الاصلاح في ذكراه الثلاثين.. رؤية من الداخل الحلقة الأولى
بقلم/ توفيق السامعي
نشر منذ: شهر و 11 يوماً
الجمعة 18 سبتمبر-أيلول 2020 04:57 م


منذ اللحظة الأولى لنشأة التجمع اليمني للإصلاح التحق بهذا الحزب كثير من الناس من مختلف شرائح المجتمع ثقافية وقبلية وعسكرية وسياسية وأكاديمية، وكان طلبة المدارس والمعاهد والجامعات هم عمود هذا الحزب المحرك الأساس كجمهور.
انخرطت الكثير من شرائح المجتمع فيه كون تكوينه ونشأته وأدبياته وبرامجه يمثل البيئة اليمنية المحافظة والمتدينة، فضلاً عن قربه المباشر واحتكاكاته بين كل فئات المجتمع وما يقدمه من خدمات ورعاية وكفالة ومساعدات بين كافة المواطنين دون النظر إلى انتماءاتهم السياسية، فضلاً عن المبادرات المجتمعية التعاونية والجماهيرية.
ذلك التنوع أعطى دفعة كبيرة للحزب، وأكسبه زخماً قوياً في التأثير في الحياة العامة للشعب اليمني، وجعله حزباً متماسكاً اجتماعياً وسياسياً بقيادات أكثر رصانة وممارسة للعمل السياسي، على الرغم من عدم تحفز تلك القيادات إلى العمل الجماهيري المباشر إلا من خلال بعض القيادات الوسطى والدنيا والاحتكاك المباشر بعامة الناس من خلال المناشط اليومية أو العامة أو الموسمية.
من التحق بالإصلاح باكراً لا شك يدرك الكثير من المتغيرات في مسيرته وعلى مستوى قياداته وأعضائه وبرامجه وأنشطته وأفكاره ورؤاه، يتجدد مع الأحداث ويتغير مع المتغيرات المحيطة وبحسب طروف اللحظة الراهنة ويتأقلم مع كل حدث.
مازال الحزب الأكثر تأثيراً وجماهيرية وقرباً للشعب ومدافعاً عنه منافحاً عن مصالحه، أثبتت ذلك كل المنعطفات والأحداث التي مرت بها اليمن طيلة ال30 عاماً الأخيرة.
لا شك أن أمام الإصلاح تحديات داخلية وخارجية تهدد وحدته وتماسكه وتأثيراته المجتمعية، وأهمها العوامل الذاتية الداخلية للحزب بين بعض قياداته وشرائحه التي تضر بالحزب أكثر مما تضر به المؤثرات الخارجية.
هناك شخصيات وقيادات نفعية حادت عن المبادئ العامة للإصلاح ورؤاه المثالية القائمة على التميز والنزاهة والشفافية والعمل الدؤوب والقدوة الحسنة، وصارت مثلها مثل بقية الشخصيات داخل القوى الانتهازية تؤثر مصالحها على مصالح الحزب وتشكل الشللية المقيتة داخل الأطر التنظيمية على حساب العمل الجمعي العام الذي يجمع كافة الأعضاء قيادات وأفراد، والحقيقة أن بعض القيادات أتاحت لمثل هؤلاء الانتهازيين الاحتكاك بها وتقريبها وعمل عزلة تنظيمية وسياسية بين القيادة والقواعد مما يضعف تماسك الصف الداخلي للحزب ويجير تجييرات شخصية.
تعتبر الطبقة القيادية الوسطى التي تمتلك بعض الصلاحيات القيادية أهم طبقة مؤثرة في الحزب تقوده إما إلى القوة والتقدم أو إلى الضعف والانحطاط، إذ إن كثيراً منها أصبحت عامل تشتيت ومصادرة للحزب أضرت بسمعته وأضعفت كثيراً من الالتفاف الفردي حول قيادته ومبادئ الحزب وقيمه، حيث يجد الفرد بوناً شاسعاً بين التنظيرات الداخلية للحزب وبين ممارسة هذه القيادات.
