حوار مع يمني سعيد
بقلم/ محمد الحمادي
نشر منذ: 10 سنوات و 9 أشهر و 6 أيام
الأربعاء 13 يناير-كانون الثاني 2010 07:44 م

قلت للشاب اليمني المبتسم: هل أنت سعيد؟ قال: نعم أنا سعيد... فقلت: لابد أن تكون سعيداً فالرئيس الأميركي أوباما أعلن أنه لن يرسل قوات إلى اليمن ولن يحارب في اليمن وأنه يكتفي بالحربين اللتين يخوضهما في أفغانستان والعراق وهذا نفي أميركي لأي خطط للتدخل العسكري في اليمن بشكل مباشر ضد "القاعدة"... ولابد أن تكون سعيدا، فالكونجرس الأميركي خصص جزءاً من جلسته الأسبوعي الحالي ليناقش الوضع الداخلي في اليمن وطرق دعمه.

كما أن العالم بأسره انتبه أخيرا إلى مشكلات اليمن، فها هي الدول تجتمع في لندن نهاية الشهر الجاري لمناقشة وضع اليمن ونشاط "القاعدة" فيه والحرب الداخلية في شماله والاضطرابات الجديدة في جنوبه. ولابد أن تكون سعيدا فالولايات المتحدة تخطط لمضاعفة تمويل المساعدات الأمنية من 70 مليون دولار إلى أكثر من 150 مليون دولار هذا العام. وما يجعلك سعيدا أن دول الخليج تضخ أكثر من 3 مليارات دولار لليمن من أجل مكافحة الإرهاب ودعم المشاريع التنموية هناك. وأن ألمانيا تقدم مساعدات تنموية لليمن بـ79 مليون يورو... لابد بأنك سعيد لأن الحكومة اليمنية أرسلت تعزيزات عسكرية إلى شرق البلاد لمحاربة مسلحي "القاعدة"... فكل هذه أخبار طيبة.

قال: أنا سعيد في بلد ابتلي بالقافين؛ القات و"القاعدة"... فالشعب يضيع 25 مليون ساعة يومياً في التخزين، سعيد أنا وحجم إنفاق الأسر اليمنية على القات يتجاوز 18 مليار دولار سنويا... فضلا عن أن شجرة القات تستنزف نحو 40 في المائة من المياه المستخدمة للزراعة.

سعيد، فأنا في بلد شبابه يعيش بلا أمل وجل حلمه أن يجلس ليخزن أفخر أنواع القات، أما العلم والدراسة فصارا من آخر اهتماماته.

سعيد أنا وقد اختار بعض أبناء شعبي طريق "القاعدة" والإرهاب ليضمنوا لقمة العيش وآخرين يعتقدون أنها الطريقة الأفضل للرد على الحكومة لأنها لا تعجبهم.

سعيد أنا في بلد يوشك أن يتحول إلى ساحة للإرهابيين من كل أطراف الأرض. سعيد أنا والتقارير تقول إن إرهابيي "القاعدة" في اليمن قد ازدادوا قوة خلال السنوات الثلاث الماضية.

سعيد أنا والنيجيري عبدالمطلب يقول إن 20 انتحاريا تدربوا في اليمن على تفجير الطائرات!

سعيد أنا وفي بلادي مدارس دينية تعلم المسلمين العنف والتطرف وقتل الآخرين وكأن الإسلام دين دم وقتل.

سعيد أنا في بلد صار ينال شهرته بين بلاد العالم بسبب معدلات اختطاف الأجانب فيه واحتجازهم كرهائن وطلب الفدية للإفراج عنهم، إذ تعرض للاختطاف فيه خلال الست عشرة سنة الماضية أكثر من مائتي أجنبي أُفرج عن بعضهم وقُتل آخرون.

سعيد أنا وولاءات الناس في بلدي مقسمة بين متمردين وانفصاليين وسلطة أضعافها تكالب المعارضين، مع احتمالات انقسام البلاد إلى ثلاثة أجزاء؛ جزء تحت نفوذ الحكومة الحالية، وجزء تحت سيطرة الحوثيين، وجزء آخر تحت سيطرة الجنوب.

سعيد أنا في ظل واقع اجتماعي صار الفاسدون يعلنون عن أنفسهم بلا حياء.

