باعة متجولون
بقلم/ رشاد الشرعبي
نشر منذ: 10 سنوات و 6 أشهر و 11 يوماً
الأربعاء 16 سبتمبر-أيلول 2009 10:59 م

قبل حوالي عشرين عاماً اجبرتني الظروف المادية الصعبة للعمل كبائع متجول في العاصمة صنعاء لأشهر عديدة خلال عامين متتالين, وعايشت المعاناة التي يخوضها الآلاف من اليمنيين شباباً وشيوخاً وأطفالاً وألتحقت بهم مؤخراً النساء والفتيات بصورة مقلقة.

خلال الفترة التي عملت فيها تعرضت لصنوف شتى من الممارسات التعسفية واللاقانونية, بإستثناء الحبس بإعتبار أني كنت حينها في سن الأحداث, وعرفت معنى أن يهجم عليك أحد الأشاوس ويسلبك ماجمعته لساعات وربما أيام أو ينهبك رأس المال كله ويقذف به إلى صندوق سيارة البلدية لتختلط بضاعتك ببضاعة آخرين من نفس النوع أو أنواع أخرى, ومعنى أن يقذف بها في مخازن البلدية حتى تدفع الإتاوات أو تستعين بصديق أو معروف من حمران العيون, وستكتشف بالتأكيد أنها صارت ناقصة وقد عبثت بها الأيادي الأمينة.

كانت تجربة خضتها في أيام مختلفة عن هذه الأيام التي وصلت فيها القيم والمباديء إلى ادنى الدرجات إن لم تصر منعدمة, فكان أشاوس البلدية يخجلون من إقتياد الطفل والشيخ العجوز إلى السجن وكانوا يبتزون الناس على إستحياء.

 وكانوا يكتفون بملاحقة الباعة في إطار المكان الذين يفترشونه وعلى بعد أمتار فقط ولا يلاحقونهم من شارع إلى شارع, ولا يقتحمون غرف النوم واللوكندات ويطلقون الرصاص, وكانت الملاحقات تقتصر على عيد الثورة الوحيد الذي يحظى بالإحتفاء الكبير هو ذكرى ثورة 26 سبتمبر.

حالياً, الأمر أختلف كثيراً, فلاتقتصر الأعياد الوطنية التي يتم ملاحقة الباعة المتجولين فيها على 22 مايو و26 سبتمبر و14 اكتوبر و30 نوفمبر و17 يوليو و7 يوليو و27 ابريل, فحتى شهر رمضان صار موسماً مهماً للملاحقة والإبتزاز وقطع الأرزاق, وليس لإتاحة الفرصة للباعة المتجولين ليتمكنوا من كسوة أطفالهم وإطعامهم خلال رمضان وعيد الفطر ولو حالفهم الحظ عيد الأضحى, بدلاً عن الإنتظار لصدقات مؤسسة الصالح الوهمية.

الأسبوع الماضي حضرت لقاء جمع برلمانيين ومحاميين ونشطاء حقوقيين وصحفيين وضحايا (طازجين) من الباعة المتجولون وأصحاب البسطات وقيادة نقابتهم, ومماسمعته ومن خلال ما رأيت وجدت أن الحال وصل إلى حد لا يطاق ولم يبق أمام هذا الشعب إلا إعلان ثورة جديدة لا تهتم بتغيير الأشخاص كإهتمامها بتغيير القيم والممارسات السلبية التي تجاوز بها النظام الحاكم الأنظمة الإمامية والإستعمارية السابقة.  

أصابتني الدهشة للوضع الذي وصلنا إليه وانا أسمع الباعة الحاضرين يسردون قصص ملاحقاتهم من قبل أشاوس بلدية العاصمة وحكايات ما يتعرضون له من ممارسات تعسفية وإجراءات غير إنسانية, تتعارض ليس فقط مع المواثيق الدولية ونصوص الدستور اليمني والقوانين النافذة وأحكام الشريعة الإسلامية, ولكن مع أعراف وعادات وتقاليد القبيلة اليمنية التي يتفاخر بها الكثير من هؤلاء الأشاوس. 

فهم لا يصادرون بضائعهم فقط أو يعتدون عليهم في الشوارع ويشهرون السلاح الناري في وجوههم أو يضربونهم بوحشية بأعقاب البنادق أو يقتادونهم للسجون بصورة غير قانونية, بل يتجاوزون ذلك إلى الهجوم والإقتحام لمساكنهم وإلى غرف نومهم – إن كان يجوز إعتبارها غرف نوم- ويضربونهم ويعتدون عليهم بوحشية ويشهرون البنادق (مشحونة) إلى وجوههم وصدورهم, ووصل التأثر بأحد الباعة إلى القول أنهم يفعلون بنا مثلما يفعل الإسرائيليون (جنود الإحتلال) بالفلسطينيين.

هؤلاء الباعة في الغالب شباب أخذوا قسطاً من التعليم بعضهم تجاوز الثانوية والجامعة والبعض الآخر لم يتجاوزها وأجبرتهم الظروف للجوء لذلك بحثاً عن الرزق الحلال والإنفاق على أسرهم والوفاء بإلتزامات الحياة الأساسية, وهم عشرات الآلاف ومن غالبية المحافظات اليمنية – خاصة ذمار وإب وريمة وتعز- بهذه الممارسات والتصرفات يُدفع بهم نحو خيارات أخرى, حيث عصابات الإجرام والإرهاب والتقطع والتطرف.

الحكومة تتهمهم بتشويه المنظر البديع لمدننا التي تتأذى من هؤلاء البسطاء ولا تتأذى من فظائع وأفعال النافذين, ففي صنعاء بإمكان أي نافذ نصب خيمة للأعراس وسط شارع رئيسي ورفع مكبرات الصوت التي تتأذى منها أحياء كاملة, وآخرين يضعون المطبات وفق رغباتهم, وغيرهم يشيدون العمارات والفلل ويقطعون الشوارع ويتركون المخلفات ولا حسيب ولا رقيب, و..و...إلخ.

أعترف أن هناك بعض الأذى يسببه الباعة المتجولين لنا نحن المارة, لكن هذا لا يستدعي أن نطالب بزوالهم وقطع أرزاقهم وأرزاق مئات الآلاف من الأسر التي تعجز الدولة عن رعايتها, فقط نتمنى من حكومتنا ومجالسها المحلية وأمانة العاصمة التنظيم والتفكير بإيجاد الحلول المناسبة والواقعية.  

Rashadali888@gmail.com