مبادرة مسقط ومفتي الحوثيين قبل سقوط صنعاء !!
بقلم/ عبدالفتاح الحكيمي
نشر منذ: 9 أشهر و 16 يوماً
الأربعاء 04 ديسمبر-كانون الأول 2019 05:27 م
 

تقوم فكرة مبادرة (مسقط/ الكويت) المسربة عن بنود التسوية السياسية في اليمن على أساس تثبيت تموضع مراكز القوى العسكرية في مناطق سيطرتها الجغرافية الحالية كما هي .. مع احتمالية ظهور معطيات طارئة و ومفاجآت تعيد النظر كما يفعل الحوثيون حاليا بتكثيف ضغطهم الجوي القاتل بالباليستي والمسيرات على معسكرات ومخازن مراكز قوى الساحل الغربي (طارق عفاش- الإمارات - عمالقة الشرعية), فتزامن ذلك مع الترويج للمبادرة لا يخرج عن فرضية تقوية نقاط ضعف الانقلابيين أو تثبيت ما تحقق لهم.

معضلة المبادرة كما ظهرت إنها تعكس أولا رغبة الأطراف الدولية الكبرى في السلام وليس القوى المتناحرة على الأرض , أو الأطراف الإقليمية المتماهية مع لعبة الحرب ومنافعها .. إيران بوجه خاص.

والثانية والأسوأ كما لو أن تلك البنود صيغت في مطابخ الحوثيين , وتحتمل شيئين أما إنها بالفعل كذلك أو أنه جرى تسريبها من طرف آخر لترفضها قوى تحالف الشرعية(الداخلية).. وكلا الفرضيتين تباعد من توافر حد أدنى من تفاهمات أطراف الفوضى في اليمن.

لعلعها بنقاطها ال 15 مبادرة لوقف إطلاق النار فقط أو تهدئة لا يضمن مع حل دائم لمستقبل الصراع على السلطة في اليمن واستعادة دولة.. إنه تثبيت لحالة الهيمنة المليشاوية كما هي ظاهرة للعيان الآن , وليس تأسيسا لاستعادة شرعية سلطة الشعب من بطون الانقلابيين .. وستستمر الأطراف في متوازيات الامساك بخيار الفعل العسكري بيد والتفاوض والحوار السياسي بقبضة أخرى , لأن الحلول الممكنة الوسطية في أوضاع كهذه لن تتحقق دون قوة رادعة ترغم الطرف الآخر على تعديل سقف مطالبه ومثالبه .. ولن تمنع من التمادي في تصعيدات جني مكاسب تلبي جموح القوى والجماعات المسلحة.

حتى تثبيت وقف إطلاق النار( اذا نجح ) سيحتاج الى قوة مراقبة وفض نزاع أو تدخل دولية وهو ما يرجح إن الحوثيين صاغوا تلك البنود , وتشديدهم أكثر على الغاء تفعيل الفصل السابع وانسحاب قوات التحالف العربي (غير اليمنية) هو استباق مبكر لقطع الطريق أمام أي مسعى دولي لإرسال قوات فض اشتباك أممية..

ويخشى الحوثيون من تطبيق الشق العسكري منه .. وما سرى من هذا الفصل حتى الآن هو شق العقوبات المالية والشخصية بتجميد الارصدة والحسابات المصرفية والمنع من السفر الذي طال الرئيس الراحل صالح ونجله احمد , ومحمد علي الحوثي وأبو علي الحاكم , فيما التدخل العسكري لتحالف السعودية الامارات السودان ومصر وغيرها يندرج ضمن نصوص الفصل السادس الذي يجيز للدول والحكومات المعترف بها الاستعانة العسكرية بمن تراه مع احتفاظها بالسيادة على القرار الوطني وسلطات الدولة , في حدود إنجاز مهمة دحر الانقلاب وحقها في تقرير ما تريد ممن تستعين بهم مؤقتا بخلاف الفصل السابع الذي ينقل معظم صلاحيات وسلطات الدولة(العسكرية) الى مجلس الأمن واعتبار السلطة الوطنية شريكا في التنفيذ .. وتنحصر مطالب ومثالب الحوثيين في التخلص من أي أعباء عسكرية محتملة لهذا الفصل بما فيها التسريع بخروج قوات التحالف العربي , وتحقيق انتصار سياسي بالتخلص من منظومة حكم الشرعية(عبدربه , علي محسن) عبر مجلس رئاسة بديل .. وهي من أطلال مبادرة جون كيري .. ويعللون الاستغناء عن القوات العربية أو الدولية بضمانة كل فصيل بمسمى قوات الجيش أو الأمن القديمة والمنظمين الى قوامها من أطراف النزاع القيام بمهام حفظ الأمن والحدود كل في منطقة سيطرته .. أي شرعنة لأمر واقع وتقسيم تركة الدولة بين المليشيات بما فيها تقاسم الجيش والأمن , الذي لن تتمكن اي حكومة(ائتلاف وطني زائف) من فرض هيبتها عليه بالالتزام لدولة وليس لزعماء ومافيا المليشيات.