- تعتبر هذه الطبقة التي أسميها الطبقة العازلة سلاحاً ذا حدين وأهم مفصل من مفاصل الحزب، كغيرها من القيادات داخل بقية الأحزاب الأخرى وبقية القوى سواء كانت سياسية أم إسلامية أم مجتمعية، فهي من ترفع التقارير الميدانية للقيادات العليا، وهي من تنقل خطط وأوامر القيادات العليا للقيادات الدنيا والأعضاء الجماهيريين، وهنا مكمن الخطورة بإمكانية تلاعباتها بمثل هذه الأعمال والتقارير، خاصة مع عدم وضوح آلية اختيار القيادات لدى الحزب من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتماد القيادات العليا على مبدأ التزكية القيادية في إطار التسلسل التنظيمي بحسب الآلية المتبعة في العمل التنظيمي للحزب.
قصاصة بسيطة من بعض كلمات لبعض هذه القيادات الوسطى أو ما دون الوسطى بأفراد يتبعونها إما أن تهبط بك في الدرك الأسفل من الحزب لتظل عنصراً جماهيرياً أو مجمداً طيلة عمرك التنظيمي، أو يرفعك مقاماً عليا في أطره التنظيمية، والكثير منهم لم يراعِ مبدءاً ولا ضميراً في هذا الإطار، كما رأينا الكثير من الشكاوى الداخلية أو تذمراً فردياً في إطار الهمس الداخلي للحزب، دفع الكثير من الأعضاء أثماناً باهظة جراء هذه الأعمال التزكوية المصادرة، أتاحت لها القيادة هذه الأفعال حتى لو كان الفرد يرتبط ارتباطاً شخصياً ببعض القيادات لكن لا بد أن تمر هذه العلاقة عبر تلك القصاصة الصغيرة لمبدأ التزكية.
في هذا الإطار وما مرت به البلاد من أزمات متلاحقة وكان دور الحزب فيها فاعلاً إيجابياً أو محارَباً وفي الوقت الذي يحتاج الحزب لأبسط جهود أي فرد فيه أو حتى من الجماهير القريبة من الإصلاح وفكره، عملت بعض هذه القيادات على مبدأ الاستئثار وحب الظهور وإقصاء الآخر الداخلي في إطار الحزب أو قيادة المربع التنظيمي لمواجهة الأعباء الخارجية للحزب وتجميع الجهود وتحسس كل من كان مقارباً لك يحصل العكس تماماً وكأننا في إطار تنافس انتخابي وسباقاً على الامتيازات لا سباقاً على الموت أحياناً كما في الجبهات أو على كثير من شظف العيش والمعاناة اليومية في بقية القطاعات.
أحياناً يكون الفرد المقصي ذا رؤية ثاقبة أو ثقافة عالية واطلاع واسع تؤهله لتقديم الكثير من الرؤى والخطط والبرامج يفوق قيادته المباشرة ومن هنا تعمل هذه القيادة على وأده في مهده مما دفع بالكثير من هؤلاء إلى ترك الحزب لأنه يرى أنه أكبر من التقوقع في زاوية محشورة تضيق بإبداعاته ومعرفته.
عدم وضوح آلية اختيار القيادات التنظيمية وشروطها ومحدداتها وسط الحزب تثير الكثير من التساؤلات التنظيمية بين الأفراد عن هذه الآلية، وعدم الإجابة عليها غالباً تتحول إلى تذمر حزبي ثم ترك الحزب بكله في أغلب الأحيان.
أكثر ما في هذا الجانب (تعيين القيادات) كما في كل حزب آخر أو مؤسسة حكومية يعتمد على الكولسة الخفية والشللية والقرب من هذه الشخصية أو تلك، أو هذه القيادة أو تلك، ومن ليس محتكاً ببعضها فليذهب إلى الجحيم بعيداً عن أية صرامة تنظيمية مراعاة لقدم الإنتماء أو كفاءة العمل.
برزت محطات كثيرة للحزب رأى كثير من أعضائه ممارسات سلبية بين هذه القيادات للتعامل مع الأفراد حتى زال الاحترام بين الفرد وقائده وهذا بدوره دفع إلى خلخلة الصف الداخلي والاستمرار فيه دون تصحيح هذه الأخطاء وتفعيل الرقابة الحزبية الداخلية، والمراجعة الذاتية والشاملة، وتفعيل مبدأ المحاسبة، لا شك ستواصل عملية الخلخلة وصولاً إلى الهدم الكلي خاصة والعوامل الخارجية متربصة ومحاربة بكل قوة لهذا الحزب ومنها الاستقطابات.
