لماذا تولي سلطنة عمان وجهها شطر ايران؟
بقلم/ د. عبده البحش
نشر منذ: 3 أشهر و 10 أيام
الأربعاء 09 يونيو-حزيران 2021 07:14 م
 

يشعر القادة العمانيون ان بلادهم تواجه جملة من التحديات او التهديدات من قبل جيرانها الخليجيين، لا سيما السعودية والامارات والحكومة اليمنية الشرعية المدعومة من الرياض وابوظبي. وفي الوقت نفسه يشعر الساسة العمانيون ان جمهورية ايران الاسلامية هي الطرف الوحيد، الذي لم يظهر اي اطماع اقليمية وانما أقدم على المساعدة ماديا ومعنويا وعسكريا. بعد وفاة السلطان قابوس ارتفعت المخاوف العمانية من الامارات بعد المزاعم التي تفيد باكتشاف شبكة تجسس اماراتية تهدد الامن العماني، فضلا عن الاتهامات العمانية للامارات بمحاولة السيطرة على منطقة رأس مسندم العمانية، اذ يزعم الساسة العمانيون ان الامارات قد سيطرت على كل الموانئ المحيطة بالمنطقة مما ادخل رأس مسندم ضمن جيوب خريطة الامارات بشكلها الحالي. من جانب لم ينسى العمانيون الغزوة السعودية على واحة البريمي في خمسينيات القرن الماضي عندما كانت الواحة تقع ضمن حدود عمان وقبل ان تصبح جزءا من التراب الوطني الاماراتي. وعلاوة على ذلك تتخوف سلطنة عمان من التغول العسكري السعودي حاليا في محافظة المهرة اليمنية المتاخمة للحدود العمانية، وهذا ما يدفع عمان لمساندة الحوثيين ضد السعودية والامارات.

فيما يخص الوجه الاقتصادي للعلاقة بين عمان وإيران فلا يبدو أنه أقل أهمية من البعد السياسي، أن التعاون في مجال الطاقة هو الأهم في علاقات البلدين الاقتصادية، إذ وقَّع البلدان اتفاقاً يقضي بمد خط أنابيب لتصدير الغاز الإيراني إلى عمان، حيث سيصل حجم الصادرات منه إلى قرابة 10 مليارات متر مكعب سنوياً، وفي جانب التبادل التجاري بين البلدين بلغ حجمه سنوياً مليار دولار تقريباً، في حين أشار وزير التجارة والصناعة العماني إلى أن هناك 259 شركة إيرانية تعمل في عمان، وهو ما يؤكد الأنباء حول اتفاق الجانبين على إنشاء غرفة تجارية مشتركة لتعزيز التنسيق والتبادل التجاري، وقد نقلت صحيفة تفاهم الإيرانية، وهي مقربة من الرئيس روحاني، تصريح حميد جيت جيان، وزير الطاقة الإيرانية، بعد لقائه أحمد بن محمد الشهي وزير شؤون البلديات والمجاري المائية بعمان، بأن إيران لا ترى أي حدود أو شروط مسبقة لمساعدة عمان في بناء السدود وحل مشكلات الري هناك.

أما فيما يخص الجانب السياسي، يبدو أن سلطنة عمان قد ارتضت بشكل أو بآخر مجلس التعاون الخليجي وحاله القائم بالتعاون دون المضي إلى ما هو أبعد من ذلك، ويمكن أن يتسبب أي تقارب أو تشكيل وحدات تضع سياسات أكثر وضوحاً وإلزاماً لأعضاء المجلس، بإخلال وبعد عن سياسة عمان المتصفة بالحياد والبعد عن مسارات المواجهة والعداء، وهو ما اتضح جلياً لدى دعوة الملك السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الرياض عام 2011 إلى انتقال المجلس من التعاون إلى الاتحاد وضرورة ذلك، حيث قوبلت تلك الدعوة بالرفض العماني الذي جاء على لسان وزير خارجيتها، والتهديد بالانسحاب من المجلس حال المضي نحو هذه الخطوة، ونقلت وكالة رويترز للأنباء عن سيف المسكري، وهو دبلوماسي عماني سابق، قوله: "لا الشعب العماني ولا قيادته سيوافق على الذوبان في كيان أكبر"، وبرز على السطح أيضاً الخلاف العماني الإماراتي مع باقي دول المجلس فيما يتعلق بالعملة الموحدة والسياسة المالية للمجلس، فقد أبدت عمان تحفظاتها على مشروع العملة الموحدة، في حين أكدت وجود فروق وخروقات في تعاملات بعض دول الخليج، وبعد أن استضافت عمان القمة الخليجية عام 2008 لم يحضر السلطان قابوس أياً من القمم التالية، ما قد يبدو إشارة إلى عدم الرضا العماني عن اتجاه السياسة الخليجية.

