26 سبتمبر والطريق إلى دار البشائر
بقلم/ د.كمال البعداني
نشر منذ: شهرين و 24 يوماً
السبت 21 سبتمبر-أيلول 2019 06:32 م
 

اتخذ الإمام أحمد حميد الدين مدينة تعز مقراً له منذ أن كان ولياً لعهد أبيه.. وظل هناك كذلك حتى بعد أن أصبح ملكاً لليمن 1948م.

كانت تعز في عهده هي الرئة التي تربط شمال الوطن بجنوبه سياسة وتجارة وأدباً وثقافة.. كانت قبلة لرجال السياسة والثقافة والأدب والذي عمل أحمد حميد الدين على استقطابهم من كل أرجاء اليمن الكبير.

استيقظت تعز في مثل هذا اليوم 19 سبتمبر من العام 1962م، على الخبر المتداول منذ فترة والذي يشغل كل الناس هناك وهو مرض الإمام أحمد حميد الدين..

كان الناس قد اعتادوا على سماع هذا الخبر، غير أن هذا اليوم لم يكن كبقية الأيام، فمع اقتراب عقارب الساعة من الثانية عشر منتصف ليلة الخميس عشرين سبتمبر 1962م، أطلق ملك اليمن الإمام أحمد آخر زفرات له في هذه الحياة وأسلم روحه لله الواحد القاهر.

مات أحمد الباهوت.. مات من أخضع اليمن بحد السيف.. مات من أعدم وسجن وشرّد خيرة رجال اليمن.. مات من قضى على ثورة 1948م وأعدم وسجن رجالها، ومن أخمد ثورة 55م في تعز وذبح ثوارها وعلى رأسهم أحمد الثلايا وذبح كذلك أخويه الأميرين عبد الله والعباس.. مات الذي أخمد ثورة القبائل عام 1959م، ونجا من القتل في مستشفى الحديدة 1961م. لم يكل سيفه من رقاب أحرار اليمن ورجالها وبالمقابل لم يكل رجال اليمن من مقارعته.. فكلما أخمد ثورة قاموا بأخرى، إلى أن انهزم الإمام أحمد أمام الذي لا ينتصر أمامه مخلوق. إنه الموت.. مات متأثراً بجراحه من رصاصات اللقية والعلفي التي أطلقت عليه في مستشفى الحديدة..

نقل جثمان الإمام أحمد بطائرة خاصة إلى صنعاء صباح الخميس 20 سبتمبر. وقبل الخروج إلى المطار لاستقبال الجثمان قام البدر بدعوة الحكومة للاجتماع والذي قام فيه الأمير علي ابن الإمام يحيى بنعي الإمام أحمد والدعوة إلى مبايعة ابنه محمد البدر ملكاً وإماما على اليمن، فتم ذلك من الحاضرين جميعاً..

ومن المعلوم أن الذي قام بتغسيل الإمام أحمد هو محمد المروني- شقيق الأستاذ المناضل/ أحمد حسين المروني- والذي ذكر في كتابه (الخروج من النفق المظلم)- أن أخاه قال له: كنت وأنا أقوم بتغسيل الإمام أقول في نفسي معقول هذا الرجل الذي كان يهابه الجميع أصبح جثة بين يدي..؟

وبعد ذلك جرت مراسيم الدفن وأثناء المراسيم وعلى حافة القبر جرى هذا الحوار التاريخي بين القاضي الإرياني ومحمد يحيى الذاري والذي أورده القاضي الإرياني في مذكراته بقوله (وقفنا موقف العبرة وقال لي الذاري: أرأيت ذلك الرجل الرهيب الذي كان يخافه كل ابناء الشعب والذي أطاح بالرؤوس وأخضع القبائل وأهان رؤساء العشائر ها هو بين أيدينا جثة هامدة، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً؟.. فقلت له إنها الدنيا وسنة الحياة، فقال لي كيف شعورك اليوم نحوه..؟ فقلت له إنه شعور المشفق، فقال هل تسمح لنفسك الآن بالمسامحة؟ فقلت نعم ولكن ماذا يجديه أن أسامحه وأنت تعرف ما جرى لهذا الشعب من ويلات على يديه.. وكم أخوه وزملاء ممن قطعت رؤوسهم بحد السيف لمجرد أنهم طالبوا بالإصلاح، إنهم ينتظرونه هناك وفيهم السيد حسين الكبسي ذلك الرجل الذي كان خيراً كله وفيهم وفيهم وفيهم. فدمعت عينا السيد الذاري رحمه الله إشفاقاً)..

