ترامب إن بقي… وإن رحل
بقلم/ محمد كريشان
نشر منذ: شهر و 7 أيام
الأربعاء 23 سبتمبر-أيلول 2020 04:48 م
  

«يراود الإيرانيين أمل كاذب بعدم إعادة انتخاب ترامب».. هكذا قال إليوت أبرامز المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران معلقا على ما يسود الأوساط الإيرانية حاليا من ضرورة ضبط النفس في هذه الأسابيع الخمسة المتبقية على رحيل ترامب المأمول تجنبا لأي تصعيد مع واشنطن ردا على إعادتها منفردة العقوبات الدولية ضد طهران.

أربعون يوما فقط وتعرف طهران، ويعرف العالم بأسره، ما إذا كان ساكن البيت الأبيض سيظل فيه لأربع سنوات أخرى فتتهيأ لأكثر السيناريوهات قتامة، أو أنه سيحزم حقائبه ويرحل غير مأسوف عليه، فتتنفس الصعداء… ولو إلى حين.

الحقيقة، ليست طهران وحدها من يتابع الوضع على هذا النحو، باستثناء نتياهو و«ربعه» من العرب الذين رهنوا مستقبلهم السياسي بترامب إلى حد التوهّم بأنهم سيتسيّدون الموقف بفوزه، مستبعدين أنهم قد يُذلوا برحيله بعد انكسار شوكة المراهنة الكاملة عليه إلى درجة وضع كل البيضات في سلته التي قد تكون مثقوبة.

بعض التقديرات الغربية المتداولة إعلاميا لم تعد تستبعد أن يعمد ترامب إلى خلط رهيب للأوراق عبر شن حرب خاطفة ضد طهران فيما تبقى له من فترته الرئاسية، لعلَّ ذلك يكون طوق نجاته من شبح هزيمة يبدو أن الرجل ليس مستعدا لها. قد يبدو ذلك موغلا في التشاؤم أو في تحميل الرئيس الأمريكي من سوء التقدير والتدبير ما يتجاوز الحقيقة، أو على الأقل ما يتجاوز قدرة المؤسسات الأمريكية على التحمّل، ولكن لا شيء مستبعدا ولا شيء مستحيلا في كل الأحوال.

مع ذلك، تبدو طهران أكثر تمسكا بسياسة «الصبر الاستراتيجي» التي تتبناها لاسيما وقد وصلت الآن إلى الربع الساعة الأخير فبدا الاصرار عليها مدعاة أكثر لوجاهتها. ومع أن وزير الخارجية الأمريكي صرح قبل يومين فقط من أن «استقرار المنطقة يتمثل في مواجهة إيران» إلا أن أغلب دول المنطقة ترى أن العكس تماما هو الصحيح. دخول المواجهة مع إيران إلى مربع التصادم العسكري يمكن أن يفتح المنطقة برمتها على أكثر التوقعات سوءا، كما أن من يمتلك تصورا، ولو أوليا، عن بدايتها لا يمكن له أن يتصور أبدا، ولو تقريبيا، أين يمكن أن يصل لهيبها ناهيك عن كيف يمكن أن تنتهي.

بومبيو صرّح أيضا بأن «أملنا (إدارة ترامب) قد خاب في حلفائها الأوروبيين» بسبب عدم مسايرتهم لها في الإجراءات الأخيرة ضد طهران والتوثب إلى افتعال المشاكل معها تمهيدا لمواجهتها، لكنه لم يشر إلى خيبات أمل عديدة تطوّق هذه الادارة التي باتت في آخر أسابيعها في أسوأ عزلة دولية قد تكون مرت بها. الكل يصك أسنانه الآن ويكظم غيظه في انتظار أن تمر على خير هذه الأسابع المتبقية من رئاسة ترمب.

إيران ليست وحدها في مثل هذا الموقف الدفاعي الضاغط وغير المريح بالمرة. الفلسطينيون هم أيضا يعانون، لا يحول ربما دون انفجارهم الكامل سوى أمل أن ترامب راحل لا محالة، ومعه كل الخطط التي فصّلها على مقاس نتنياهو، الذي يمثل هذا الرحيل بالنسبة إليه آخر ثقب في بنطلون يكاد يكشف عورته كاملة.

«من الصعب للغاية التعامل مع الفلسطينيين».. قالها ترامب في معرض حديثه أخيرا عن أن الفلسطينيين سينضمون «في نهاية المطاف» إلى السلام الذي هندسه نتنياهو لترتديه الامارات والبحرين، مفتخرا بتضييقه ماليا على الفلسطينيين ومهددا إياهم بأنهم إن لم يفعلوا ما يريده منهم فإنهم «سيبقون بمفردهم في العراء». وفي ضوء ذلك، ليس في وسع الفلسطينيين، الآن على الأقل، سوى الصبر مع التأكيد على مواقفهم الثابتة من أسس الحل السياسي، في انتظار اتضاح الصورة في البيت الأبيض يوم الثالث من نوفمبر-تشرين الثاني.

قد لا يكون الإيرانيون والفلسطينيون فقط هم من يعلّقون الآمال، بتحفظ مكتوم لا محالة، على عدم انتخاب ترامب لولاية رئاسية ثانية، فالأوروبيون قد لا يكونون، هم أيضا، بعيدين جدا عن ذلك، وكذلك حلف شمال الأطلسي (الناتو). لقد أدخلت سياسات ترامب كل الاضطراب على العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وحليفه التقليدي والتاريخي، كما أن «الناتو» لم يعرف من قبل مثل هذا الموقف الأمريكي في التعامل معه والذي وصل إلى حد التنمر المربك لسير عمل هذا الحلف العسكري الكبير وتوازناته المالية الضخمة.

مقابل هؤلاء الذين يعدّون الأيام المتبقية من حكم ترامب يحدوهم الأمل في أنها الأخيرة فعلا، نجد قادة إسرائيل والامارات والبحرين، وربما السودان، وأي بلد عربي آخر يخطط للالتحاق بركب التطبيع، أو ذاك الذي يظن أن اعتلاء العرش في السعودية مرتبط فقط باستمرار دعم ترامب له، وقد ربطوا مستقبلهم السياسي بمستقبل ترامب.

وإذا كان أولئك الذين يمنّون النفس برحيل ترامب، معتقدين أن النصر إنما هو على الأرجح صبر ساعة، سيجدون أنفسهم في موقف محرج وصعب للغاية إن تم التجديد له، فإن الواقفين في الضفة الأخرى سيجدون أنفسهم فجأة في وضع أتعس بكثير من الأوائل. سنعرف قريبا….