سعيد أنا في بلد شماله مشغول بحرب مع جماعات تدعمها أطراف دولية، وجنوبه لا تتوقف فيه المظاهرات والاعتصامات والمطالبات بالانفصال.

سعيد أنا في بلد عربي يعاني من كل أنواع المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية... وأشقاؤه العرب ينظرون إليه رغم كل ما فيه من مآسٍ ولا يتحركون إلا للمشاركة في مؤتمر دولي تدعو إليه لندن!

سعيد أنا والدول العربية وجامعتها تتفرج على ما يحدث في اليمن، بينما تعلن تركيا استعدادها للمساعدة في إنهاء القتال بين الحكومة اليمنية والمتمردين الحوثيين.

سعيد وأنا أعيش في بلد به نفط وثروة معدنية وزراعية وثروة سمكية هائلة ويطل على بحرين وعلى مضيق استراتيجي، لكن أغلب شعبه تحت خط الفقر.

رغم كل ذلك وأنت سعيد.. فعلا هذا أمر مثير؟! قال: من هو سعيد؟ فسعيد ليست صفة ولا هي حال ولا هي خبر.. سعيد يا عزيزي مجرد "اسم" أطلقه عليّ والدي قبل أكثر من ثلاثين عاماً وليس لي منه إلا حروفه أما معناه ومقصده فهما لغيري... أما السعيد فهو من يعيش في بلد يحترم إنسانيته ويعمل على بناء المواطن.

هذا الحوار مع مواطن يمني يلخص مشكلة اليمن ويكشفها ببساطة، ومن جانب آخر يؤكد أن أخطر ملف يواجه دول الخليج والدول العربية اليوم هو الملف اليمني والوضع الداخلي فيه؛ فبعد سنوات من تجاهل العرب ودول العالم لما يحدث في اليمن فتحت حادثة محاولة تفجير الطائرة الأميركية نهاية العام الماضي أعين العالم على اليمن لينتبهوا إلى أن أشياء خطيرة تحدث على تلك الأرض تؤثر على العالم بأسره. والملفت ليس انتباه الغرب لليمن لأنه طبيعي بحكم أن الغرب يريد حماية نفسه وحماية مصالحه في العالم، لكن الملفت هو الموقف العربي المتفرج على الوضع وعدم اتخاذه أي إجراء عملي وكأن اليمن لا يقع في موقع استراتيجي وكأنه لا يطل على خطوط الملاحة التجارية التي تربط بين دول أوروبا ودول آسيا وكأنه لا يطل على ممرات بحرية حيوية؛ مثل خليج عدن وبحر العرب، وكأنه لا يشرف على منابع النفط في الخليج، وكأن استغلال الإرهابيين لأي من هذه المواقع الاستراتيجية لن يكون ضاراً بالجميع!

التحرك العربي مهم لسبب بسيط لأن التحرك الغربي يعاني من قصور شديد في مسألة التعامل مع مشكلة الإرهاب وأكبر دليل على ذلك حرب الثماني سنوات التي مضت ضد "القاعدة" وما يزال الإرهاب موجوداً. فالتعامل الأمني والعسكري أثبت فشله في هذه الحرب ولابد من تغيير استراتيجية التعامل مع "القاعدة" والإرهاب بشكل عام. أما في حالة اليمن فمن الخطأ اختزال أزمته في الأمن والإرهاب. فهناك مشكلات لا أول لها ولا آخر في الداخل يجب عدم تجاهلها؛ هناك الفقر والبطالة والفساد... وكلها أدت إلى وجود الحوثيين والحراك الجنوبي و"القاعدة".

أما مؤتمر لندن الذي سيعقد في 28 من الشهر الجاري فهناك شك في نجاحه خصوصا فيما يتعلق بمصالح المنطقة العربية. فقد يحقق الغرب أهدافه من هذا المؤتمر، لكن بالنسبة لليمن ودول الخليج فإن توقعات تحقيق المؤتمر للأهداف التي تتطلع إليها ستكون محدودة جداً. والأسباب كثيرة أهمها أن محاور المؤتمر تتكلم عن المشكلات التي يعاني منها اليمن دون أن يلتفت إلى الأسباب الحقيقية لظهور تلك المشكلات، ومنها ما تكلم عنها "سعيد".

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية