مواجهة المشروع الإيراني.. حق يراد به باطل
بقلم/ إحسان الفقيه
نشر منذ: 3 أشهر و 22 يوماً
الثلاثاء 24 يوليو-تموز 2018 08:16 م
 

يقول الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه «النظرات»: «الأمم لا تسعد بمعرفة الخير والشر، فالخير والشر معروفان حتى لأمة النمل، وإنما سعادتها في معرفة خير الخيرين وشر الشرّين».

صدق المنفلوطي رحمه الله. فمِما أجمع عليه العقلاء أن الخير ليس درجةً واحدة، وأن الشر ليس درَكَةً واحدة، فوجب على كل الأفراد والكيانات والشعوب والحكومات السير وفق ترتيب الأولويات حتى مع الأعداء.

لكن هذه الحقيقة تُغتال في أمتنا عمدًا، إذ يخضع ترتيب العداوات لدى معظم الحكومات العربية، لمدى تناغم هذا الترتيب مع مصالحها وضمان بقائها، وليس لتصنيف الأخطار والتهديدات التي تحيق بشعوبها وأمتها.

أيهما أشد خطرًا، المشروع الإيراني أم المشروع الأميركي الصهيوني؟ سؤال يطرح نفسه بقوة في تلك الآونة التي تشهد تحولات ظاهرة في خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، وضعتْنا أمام جدل واسع حول إعادة تقييم العلاقات بين دول المنطقة، وإعادة النظر في ترتيب الخصوم وفق مبدأ مراعاة الأولويات.

ابتداءً، ليس هناك مفرٌ من المصارحة، بأن إيران لها مشروعٌ قومي مُحمّل على رأس طائفي لابتلاع دول المنطقة، ولا ينكر هذه الحقيقة إلا مكابر، فالبراهين على ذلك أكثر مما تُحصى، فهي إذن تمثل خطرًا عظيمًا على الأمة، وقد كنت من أكثر أصحاب الأقلام تناولًا لخطر المشروع الإيراني والتحذير منه.

لكننا وبنظرة موضوعية، ندرك بدون عناء أن الوعي بخطر المشروع الإيراني استقر في الوجدان العربي، فمع استمرار جهود التوعية بهذا الخطر، أصبح معلوما لدى معظم الجماهير النظرة الشعوبية الفارسية عند الإيرانيين تجاه العرب، والطائفية الغارقة فيها حتى النخاع، واستهدافها للدول العربية بما فيها السعودية، وأن لها أذرعًا في كثير من الدول العربية كـ"حزب الله" في لبنان و"الحشد الشعبي" في العراق، وجيوب طائفية موالية في كل دولة عربية تقريبا.

كل ذلك أصبح غير خافٍ على الجماهير ذات الثقافة المتواضعة، فنستطيع القول إذن إن الخطر الإيراني أخذ حقه من الكشف والفضح، وإن الاستمرار في حصر الخصومة مع إيران أو وضعها على قائمة العداوات، أصبح يخدم التعمية على أخطار أخرى أشدّ وأعْتى.

ذات يومٍ أسْدَى شيطانٌ لأحد الصحابة نصيحة بقراءة آية الكرسي قبل النوم تكون حرزًا له من الشياطين، فلما أخبر الصحابيُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال له: (صدَقَك وهو كذوب)، فهو كثير الكذب لكنه صدق هذه المرة.

ذكّرني هذا الأثر النبوي بملالي إيران، الذين دأبوا على التدليس والتزييف، كانوا ولا يزالون يرفعون شعار «أميركا هي الشيطان الأكبر»، وقد صدقوا في ذلك لو كان قومنا يعلمون.

أرادت أميركا أن تُنسينا مخططاتها وتحركاتها الغادرة في المنطقة، والتغطية على انتهاكات طفلها اللقيط المدلل (الكيان الإسرائيلي)، بِدَفْعِنا إلى التركيز على مواجهة المشروع الإيراني، واعتباره على رأس قائمة العداوات، وليس ذلك بجديد على السياسات الأميركية التي تُحدّد للعرب عدوهم!

فقد فعلت إبّان الحرب الباردة، عندما جيّشتْ الدول العربية والإسلامية لمواجهة السوفييت في حربهم ضد الأفغان، فأخذت آنذاك، جميع الحكومات العربية الضوء الأخضر في فتح أبواب الجهاد في أفغانستان، وتقديم الدعم اللوجستي للفصائل المقاومة.