* إضعاف الشرعية*

ظهرت قيادة تحالف الشرعية في المشهد قبل(النهائي) من الحرب وهي تدير الصراع أما ضد حلفاء الشرعية أو إضعافها باستنساخ مراكز قوى طارئة موازية او بديلة لها في تعز والمخا والساحل الغربي والحديدة(طارق عفاش , أبو العباس وحلفائه الحزبيين في تعز , وشق ولاء قيادات الوية العمالقةالشرعية) أو بفرض قوى طفيلية فوضوية في الجنوب بأسلحة التحالف ودعمه العسكري.

 فالحرب بنظر تحالف ما يسمى دعم الشرعية لم تنجز أهدافها بل تسببت بورطة أكبر بتهديد أمن الأشقاء في المملكة , كما أن السلام على طريقة تسريبات مبادرة مسقط يدفع إلى التمسك بخيار القوة أكثر من رغبة السلام المستحيل .. فلا توجد ضمانات استقرار أمني ولا استعادة كيان الدولة برئيس أو مجلس رئاسة في ركام الثأرات الطافح والتطلعات الجامحة لمشاريع التسلط والاستبداد العائلي والحزبي وعصبيات المناطق والجهات التي يعج بها الغاب السياسي اليمني..

لا توجد عهود والتزامات بمبادئ ووجوه للمهجوسين بالعنف ولغته .. إلا أن يكون شكل الدولة اليمنية القادمة أقطاعيات ومربعات مملوكة للمتقاتلين , ولو بمسمى (أقاليم) فلا يرغب فصيل أو جهة بأقل من ذلك وأكثر بعد أن وصلت علاقات القوى والمليشيات اليمنية الى مرحلة اللاعود

ة واستحالة التعايش أو التوازن او التوافق .. فكل لديه مشروع دولته الذي يحاكي غرائز شهوات التسلط العائلي( عبدالملك بدر/آل عفاش) أو الحق الحزبي والطائفي والمناطقي لمجموعات اليمن الأسفل(حزب الإصلاح , السلفيون السياسيون , مجلس الانتقالي , اشتراكيون , قوميون ومستقلون).

لابد من مخرج كابح لهيمنة عقلية ومربعات جغرافيا الأمر الواقع.

يتجاوز الصراع بطبيعته الراهنة وقواه المستجدة الاصطفاف التقليدي الذي بدأت به الحرب( شرعية وانقلاب) ..

 مبادرة مسقط الافتراضية لا تلزم المليشيات المختلفة بتسليم السلاح , وزادت في شرعنة حقها في الاحتفاظ به بدمجها في قوام قوات جيش وأمن الدولة!!.

الحوثيون الأكثر حظا في فرض تسلطهم , يبدو تماسك قواهم في صيغة مكونات (أنصار ألله) ظاهريا ومؤقتا .. يؤجلون ويدارون تشظياتهم فقط , فليسوا أفضل حالا من باقي قوى المليشيات الحزبية والطائفية في الطرف الآخر , وأي ركضة مفعمة داخلية كتلك التي في العراق ولبنان لا يحتملون أقل منها ..

ورأينا الايام الماضية الظهور المفاجئ في صنعاء لمفتي ما يسمى ب(الديار اليمنية واباحة زنا الجهاد) شمس الدين محمد شرف الدين صهر عبدالملك الحوثي يدعو إلى (واجب طاعة ولي الأمر) الذي لم يختاره زيدي ولا شافعي ولا مالكي ولا حنبلي ولا أنسي ولا جني , وأجهزة صنعاء البوليسية لم تقصر في حملتها الطاغية لتلفيق اتهامات العمالة والخيانة وقمع الناس وزجهم المعتقلات ظلما مع إعلان أنصار الرئيس صالح الاحتشاد في ذكرى رحيله يوم غد 4 ديسمبر .. ومهدي المشاط رئيس مسمى المجلس السياسي للانقلاب يستعير من مخبئه قرب احدى المقابر لأول مرة صفة(القائد الأعلى للقوات المسلحة) ويتوعد المملكة السعودية بدمار شامل ومزلزل وأسلحة فتاكة , لأنه مع غيره من عصابة الانقلاب يتوقعون مصيرا أسوأ مما ستؤول إليه حالة أقرانهم .

كأن الناس تحت سطوتهم بطروا معيشتهم وأن ما سيحدث اليوم أو غدا او تاليا من هبات ليست انفجارات متراكمة لغضبة وقهر الداخل .. لكن الفجيعة حولت الصهر (المفتي) شمس الدين المحسوب افتراء على(الزيدية) الى سلفي مدخلي أو جامي يتوسل الناس عدم الخروج على ولي الأمر والانخراط فيما أسماه ب(الفوضى).

