنصرية التي فجرتها المليشيات التي قضت على كيان الدولة، والعودة إلى ثقافة المجتمع بدلاً من ثقافة القبيلة والطائفة والمنطقة والمكون السياسي والاجتماعي.
العنصرية التي باتت تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي بين أبناء البلد الواحد ينبغي أن يقوم لها خطاب مضاد، يعمل على ترشيد الخطاب الإعلامي، ووقف الضخ المناطقي والمذهبي، ونبذ كافة أشكال التعصب، ودعوات الكراهية وإثارة النعرات. إن مشكلة العنصرية أنها عندما يمارسها فريق ضد آخر، فإن الفريق الذي مارسها لا يلبث أن يمارسها مرة أخرى ضد منتسبيه، من دون أن تقف سكين التشظيات حتى تأتي على النسيج كله.
أخيراً: يلزم اليمنيين- اليوم- قليلٌ من الهدوء، لأنهم مع كل ذلك الضجيج الذي يُمارَس لن يصغوا إلى صوت العقل والحق والخير الكامن بعيداً في أقاصي النفوس الثائرة. وعندما يهدأ اليمنيون فإنهم بلا شك سيكتشفون كم كان صراخهم عالياً، وكم كانت مأساتهم كبيرة، وكم جنوا على أنفسهم، وعلى وطنهم. ومن هنا يكون تصحيح المسار، وبداية الوعي.