حتى لا يكون بيان الحلف للاستهلاك السياسي والمجتمعي!
بقلم/ أحلام الكثيري
نشر منذ: 5 أشهر و 8 أيام
الثلاثاء 07 نوفمبر-تشرين الثاني 2023 08:03 م

"ما زال العالم مقيداً لأنه لم يتخلّ عن كلمة أنا" بوذا،،،

يرى الفيلسوف الإنجليزي "توماس هوبز"* أن العقل البشري ليس مقوداً بمقولات السلام، بل بمنطق يفضي إلى ضرورة السلام، أي ضرورة الخروج من السلوك المتوحش "العصبية القبلية"، للارتقاء إلى سلوك إنساني مدني متحضر، يخضع فيها لسلطة قانونية مطلقة، ممّا يعني عملية تفويض جماعي يقوم بها الأفراد، بحيث يتنازلون عن حريتهم أو حقهم الطبيعي في الحكم السياسي. 

وتعرف القبيلة بإنها:" ظاهرة اجتماعية تكونت قبل نشوء الدولة المدنية الحديثة، وتقوم على أساس العصبية والانحياز مرتبطة بثقافة القوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية المتوارثة كنوع من السيكولوجية الاجتماعية، كإطار اجتماعي لحماية الأفراد وحل النزاعات في الخصومات وتحدد الصراع والقتال على أسس عصبية تخضع الى سلطة وقرارات القبيلة وزعيمها".

فنجد في النظام السياسي لدول العالم الثالث ثمة ظاهرة ثنائية طردية حاضرة وبقوة، فكلما زاد الاستبداد زاد الفساد وكلما زاد الفساد زاد الاستبداد!، وهذه الظاهرة مرتبطة بشكل أو بأخر بأسباب سقوط النظام السياسي، ومن خلال هذا المقال سأحاول تفكيك شيفرة بيان رئاسة حلف قبائل حضرموت، الصادر يوم الأحد الموافق ٢٩/أكتوبر/٢٠٢٣م في مدينة المكلا ، عطفاً على بيانات سابقة من الحلف تم توجيهها للجهات المعنية في الدولة، والسلطة المحلية، ومقاربة دلالة علاقته باستبداد السلطة وفساد النظام السياسي والعكس، من خلال استعراض عدة بنود أظهرت تجاوزات تمس كرامة المواطن والمجتمع الحضرمي، أمنيًا، سياسيًا، أخلاقيا، مجتمعيًا، اقتصاديًا وسيادة الدولة في اليمن.

 وقد أثار البيان جدلاً في الأوساط السياسية والقبلية والمجتمعية، ما بين أطراف مؤيدة، وما بين أطراف معارضة شككت بأن البيان ينصب في مصالح شخصية لرئيس الحلف، وأن البند الثالث من البيان يناصب العداء لدولة الإمارات، متجاهلين أن البيان قد وجه أيضًا إلى السلطة المحلية، وقيادة المجلس الرئاسي، وثمة أطراف أخرى لزمت الصمت والحياد، خصوصًا لمقاربة توقيت إصداره، لتوقيت إعلان النظام التأسيسي لمجلس حضرموت الوطني، والتسوية السياسية بين الأحزاب السياسية اليمنية، وإقرار معاهدة السلام في اليمن، والصراع الدائر في المنطقة بما يتعلق بحرب إسرائيل ضد غزة في فلسطين المحتلة، ومدى تأثير توتر المنطقة على الملف اليمني لموقعها الجيوسياسي.

 و يعتبرتفشي الفساد في الدولة اليمنية بشكل عام و في حضرموت بشكل خاص باعتبارها أكبر محافظة والتي تمثل ثلث جغرافيا اليمن، وما يقارب ٧٠٪ من الثروات المعدنية والنفطية والبحرية، والتي ترفد الاقتصاد والدخل القومي اليمني، من قبل وبعد انهيار وسقوط النظام وانقلاب الحوثي، وتداعيات حرب ثمان سنوات وانهيار العملة والاقتصاد والبنية التحتية وصفقات الفساد ....الخ، قد ساهم في تضيق الحالة المعيشية على المواطنين في حضرموت.

