قراءة في إعلان الحوثيين ونتائج الحرب ومستقبل الأزمة
بقلم/ محمد الغابري
نشر منذ: 10 سنوات و 8 أشهر و 17 يوماً
الأربعاء 10 فبراير-شباط 2010 05:27 م

حرب الأرض المحروقة.. إيقاف مع بقاء الأزمة

الحرب السادسة بين الـ11 من أغسطس 2009 و30 يناير 2010 (سته شهور إلا قليلاً)، شهدت بعض المحطات النوعية أبرزها سقوط مديرية رازح وعبور الحوثيين الحدود إلى المملكة، ماعدا ذلك فقد ظل الجمود هو الطابع السائد. صحيح أنها شهدت استخدام الطيران بكثافة، لكن ظل الطرفان على حالهما؛ لم تستطع السلطة تحرير حرف سفيان وفتح الطريق ولم ينجح الحوثيون في تحقيق اختراق نوعي مثل السيطرة على عاصمة المحافظة (مدينة صعدة)، وكانت الحرب الخامسة أكثر تقدماً بالنسبة إلى الحوثيين بالاقتراب من العاصمة ونقل الحرب إلى منطقة بني حشيش.

السلطة لم تحقق في الحرب السادسة انتصارا محدداً. قد ظلت في مواقع في حالة الكر والفر، بل إن طرق الإمدادات والعبور إما بالطيران أو عبر السعودية..

أما الخسائر فإن ما هو مؤكد أن اليمن عامة خسرت الكثير من أبنائها وشرد الكثير من مواطنيها في صعدة وحرف سفيان ودمرت الكثير من الممتلكات، وخسر الطرفان على المستوى الأخلاقي عبر الجثث التي لم يكن يسمح كل طرف للآخر بسحبها ودفنها.

• تميزت الحرب السادسة بحضور إعلامي مكثف للحوثيين وعبر شبكة الإنترنت على نطاق واسع، إضافة إلى تأييد إعلامي واضح من قبل قناة العالم الإيرانية الناطقة بالعربية.

• كثرت في الحرب السادسة المشاهد للأسرى من الجنود، والأخبار عن تسليم كتائب. ولواء، ومخازن أسلحة.

• تفاقم الأزمة الإنسانية، وتقدير بعض المنظمات الإنسانية أن عدد النازحين وصل إلى 250 ألفاً مع ظروف غاية في الصعوبة، فضلاً عن أسر لم تصل إليها المنظمات ولم تتمكن من مغادرة ديارها.

3 فرضيات

إعلان الحوثيين القبول بالنقاط الخمس + نقطة، قبل ذلك انسحابهم من أراضي المملكة.. يطرح الكثير من الأسئلة: هل هي مؤشرات على هزيمة أم انتصار؟ هل توجد أطراف أخرى؟

ما مستقبل أزمة صعدة؟ وما مصير الحوثيين؟

• الفرضية الأولى

إعلان الحوثيين عملية إستباقية لوجود قناعة لديهم بأن استمرار الحرب لم يعد في صالحهم، وأنهم إن لم يعلنوا الانسحاب والقبول بالنقاط مع استمرار الحرب قد يؤدي ذلك إلى هزيمتهم عسكرياً ومن ثم ملاحقتهم وقتلهم واعتقالهم ومحاكمتهم وليس التفاوض معهم. تلك الفرضية يعززها أن الإعلان جاء مخاطباً الطرفين: صنعاء والرياض.

إن عبور الحدود كان مجازفة قد أدت إلى اتخاذ إجراءات سعودية، منها: قطع الإمدادات الخارجية ( الإيرانية) المفترضة عبر إخضاع منطقة واسعة من المياه اليمنية للمراقبة الجوية والبحرية، واعتبار منطقة تمثل عشرة كيلو داخل الأرض اليمنية منطقة نارية معزولة.