ففي الوقت الذي تعبث بعض هذه القيادات بالمال والمصروفات تجد الأفراد الذين يقومون بكل واجبات الحزب أو العمل الجماهيري المباشر على الأرض مطحونين مادياً وأحياناً لا يجدون قوت يومهم وأطفالهم مع التضحيات الجسيمة التي يقومون بها وهم أساس وعمود الحزب الذي يتكئ عليه الجميع، كحال الأفراد في الجبهات مثلاً، أو بقية الأفراد في مؤسسات أخرى، يتم تعبئة الأفراد بأنه كفاح وتضحية في سبيل الله بدون مقابل ولا أجرة دنيوية بينما هذه بعض قيادات هذه المجاميع تكون متخمة بالمصروفات، وكم سمعت بقصص مؤلمة يندى لها الجبين.
هذه الفوارق التي لو أسقطناها على المستوى العام للحالة الشعبية هي التي دفعت الشعب إلى الثورة على نظام صالح، بوجود هذه التباينات في المجتمع اليمني العام، وهي كذلك التي تدفع بكل الشعوب الأخرى لمثل هذه الثورات، فضلاً عن أن يكون داخل الحزب في أي بلد من البلدان.
الممارسات السلبية للقيادات الوسطى من الإقصاء والتهميش والشللية والاستئثار بالمصلحة هي من أهم ما يخوف بقية أعضاء الحزب من التغيير في القيادات العليا الأقل ممارسة لهذه الأشياء، ولذلك لا تجد حماساً كبيراً في أوساط جماهير الحزب من المناداة بالتغيير الشامل لهذه القيادات لم للقيادات الصغيرة من أنانية مفرطة، وكنت مع غيري من بعض الشباب، من أكثر المنادين بالتغيير في هذه القيادات حتى عام 2011 وبعدها تراجعت عن هذه المطالب والنداءات بسبب ما رأيناه من ممارسات في الثورة وبعدها، وحتى اليوم.
في تسعينيات القرن الماضي كان الإصلاح أكثر تماسكاً وإنجازاً وتأثيراً بقلة من الأفراد وتأثير كبير في الساحة، حينما كانت القيادات مخلصة لمبادئها ومضحية لأهدافها، تنجز الأعمال الكبيرة بجهود كبيرة وبقلة قليلة من الأفراد بسبب صرامة التنظيم وقوة التلاحم، بعكس اليوم، قلة في التأثير وكثرة في الأدوات وترهل في الأداء، مع بقاء تميزه في الساحة السياسية ولا شك.
أتذكر أن حوالي عشرين شخصاً أو يزيدون من الحزب فقط في جامعة صنعاء يمضون في عملية التحشيد الانتخابي للاتحاد الطلابي تثمر تحركاتهم عن حصاد المرتبة الأولى للحزب في انتخابات اتحاد طلاب اليمن، بينما الجامعة تتكون من آلاف الطلبة، ومئات المنافسين الآخرين، خاصة منافسة الحزب الحاكم الذي يسخر كل إمكانيات الدولة لأتباعه من الطلاب، وعلى هذا كانت القياسات في الانتخابات البرلمانية وغيرها، ومن المستحيل اليوم إعادة ذلك التأثير بالكم الهائل من أعضاء الإصلاح اليوم لكثير من الأسباب.
- كل القوى السياسية ومعظم الناشطين ووسائل الإعلام تطعن ليل نهار في الإصلاح أنه إقصائي، وهذا قول مجافٍ للحقيقة، بل هو أكثر الأحزاب تقبلاً للآخر واستقطاباً إلى صفه وتعاملاً مع الآخر ليهرب من هذه التهمة، لكن الاقصاءات الحقيقية تمارس داخل الحزب نفسه أكثر مما يتهم به في الخارج، فالإصلاح يحرص كل الحرص على الشراكة مع الآخر ويمكن أنه يسهل للفرد أو المسؤول أو الشخصية الأخرى من خارج الحزب أفضل بكثير مما يفعله في الداخل مع أفراده؛ لأنه يعتبر أفراده في جيبه وتحت جناحه ولا يحتاج إلى استقطابه، ويحرص كل الحرص على استقطاب الآخر، وما يقال عنه في الإقصاء من باب الحرب عليه فقط ومجحف وعدم إنصاف.
