حضارة سبأ وشعار الحسين
بقلم/ د.مروان الغفوري
نشر منذ: شهرين و 10 أيام
الثلاثاء 23 فبراير-شباط 2021 08:43 م
 

لا يزال الحسين غرييا في اليمن. النسخة الزيدية من التشيع وصلت إلى حدودها مبكرا، ذلك أنها أصبحت حاكمة في بلادها منذ فجر التاريخ.

 بخلاف النسخ الأخرى التي خسرت الحروب واستبعدت من المركز. في الهامش عاشت وواست نفسها بسرديات من العنف والنواح والأساطير، وبقيت الزيدية بعيدة عن ذلك الطريق، وتفرغ فقهاؤها لأشعار الغزل وكتابة الأغاني الحمينية.

لا تجد في كتب الزيدية ذلك النهر من الأساطير والبكائيات. قتل الإمام زيد في معركة، وذلك كل ما في الأمر. لا تنشغل الزيدية بمعاقبة كل العالم بسبب مقتله، ولا تتحدث عن تحولات كونية حدثت في تلك الساعة. قتل الإمام زيد وجاء أحفاده وحصلوا على السلطة. هاشميو جنوب الجزيرة عاشوا حكاما لمئات السنين، وتدفق إلى منازلهم الذهب والحليب على مر العصور. وطبيعي، أمام هذه الحقيقة، أن لا ينشغلوا بملاعنة الصحابة ورواة الأحاديث، وأن يكونوا أكثر تسامحا من سواهم من الشيعة.

مطلع الألفية سخر حسين الحوثي من الإمام من الإمام المهدي في لقاء صحفي، وكان يتندر من قصة السرداب، ويردد "لو شفتوه امسكوه وقولوا له الحوثي يشتي يكلمك". كما كان يتأفف من الطقوس الشيعية خصوصا تلك التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزوجية معتبرا إياها زنا لا يناسب أخلاق بلاده.

الزيدية البعيدة شيئا ما عن التشيع كانت دائما على الحافة، وقد رأينا كيف انزلقت الحوثية إلى حسينية، متنكرة لتاريخ "زيديتها" الثري من المعارف والعلوم والفقه.

مثل كل التشكيلات الشيعية الأخرى فإن الزيدية في جوهرها ثورة مسلحة، وهي منخفضة التسامح ما دامت محكومة. ولم يحدث أن كانت محكومة سوى في العقود القليلة الماضية، واستثناءت هامشية في التاريخ. لذا فقد عادت بوحشية انتقامية، حتى إنها وهي تلهث لم تلتزم بالحد الأدنى من أخلاقيات الحروب: تفجر منازل المهزومين، تختطف أبناءهن، تصادر أموالهم، و"تستحي نساءهم".

إن تاريخ الزيدية في اليمن خال من الآلام، ولا يمكن أن تعثر فيه على مناسبة للنواح. المظلومية النواحية متوفرة لدى أجنحة أخرى من التشيع، وهي الطاقة التي تستمد منها تلك السرديات شروط بقائها. استعارتها الحوثية من الآخرين وتذكرت بعد آلاف السنين معاوية وعائشة.

هنا انفصلت الحوثية عن الزيدية وتركتها خلفها، منجزة تلك الصورة التي لا سبيل لإصلاحها إلا من خلال تأسيس دولة ليبرالية ديموقراطية: الحوثية أقلية داخل أقلية.

شعار الحسين الذي تزمع الجماعة رفعه على آثار حضارة سبأ هو شعار يخص 3% من السكان في أعلى تقدير، وهو تحد جامح في مواجهة التاريخ، وإيذان بحرب مفتوحة على مر الأيام. فلكي تتحدث أميركا الإنجليزية الإيرلندية كان لا بد من أمر أساسي: إفناء الهنود الحمر حتى تتمكن الأقلية من فرض لغتها وإلهها وطقوسها.

 ما من سبيل آخر لأن تفرض الأقلية مشروعها ونظام عقائدها على الأغيار. هناك طريق آخر للبقاء: التعايش الحر، والعيش المشترك. الحوثية ليست حركة بشرية، الحركات البشرية قابلة للترويض، جماعات "التوجيهات الإلهية" لا سبيل لترويضها، فهي في مهمة فوق بشرية.

خرجت الحوثية من رحم الزيدية وشقت طريقها بعيدا. تريد أن تعصف بمجتمعها بأكمله، بما في ذلك آثاره الحضارية. سبق لحسين الحوثي أن سخر من حضارة اليمنيين عند مقارنتها بحضارة "الفرس" العظيمة.

لا تملك الحوثية القدرة على احتواء مجتمعها بالكامل، ولا حتى مجتمعها الزيدي الصغير الذي لا يتجاوز ثلث سكان تلك الأرض. نزل الحوثيون بالصراع إلى مستويات يصعب احتواؤها: العقيدة والتاريخ. عند هذه المستويات تكون الغلبة على المدى الطويل للأكثر والأقدم. ذلك أنها مسائل لا يمكن تسويتها بالذبائح والأناشيد، وليس بمقدور المنتصر أن يعيش مئات السنين والبندقية تحت رأسه.

كانت العقيدة والتاريخ، خصوصا في المجتمعات البدائية، هي لب الوجود وأصل المعنى.

يعيش الحسين غريبا في اليمن، ومن الأفضل له أن يذهب إلى مطرح آخر حيث ينتظره أغلب السكان.

تتحلى أزمة المشروع الحوثي، في نسخته الراهنة، في أنه يقوم على تصفية السياسة بالكامل، ولا يسمح بأي نمو أفقي للمجتمع خارج نظرية آل البيت. المجتمعات تنمو بتسارع رهيب، الحوثية كبح لأي نمو يقوم على الخلق والتنوع. أي أنها لا تصلح، بالمرة، للعصور الحديثة. وتبدو معضلتها الكبرى متجسدة في حقيقة أنها نقيض للحضارة الراهنة بكل طاقتها ومنجزاتها.

فضلا عن ضياع المشروع وتخبطه بين الزيدية والإثنى العشرية، وتوهانه كالبغل: جين من الحمار وجين من الفرس.