بل شكّلت أميركا، أو سمحت على أقل تقدير بتشكيل تنظيم «القاعدة» في تلك الآونة، ومع إقرارنا بمشروعية ووجوب مساندة الشعب الأفغاني في هذا الوقت، إلا أن أميركا استفادت من تحديدها للعرب عدوهم مقابل إلهائهم عن الأطماع الاستعمارية الأميركية.

بعض الحكومات العربية الحليفة لأميركا توافقت مع البيت الأبيض في تصنيف إيران كعدوٍ أول، وجيشت شعوبها وعبّأتْهم لمواجهة المشروع الإيراني، وذلك لسببين:

الأول، التغطية على إرهاب الحليف الأميركي الصهيوني وأطماعه وممارساته القذرة في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال الأميركي في العراق.

والثاني، اكتساب التأييد الشعبي والتغطية على فشلها وقصورها الإداري، حيث لا صوتَ يعلو فوق صوت المعركة مع إيران، فإن كان ثَمّة نقْد لسياسات الأنظمة، انبَرتْ المنابر الإعلامية والأجهزة الأمنية لتُخرس الألسنة المُعارضة بحجة أن ذلك يخدم النفوذ الإيراني.

الذين وضعوا إيران على رأس القائمة بدلا من أميركا والكيان الإسرائيلي، تجاهلوا ولا أقول جهلوا أن المشروع الإيراني في حد ذاته جزءٌ من المخطط الأميركي، وورقة تستخدمها أميركا لابتزاز الدول العربية والسيطرة على قراراتها السياسية.

فتحتَ مظلة حماية الدول الخليجية من الأطماع الإيرانية اتجهت واشنطن في عهد أوباما للتقارب أكثر مع إيران على حساب دول الخليج، ما أربك الحسابات الخليجية وهيّأها لمزيد من التنازلات.

وبالفعل حصد أميركا تلك الثمار في عهد ترامب الذي اقتطع في زيارة خليجية واحدة ما يزيد على 400 مليار هو وابنته، مقابل تصاعد اللهجة العدائية تجاه إيران، وإعادة فتح ملف العقوبات، وأنا على قناعة راسخة بأن أميركا ليست دولة الفرد المطلق، بل حكم مؤسسات، كل ما في الأمر أن لكل مرحلة رجلها مع ثبات الخطوط العريضة للسياسة الخارجية.

ولا يخفى على قارئ مهتم بالعلاقات الأميركية الإيرانية، طبيعة العلاقة بين الطرفين منذ فضيحة «إيران غيت» وما قبلها، مرورًا بالتنسيق والتناوب على احتلال العراق، وانتهاء بالتنسيق والتفاهُم ذاته في القتال بسوريا.

يجدر أن نعيد إلى الأذهان أن إيران بنتْ مفاعلاتها النووية بعلم من الإدارة الأميركية، ولما أرادت السعودية بناء مفاعلات نووية خاصة بها، قال جون كيري وزير الخارجية الأميركي: «أميركا مستعدة لإقامة مظلة أمنية تحمي دول الخليج من النووي الإيراني».

إذا كانت إيران هي العدو الأول وليست أميركا والكيان الإسرائيلي، فلماذا قاتلْنا «داعش» تحت راية أميركا إلى جانب ميلشيات قاسم سليماني والحشد الشعبي (الشيعي) الموالية لإيران وذراعها في العراق؟

وكلماتي هذه ستكون لها قراءتان: قراءة منصفة ترى أنها دعوة لترتيب الخصوم، وأن أميركا وفتاتها المدللة ألد الأعداء، وينبغي أن تكون على رأس قائمة العداوات، مع الحذر من المشروع الإيراني في الوقت ذاته.

وقراءة أخرى تُحمّل كلامي ما لا يحتمل، وتدّعي أن الكاتبة تدعو للتقارب مع إيران بعد أن كانت تفضح وتُندد بمشروعها، وتلك قراءة من يُسارع بالفجر في الخصومة ويلوي أعناق النصوص.

وقد سبقني إلى التعرض لتلك السهام الداعية سفر الحوالي، بعد نشر كتابه الأخير الذي تسبب باعتقاله، «المسلمون والحضارة الغربية».

وقد دعا فيه إلى إعادة تقييم العلاقات مع إيران والاستفادة السياسية من شعاراتها المُعادية لأميركا والكيان الإسرائيلي، وعدم اعتبار إيران العدو الأول بدلا من العدو الصهيوني، مع الحذر من مشروعها في الوقت نفسه، واتُّهم بعدها بمُمالأة إيران، وحسبي أن بيّنْتُ وأوضحتُ.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

- إحسان الفقيه، كاتبة أردنية.