في إطار الحكومة الانتقالية بعد ثورة الشباب في 2011، ظلينا نطرق كافة المؤسسات الإعلامية للشهيد أحمد الشيباني للتوظيف في وزارة الإعلام على الرغم من أنه خريج منذ خمس سنوات في الوقت الذي كانت تتهم وزارة الإعلام بأنها وزارة إصلاحية إبان تولي العمراني أو نصر طه مصطفى دون جدوى، والعذر أنه لا توجد وظائف، لنكتشف في وقت لاحق بتوظيف بعض الأشخاص، وكذلك تعيينات مختلفة داخل مؤسسات الإعلام، ناهيك عن مؤسساتهم الإعلامية الداخلية، وفعلاً كان يمكن توظيفه، لكنه ظل يبحث عن عمل ووظيفة رغم كل تضحياته مع الإصلاح وحالته المادية الصعبة، وغيره الكثير أيضاً، حتى لقي الله شهيداً برصاص قناص حوثي لعين في أواخر فبراير 2016.
أستشهد بقصة أو بحالة الشهيد الشيباني على الأقل لأنه لا يستطيع أحد أن يزايد علي فيها كوني من حملت ملفه مرتين إلى وزارة الإعلام وكنت أتابعه بقوة وقريبين من بعضنا وأعرف حاله عن قرب، والمعاذير التي يردون بها علينا أنه لا يوجد توظيف ولا يملكون صلاحيات التوظيف، بينما كانت هناك بعض القرارات الكبيرة الصادرة عن الوزارة فكيف بالتوظيف ذاته؟!
من خلال الإحتكاك بالعديد من القطاعات فإن أسوأ القطاعات على الإطلاق هو القطاع الإعلامي في كل حزب وفي كل مؤسسة من مؤسسات الدولة والأحزاب، ربما يعود إلى التفلت القيمي والأخلاقي في التعامل وكثرة حب الظهور؛ إذ يعتبر نفسه هذا القطاع كطبقة رقابية وكولسة سياسية أكثر من الدوائر السياسية نفسها، وكثرة العمل الشللي فيه، وشراء بعض الولاءات فيه، وغيرها من العوامل، ما ينطبق على الدولة ينطبق على الحزب؛ أي حزب، وهذا ما لمسناه حتى في وزارة الإعلام في كل مرحلة من المراحل.
يمتلك الإصلاح طاقة إعلامية جبارة من خلال كثير من منتسبيه وإمكانياتهم الذاتية التي يسخرونها في الجانب الإعلامي كعمل فردي غير منظم، وما تظهر من حملات إعلامية بين فترة وأخرى ليست منظمة البتة ولا موجهة فهي عبارة عن تعاطف فردي مع البعض منهم ولأنهم معروفون كأفراد يظهر للمنافسين أنها حملات إعلامية، وهو غير صحيح.
الآلة الإعلامية الإصلاحية معطلة بسبب تشتت قيادته وكذلك لكثرة المجالات والميادين التي يدافع الإصلاحيون بها عن أنفسهم من حملات دول منظمة وممولة تمويلاً كبيراً لا يريد الإصلاح كحزب الخوض في مواجهات إعلامية مع أي منها بسبب ظروف الحرب والاستهداف الدائم للحزب.
ومع وجود السوشل ميديا ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة فإنه حتى بعض منتسبي الإصلاح سخرها في نقد حزبه وقيادته ويعبر عن امتعاضه عن كثير من القرارات أو الخطوات أو التقصيرات أو ما يراها بعض المنسبين للحزب ظواهر سلبية ينبغي معالجتها.
ومن خلال عملية النقد هذه أحياناً يستفيد الإصلاح من تصحيح بعض الاختلالات ولا يضيق بها ذرعاً إلا إن كانت قادحة رادحة أو بعيداً عن الموضوعية.
- من المضحك والمبكي في آن واحد أن بعض هذه القيادات كانت تشعرك في خطابها وتعاملها مع أفرادها وكأن الجنة والنار في يديها فقط، وعبر هذه التزكية والأعمال حتى تحدد مصيرك في الآخرة، ويكون أمر القيادة غالباً في الأفراد الأكثر تديناً والأكثر طواعية واستسلاماً للقيادات العليا، وإن كنت معارضاً فأنت مشاغباً لها، بعكس السقف العالي المعارض عند القيادات العليا والتي تجد تفهماً لوجاهة الاعتراض، وهذا الأخير هو من نقاط القوة للحزب وللقيادة في وقت واحد.