قد اتفق الخبراء والباحثون في العلوم السياسية أن قيام الدولة قائم على خمسة أركان " الأرض، الشعب، السيادة، الاعتراف، والنظام السياسي الذي يقوم على خمسة أركان "، وفي حال تم إسقاط أركان النظام السياسي الخمسة على بيان الحلف وتجسيدها كظاهرة سياسية قائمة بذاتها في حضرموت، قد تضح صورة الفساد بشكل جلي، والأركان الخمسة هي( أولاً: المدخلات" وهو كل ما يشكل الموارد، الاقتصاد، الموقع الجغرافي، التاريخ الحضاري ،الإمكانيات والقدرات والدعم المجتمعي و القبلي والمحلي والإقليمي والدولي التي حظيت به حضرموت بشكل خاص"، ومن خلال هذه المدخلات يأتي الركن الثاني: عمليات التشغيل" والتي تشمل كيفية عمل وتشغيل مؤسسات الدولة، ودور السلطة المحلية بقيادة المحافظ مبخوت بن ماضي، وسلطة المجلس الرئاسي، بحيث ينتج عنة الركن الثالث: المخرجات" من حيث مدى تطبيق السلطات التشريعية الثلاثة للقوانين والقرارات، ومن خلال تنفيذ الصفقات والمعاملات وتفعيل هيئة الرقابة والمسائلة أمنيًا وقضائياً واقتصاديًا والدعم للمجتمع من خلال توفير الكهرباء، والمواد الأساسية والماء ....الخ، والذي ينتج عنه الركن الرابع: ردود الفعل " من قبل المواطنين، وكيفية التعبير عنها أما سلبًا أو إيجابًا، ويعتمد ذلك على مدى قبولهم أو اعتراضهم على أداء السلطة المحلية، والخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة في حضرموت، وجميع الأركان الأربعة تتحرك وتتفاعل داخل الركن الخامس للنظام السياسي، وهي البيئة المحيطة (داخل النظام، داخل الدولة، الإقليم، الخارج، وما يوفره النظام من فرص وتحديات أو تهديدات أو تدخلات من قبل دولة إقليمية ما قد تستغل سلطة وجودها داخل حضرموت بعقد صفقات واستثمارات اقتصادية، عبر احزاب ووزراء وقيادات فاسدة، وإنشاء قوات حزام أمني، وميليشيا قوات عسكرية، قد تساهم في تهدد السلم المجتمعي والأمني والسياسي والسيادي، بالسيطرة على الموانئ والأراضي النفطية والمعدنية والملاحة البحرية والجوية والجزر... ).

وفي حال تم تكريس استبداد السلطة المحلية والرئاسية والفساد في جميع المجالات الاقتصادية والتنموية والأمنية، قد تؤدي إلى انهيار النظام السياسي، وفي رأي أن بيان حلف حضرموت برئاسة الشيخ عمرو بن حبريش، قد أظهر الكثير من الإخفاقات وعمليات وقضايا الفساد في المؤسسات الأمنية على أثر استبعاد تجنيد أبناء حضرموت، والانتهاكات التعسفية التي تعرض لها أفراد من قوات النخبة الحضرمية، وعقبها الاعتقالات وانتهاك حرمة وكرامة المواطنين في المكلا وسرقة أموال ما يزيد عن ٣٠ منزل أثناء عملية ما سمي بميزان العدل!، وفساد مؤسسات الكهرباء وكذلك مؤسسات وموانئ استخراج وبيع النفط والغاز لشركات خارجية، بحسب بعض المستندات والوثائق التي يتم نشرها تباعًا، بينما خلال الأيام الماضية تم نشر وثائق فساد جديدة، تتعلق بصفقة بيع احتياطي نفط حضرموت وشبوة في باطن الأرض وخارجه، وذلك حسب تصريح نشره الخبير الجيولوجي الاستشاري في تنمية الموارد الطبيعية الدكتور /عبدالغني جغمان، في منصة X “ تمت الموافقة على البيع .. محضر اللجنة العليا لتسويق النفط يؤكد أن دولة الامارات ستتولى حماية تصدير النفط لمصلحة شركة(ايمو) ذلك يعني ان نصف مليار دولار مقابل الحماية سيذهب للإمارات عبر شركاته ” ، ”وقد وجه البرلماني الأستاذ محسن باصرة نائب رئيس مجلس النواب خطابًا إلى رئيس مجلس النواب، الشيخ سلطان البركاني تساؤلاً يطالب بتوضيحات حول هذه الصفقة الكارثية وعن كيفية بيع ما تحت الارض من نفط حضرموت وشبوة ولسنوات قادمة ؟ لشركة ايمو الاماراتية” .