في عدن تم استقبال خبر وفاة الإمام أحمد بفرح كبير ..وعدن هي التي كانت القاعدة الرئيسية لمعارضة الحكم الإمامي والتي هرب إليها العديد من رجالات اليمن ومشائخها خوفاً من سيف الإمام وكوّنوا هناك قاعدة قوية لمعارضة سياسة الإمام أحمد، وكان لها وقعها وأثرها مما جعل الإمام يطلب أكثر من مرة من الإنجليز الذين يحتلون جنوب اليمن، التدخل ووقف أصوات ونشاط المعارضة هناك.

يقول الشيخ/ سنان أبو لحوم- والذي كان هارباً هناك- يقول في مذكراته إن صديقه السلطان/ فضل العبدلي- سلطان لحج- قد استدعاه إلى بيته في عدن وأخبره بقرار السلطات البريطانية في المستعمرة (عدن) بضرورة مغادرته للمدينة في أسرع وقت، فهو شخص غير مرغوب به. فخرج الشيخ/ سنان من قصر السلطان وهو في كرب عظيم لا يدري أين يذهب.. وبينما كان ماشياً في الشارع سمع من المذياع بنعي الإمام أحمد، فدمعت عيناه من الفرح وتبدّل حاله من الكرب والغم إلى الفرح والسرور.

كان هذا في عدن، أما في حجة والتي سيق إلى سجونها الآلاف من أحرار اليمن ورجالها طوال أربعين عاماً من بداية حكم الإمام يحيى مروراً بحكم ابنه أحمد حتى قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وسقطت فيها العشرات من الرؤوس بسيف الإمام أحمد، لذلك فخبر موت الإمام أحمد سيكون له في حجة وقع مختلف.. فقد ذكر المناضل/ حسين المقدمي- والذي كان مسجوناً هناك منذ حادثة محاولة اغتيال الإمام أحمد في مستشفى الحديدة في مارس 1961م، وقد كان المقدمي حينها مديراً للمستشفى- ورغم أنه لم يكن له علاقة بتلك المحاولة كما ذكر هو في مذكراته، إلا أنه تم اعتقاله مع بعض أصدقائه وتم ترحيلهم إلى سجن حجة- ذكر في كتابه (ذكريات وحقائق للتاريخ) أنهم- وبعد ما يقرب من سنة ونصف في السجن- كانت قد تكونت صداقة بينهم وبين مدير السجن- الذي كان يسمح بخروجهم للدورة- وفي ذلك اليوم الخميس كانوا قد قرروا الخروج من القلعة للغداء مع مدير السجن ونائبه في قرية الزبير تحت حصن وشحة ثم يقضون وقت المقيل ويعودون قبل المغرب إلى السجن وبينما كانوا في المقيل تحت أشجار القات في فرح وبهجة ويبحثون في راديو صغير عن صوت العرب ولكنهم سمعوا إذاعة صنعاء على غير العادة، حيث لم تكن تبث إلا في المساء لساعات محدودة وكانت تردد استمعوا لبيان هام بعد قليل. بعدها سمع الجميع صوت الأستاذ ( أحمد حسين المروني ) وكان مديراً للإذاعة حينها، يعلن نعي الإمام أحمد- ملك اليمن..

عندها قام الجميع (من المسجونين) بمصافحة بعضهم فغضب مدير السجن ونائبه وأرجعوهم فوراً إلى السجن وهناك كانت فرحة كبيرة من البقية داخل السجن..

ماذا حصل في اليوم الثاني وكيف سارت الأحداث؟ هذا ما سوف نتابعه سوياً يوم غدٍ إن شاء الله في الحلقة الثانية من (26 سبتمبر والطريق إلى دار البشائر)..