ماتم تدواله من أخبار عن خطط سعودية تمثلت في صنع أفخاخ للحوثيين والإغراء بمعدات وأسلحة جديدة تكون في متناولهم وقد زودت بأجهزة رصد وإرسال معلومات مكنت الطيران السعودي من اصطياد كثير من الحوثيين، وشعور الحوثيين بأن مؤتمر لندن قد أعطى السلطة دعماً معنوياً واسعاً قد يجعل من حرب صعدة حرباً منسية.

• الفرضية الثانية

إن إعلان الحوثيين لا يعبر عن ضعف وإنهم ربما أرادوا به إظهار أنهم الطرف الأحرص على إيقاف الحرب ولإحراج السلطة والسعودية معاً، كما أنهم يستفيدون من حالة وقف الحرب لإعادة التنظيم.. يعزز هذه الفرضية الشواهد التالية:

1. انسحابهم بإرادتهم من أراضي المملكة ولو لم يكن بإرادتهم لأعلنت السعودية هزيمة الحوثيين وإخراجهم عنوة.

إن التصريحات التي صدرت عن خالد بن سلطان – مساعد وزير الدفاع – جاءت على مرحلتين؛ الأولى: أنهم يدرسون عرض الحوثيين وقد أصدروا بيانا بعد أكثر من ثلاثة أيام الأخرى: القول بأنهم أرغموا الحوثيين على الانسحاب. ثم إن البيانات السعودية ظلت متضاربة بشأن الموقف؛ فقد صدرت إعلانات متكررة عن تحرير جبل الدخان وصلت ثلاث مرات 28،14،4 /11/2009، ثم استولى الحوثيون على منطقة الجابري – أكثر عمقاً – وصدر بيان سعودي عن إمهال الحوثيين 48 ساعة للمغادرة وهو إعلان مثير للدهشة أن تعطي قوات معادية مهلة ثم تبين أن الحوثيين ظلوا أكثر من ثلاثة أسابيع حتى أعلنوا هم انسحابهم.

2. لم يحقق الجيش انتصارا نوعياً أو أحدث تغييرا جوهريا في مسار الحرب فيقال أنه قد تم إجبار الحوثيين على إعلان قبولهم بالنقاط؛ فحرف سفيان لا تزال منطقة قتالية والطرق مقطوعة والاشتباك في صعدة القديمة وفي الملاحيظ لم يتوقف.

3. الإعلان عن تشكيل لجنة من أعضاء مجلس النواب للإشراف على تنفيذ الحوثيين للنقاط الخمس؛ ولو كان الإعلان من قبل الحوثيين عن هزيمتهم لتم إجبارهم على التنفيذ من دون لجنة.

الفرضية الثالثة

إن الحرب السادسة قد وصلت إلى حالة من الجمود الذي يجعل من استمرارها مكلفاً لأطرافها دون أفق. ومع انعقاد مؤتمر لندن تم الحديث عن مؤتمر في الرياض، إضافة إلى الحرب على القاعدة.. كلها قد أدت إلى اتفاق بين الأطراف على وقف الحرب، وأن اتصالات بين السلطة والحوثيين قد جرت للخروج بصيغة لوقف الحرب من بينها أن يعلن الحوثيون انسحابهم من الجانب السعودي للحدود ويعلنون قبولهم بالنقاط الخمس + واحدة، ولو يكن ذلك على المستوى اللفظي ثم يكون التفاوض بشأن النقاط.

وذلك لاعتبارات منها أن السلطة لايمكنها إيقاف الحرب دون إقرار من الحوثيين بالنقاط، والا تكون هزيمة ساحقة قد لا يتعافى منها أبدا لذلك تم الاتفاق مع الحوثيين على قبولهم بالنقاط لتبدو السلطة وكأنها قد حققت ما أعلنته منذ اليوم الأول للحرب السادسة، على الرغم من أن ما هو قائم على الأرض لا يعطي مؤشرات على أن السلطة قد انتصرت وحققت أهدافها المعلنة.