وبناءً على الشواهد التي اثبتها البيان والوثائق النفطية، التي تم استحضارها وغيرها من قضايا الفساد، والتي يمكن مطابقتها مع الأركان الخمسة للنظام السياسي من مخرجات وتوجيهات وسياسات التشغيل التي أثبتت تفشي الفساد، وعليه تظهر التغذية الرجعية كردود فعل للمجتمع والقبائل في حضرموت، وفي ظل مخاطر البيئة المحيطة بحضرموت، هناك ميليشيا الحوثي في الشمال، والتي تعد أداة من الأدوات التي تحركها إيران، والتي حاولت باللعب على الأوراق والأجندات الإقليمية، لكسب تأييد شعبي لصالحها، وذلك بتوجيهها لمسيرات صاروخية، تدرك أنها صعبة الوصول لبعدها عن دولة الاحتلال إسرائيل، وأنها في مرمى رد القوات الدولية المتواجدة في البحر الأحمر، وفي حال تهورهم ولجوئهم لقصف السفن التجارية التي تمر من باب المندب أحد أهم المضائق الدولية والتي تشرف عليها اليمن، وهذا مستبعد في الوقت الراهن، إلا أنه وارد في حال تغيرت خارطة التحالفات في المنطقة ، وأيضا يعد خطر النزاعات المسلحة في شبوة وجنوب اليمن من قبل الفصائل والميليشيات المنشقة، والتي يصعب على رئاسة الدولة في عدن والمكلا من السيطرة عليها، والتي بدورها قد تشكل زعزعة لأمن حضرموت وللأمن القومي السعودي و الأمن البحري الدولي.

برأي البيان هام جداً، وتوقيته الآن له أبعاد حقوقية ومجتمعية واقتصادية وأمنية، ومن المهم أن يتم وضعه أمام الطاولة السياسية قبل إعلان بدء مجلس حضرموت الوطني لمهامه!.

وعليه أضع عدة تساؤلات اترك الإجابة، للمحللين والمختصين بقراءة المشهد السياسي في الساحة الحضرمية:

هل عدم جدية السلطة والرئاسي في مكافحة الفساد السياسي والإداري في حضرموت، سيظهر لنا صفقات فساد والتي قد تطال قطاعات أخرى نفطية وبحرية سيادية، كما ظهرت وثائق صفقة البيع لشركة إيمو؟

هل سيتم تجاهل بيان حلف قبائل حضرموت من السلطة المحلية، ومجلس الرئاسة، والقوى السياسية الفاعلة؟ 

هل سيظل حلف أبناء وقبائل حضرموت، كحاضنة شعبية مجتمعية صلبة، أم ستنجح المكايدات السياسية للمجلس الانتقالي وأحزاب الظل في انشقاقه؟

هل سيتبنى مجلس حضرموت الوطني البيان كورقة ضغط سياسية؟ 

ما هو الوضع القانوني لخصوصية عقود صفقات البترول في ظل التشريعات المنظمة للتعاقدات الحكومية في اليمن، وهل تعد شركة إيموأحد أكبر شركات الامتياز الدولية للتنقيب عن النفط؟

------------

 هوامش >>>

- توماس هوبز فيلسوف إنجليزي ولد عام 1588م، اشتهر بميدان فلسفة القانون والسياسة.

- أ.م.د أحلام محسن حسين، العالم ابن خلدون" نظريته في السياسة والعصبية"،مجلة التراث العلمي العربي ،العدد (١) ٢٠١٥

- د.عبدالغني جغفان، صفقة شركة ايمو، الحساب الرسمي تويتر.

- د عصام عبد الشافي، 16 سبباً لسقوط النظم السياسية ، الويب.