فيما يخص الوجه التاريخي، منذ وقت بعيد جمعت طهران ومسقط علاقات ثابتة فمنذ انضمام سلطنة عمان إلى مجلس التعاون الخليجي قبل 34 عاما، حرصت الأخيرة على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الجانب الإيراني الذي تتسم علاقاته مع أغلب دول التعاون الخليجي بالتوتر، وقد سبق لقابوس أن زار طهران في 1971م، في زمن الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي كما قدم الأخير دعما لوجيستيا وعسكريا للأول في حرب ظفار (1965 ـ 1975م). وتطور هذا المشهد عقب الانتخابات الإيرانية الرئاسية 2009م، المثيرة للجدل والتي أعقبتها حركات احتجاجية واسعة؛ فقد استقبلت طهران في 9 أغسطس/آب 2009م، للمرة الثانية السلطان قابوس ليكون الزعيم العربي الوحيد الذي استمر في السلطة واحتفظ بعلاقات مع الإيرانيين حتى بعد أن تغيرت الإدارة السياسية في طهران من النقيض لأقصاه. إنَّ تلك العلاقة المتينة التي تربط بين الطرفين العُماني والإيراني لا تعني أن عُمان غير مدركة للتهديد الاستراتيجي الذي يمكن أن تمثله دولة بحجم إيران لأمن المنطقة، إلا أنها تدرك في الوقت ذاته أن التعامل مع هذا التهديد المحتمل لا يكون باستعداء الأخيرة والتعامل معها كخصم أزلي، أو بالتعاطي معها بلا واقعية تفترض سهولة إلغائها وإقصائها من أي تفاهم إقليمي، وبالتالي فقد كان الخيار

العُماني مستندًا في التعاطي مع إيران ببراغماتية تفترض أن التعاون وإبقاء الحوار مفتوحًا مع قوة إقليمية كإيران أجدى لأمن الخليج من استعدائها أو مقاطعتها.

وبالنسبة للبعد الديني، فالكتل الإثنية والثقافية في الداخل العماني لها امتدادات خارج الحدود الجغرافية، وهذا يفرض على صُنّاع السياسة الخارجية استبطان المصالح والارتدادات المرتبطة بتلك الامتدادات العرقية والثقافية، فالإباضية أدت دوراً مهماً في تشكيل التاريخ السياسي الحديث لسلطنة عُمان، ولا زالت المضامين الفكرية لهذا المذهب تؤثر في توجهات السياسة العُمانية المعاصرة، المحلية والإقليمية. إلى جانب وجود كتلة سنية، وأقلية شيعية، لذلك تتجنب الانحياز إلى أحد الأطراف الإقليمية، تخوفا من انعكاساته الداخلية عليها، إذ يمثل الجو الطائفي في الإقليم عاملا مساعدا في حرص سلطنة عمان على أخذ مسافة متساوية من جميع الأطراف في النزاع الإقليمي الحالي. وتفادت عمان أن تكون طرفاً في أي تحالف أو ترتيب طائفي، وعززت حيادها لتطور علاقات موثوقة مع جميع الأطراف وهو ما سمح لها بلعب دور مختلف عن أي دولة خليجية أخرى. فمن جهة تتخوف عُمان من توسع النفوذ السلفي فيها، خصوصاً مع خروج أحاديث عمانية متخوفة من هذه النقطة تحديدا ومشيرةً إلى عمل بعض الشخصيات الدينية السعودية على نشر المذهب الوهابي والفكر السلفي في البلاد. ومن جهة اخرى كانت عمان تنظر الى الرغبة الايرانية في مد النفوذ الشيعي اقل خطرا عليها فكلتا الدولتان كانت بحاجة الى دعم الاخر وبناء علاقة حسن جوار خوفا من الرغبة السعودية في التوسع.