• هنا من المحتمل أن يراهن الحوثيون على مايصاحب حالة وقف الحرب - والتفاوض لتنفيذ الاتفاق من اختلاف على التفاصيل، مع بقائهم مسيطرين على مواقع ذات أهمية تمكنهم من فرض شروط قد تكون بعضها غير معلنة.

لذلك ليس غريباً ولا خارج المألوف أن يتم الإعلان عن وقف الحرب في صعدة ثم لا تلبث إلا أياما وتأتي الأخبار والشكوى من كل طرف بوجود عدوان عليه من الآخر، وأنه ينقض الإتافاقات المبرمة.

• قد يكون هناك طرف / أطراف خفية دفعت أطراف حرب صعدة للاتجاه نحو وقفها.

وتبقى بعض الأسئلة مثل!

ما دور إيران في الحرب وقفاً واشتعالا؟

ما الأطراف التي لها تأثير على أطراف الحرب مجتمعة؟

هل إيقاف الحرب مقدمة لإنهاء الأزمة (أزمة الحوثي وحرب صعدة)؟ أم أنها لا تعدو عن هدنة مؤقته قابلة للاشتعال في أية لحظة؟

هل من مصلحة السلطة إبقاء الأزمة قائمة أم البحث عن حول جذرية لها؟

حتى اللحظة أثبتت الأحداث أن أزمة صعدة ورقة من أوراق اللعبة لدى السلطة، وأنها لا تتوفر لديها الإرادة لإنهاء الأزمات.. ذلك من وجهين؛ الأول: إنهاء الأزمات مع بقاء الحال على ماهي عليه - أي مع وجود السلطة الحالية – شأنان متعارضان تعارضا بيناً

الوجه الآخر: أن الأزمة وسيلة للاستمرار على سرج السلطة.

حقائق الحرب السادسة

كشفت الحرب السادسة عن مجموعة من الحقائق أهمها:

1. أن الحرب تعبر في جوانب منها عن وجود صراع محموم على السلطة، وأن ما صار متداولا من رغبة أحد الإطراف بإضعاف اللواء علي محسن تتجاوز شخصه إلى إضعاف تشكيلات من الجيش اليمني الوطني والقوات النظامية كالفرقة والعمالقة لصالح قوات موازية ولوجود اعتقاد بأن، الفرقة والعمالقة قد يكونون الجهة الوحيدة القادرة – إن أرادت – على الحيلولة دون التوريث.. أو القيام بانقلاب.

يعزز ذلك ما نقله أحد المواقع الإلكترونية في 6/ 2008 للكاتب منير الماوري عن الدكتور الإرياني من تفسير يبدو منطقيا لحرب صعدة وماجاء فيه من وجود مخاوف من وقوع انقلاب عسكري وقيام القوات الموازية بامداد الحوثيين، ثم ماذكره الشيخ/ حميد الأحمر لبرنامج الملف – قناة الجزيرة – 11/ 1/ 2010 - أن يوسف المداني القائد الميداني للحوثيين في حرف سفيان مرتبط بعلاقة صداقة مع قائد الحرس الجمهوري

2. أن الحرب وسيلة للبقاء وورقة ضغط على الخليج من مخاوف خليجية من توسع للنفوذ الإيراني.

3. قد يكون إضعاف الجيش اليمني هو الهدف المشترك لجميع الأطراف من صنعاء إلى الرياض وطهران مروراً بالحوثيين، وكل طرف له دوافعه المختلفة عن الآخر.

ثانياً: كشفت الحرب السادسة أنه لا توجد دولة حقيقية لا في اليمن ولافي السعودية.. ولئن كانت في اليمن حقيقة معاشة، فإن عبور الحوثيين وبقاءهم لفترة طويلة – نسبياً – وعجز الجيش السعودي عن هزيمتهم على الرغم من توفر إمكانات هائلة، قد كشف عن أن السعودية خالية من المؤسسات، وأن هناك إرادة لإبقاء الجيش في مستوى متدن وذلك للمخاوف من الانقلابات العسكرية كما هو شأن الأنظمة العربية. أي أنه في اليمن والسعودية توجد سلطات لا تسمح بظهور قيادات عسكرية تتمتع بالذكاء والمهنية والاحتراف.