الركضة من الداخل ستكون ذات جدوى من أهل المذهب الزيدي المفترى عليه نفسه , ومن علمائه الحقيقيين , فلهم صولاتهم وقواعدهم الفنية في تفعيل (صميل الخروج) حتى من داخل غرفة نوم ولي الأمر المزعوم!!.

هذه واحدة من مفاعيل نجاح أي مبادرة تسوية سياسية مع فصيل دموي يتدرع بنحو 15مليون كرهائن لمنع قرار الحسم العسكري والاجتياح.

   *القوى الأخرى *

باقي القوى المسلحة لم تبلغ هي الأخرى مرحلة الانهاك لأن السلام(المأمون) بأي صورة كانت لا يفرضه توازن القوى في الحالة اليمنية بل بغلبة التغلب ,أما توازنات تقاسم السلطة لا تفرضها حوارات عقيمة , وهي مدخل مصائب أسوأ للبلاد لأنها تؤسس الى ما لا نهاية لضرورة مكافأة جيل المخربين والقتلة القادم ..

الاصلاحيون والسلفيون( جناح الشرعية) يختصرون الطريق المسدود مع الانقلابيين بجبهة(نهم) التي لم يسمح لهم بالتسرب منها على مرمى مدفعية متوسطة المدى , ومشكلة اليمن في الشمال والجنوب هي ما بعد نهم وما بعد أحور عدن شبوة فالاحزاب ليست بديلة عن الشعب , لكن تلك طبيعة تصورات جماعات وأحزاب تعتقد بأحقيتها هي الأخرى مثل غيره .. وكلها على ذات النهج , طارق عفاش زاهد بالسلطة ومغرياتها , فقط فرصة أخيرة لأخذ ثأر عمه! , وأبو العباس وهاني بن بريك وتيارهم عبدالرحمن شيخ وأحمد بامعلم رفعوا راية(طاعة ولي الامر) الذين قلبوا له رأس المجن ليلتحقوا بغثاء اشباههم أبو العباس (طارق) وبن بريك والمعلمي (لوجيستيات) ودعممة تارة مع (بعض العمالقة) وتارة أخرى مع عيدروس ..

* خيارات الكبار *

جربت الأمم المتحدة خيارات المفاوضات (العبثية) وأنهاك المتقاتلين بتمديد فرص الاحتراب , وتعقدت الأوضاع أكثر فلم تضعف الأطراف الرئيسية أو إحداها , بل نشأت مراكز قوى ونفوذ وتحالفات عقدت كل وصفات التسوية .. فلا تنفع معنا رؤية كيري , او توم وجيري , ولا الكويت ولا استوكهولم ولا مسقط أو الأردن , فلدينا فائض كبير من قوى الشر الكامنة , ولا إرادة ورغبة سياسية وطنية يمنية لاجتياز النفق , ما يبرر للخارج فرض اجنداته المشوشة ألتي لم يمكنه مشهد السياسة والحرب في اليمن معرفة ما يريد بالضبط , كما وضعنا بالفعل .. الجميع يرفع شعار التسوية على طريقته وبأهدافه النقيضة للآخر ومصلحة الوطن الافتراضي ومعاداة وسطية الحلول , وكأن قدرنا أن نقول للكبار خذوا هذا البلد الفاخر إلى أحضان اطماعكم الفاجرة , فنحن لا نستحق وطنا بهذا الثراء الرباني .. خذونا الى إمارة الدريهمي أو سلطنة عصيفرة والبعرارة , مملكة جرف سلمان أومشيخة عدن والضالع , ولاية أبين شبوة أو اقليم حضرموت سقطرى .

لا مشكلة لدى المتقاتلين بعد ان أصبح لكل مليشيات ودولته.

والواقع أننا أيضا اعجزنا الدول الكبرى التي لم تعد تدري مثلنا ماذا تريد من اليمن بالضبط

, لكن كل المعطيات تؤكد إجماعهم على عزل الساحل في اليمن عن الداخل .. من ميدي وجزر حنيش وباب المندب والمخا الى خليج وموانىء عدن وموانئ شبوة حضرموت المهرة وبحر العرب والمحيط الهندي سقطرى .. ذلك نصيبهم الذي يؤمن مصالحهم الكبرى من كعكة حربنا الداخلية وبحدود وجدران عازلة لبقية جغرافيا الغابة ألتي فرط بها ابناؤها.

إنها مبادرة الأمر الواقع .. مبادرة السقوط اليمني المدوي الأخير وليست مبادرة مسقط.

تصورات مثالية للمجتمع الدولي في الجنوب .