2. كشفت عن قصور الرؤية أو غيابها لدى المملكة كما هي لدي اليمن.

كل المعطيات منذ ظهور الحوثيين عام 2004 تدل على أنها جماعة ( معادية)، بالضرورة يقتضي ذلك اتخاذ إجراءات احترازية من بينها إخلاء المناطق المتاخمة بطرق تدريجية وجعلها منطقة محظورة وقطع الإمداد لاسيما مع غياب الدولة في اليمن عن مياه ومناطق.

لتكشف الأحداث عن غفلة واسعة؛ فالحوثيون سيطروا على مناطق وحفروا مواقع وخزنوا أسلحة لتبدو المملكة وقد أخذت بالمفاجأة.

كشفت الحرب السادسة عن وجود إيراني حقيقي؛ فقد تحدث مسئولون إيرانيون بكل وضوح عن أن إيران معنية بصعدة، بل قد ذهب الكاتب العراقي فاضل الربيعي إلى القول أن حضور إيران طبيعي لأسباب استراتيجية ( الممرات المائية) وتاريخية.

• الموقف الأمريكي

غداة عبور الحوثيين للحدود، قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة تعبر عن القلق من الاعتدءات على السعودية. التعبير عن القلق اقل مستوى في التعبير عن الموقف؛ وكأن المسئولون الأمريكيون قد أبدوا سلبية مفرطة تجاه الحديث عن تدخل إيراني، قائلين إنهم لم يجدوا أياد إيرانية في حرب صعدة.

المستقبل

1. إن إعلان الحوثيين وقيام الرئيس بتشكيل لجنة إشرافية ( بدلا من الوساطة) ليس نهاية المطاف، ولا يمكن إنهاء الأزمة بوقف الحرب. فالحرب في جولاتها الست كانت تنتهي بالاتفاق والتفاوض.

يمكن النظر إلى المستقبل (مستقبل أزمة صعدة) من جوانب وزوايا متعددة:

1. أنها جزء من أزمة شاملة، ومن ثم لا تجدي معها الحلول الجزئية. أي لا يمكن إيجاد حلول بديلة إلا في إطار حلول شاملة للأزمة اليمنية والتي من بينها وجود نظام يعبر عن الإرادة العامة للشعب ويخضع للرقابة والمسائلة.. نظام يرضي جميع المواطنين ويقنعهم بأن الدولة دولتهم جميعاً.

2. أن يتخلى الحوثيون عن تطلعاتهم في قيام نظام مذهبي على جزء من اليمن.

3. أن تتخلى الأطراف الإقليمية عن التدخل في الشئون اليمنية. ولن تتخلى عن ذلك ما لم يكن هناك نظام وطني لديه مشروع يستطيع من خلاله إيجاد بيئة رافضة لأي تدخل خارجي على المستويين الإقليمي والدولي.

4. لما كانت المعطيات القائمة تقول أنه لا يوجد أي من الشروط السابقة، فإن الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها.

- قد تخبو أزمة صعدة لتكون ناراً تحت الرماد تنتظر الفرصة للإشتعال من جديد.

- قد يكون إيقاف الحرب السادسة محطة أو هدنة مؤقتة وليس إنهاء للأزمة والحرب.

- إن إشكالية الحوثية تزداد، وتعتبر السلطة طرفاً رئيسياً في توفير البيئة الملائمة لنموها.

إن الحوثية تسعى لاستعادة ما تعتبره حقاً الدولة الإمامية السابقة، ومن ثم فإنها وان سلمت بإنهاء الحرب فإنها تظل تعمل على توسيع نفوذها مما يؤجج الصراع ويجدد الحرب.

إن ما هو مرجح أن أزمة صعدة وحربها غير قابلة للإنهاء وأن المنطقة قد تشهد حرباً سابعة في أي وقت من هذا العام طالما أن أسبابها ودوافعها قائمة.

*عن صحيفة العاصمة