لا أتقرب لحراك،والشمال لم يكن ملجأي الوحيد(8)
بقلم/ نجيب قحطان الشعبي
نشر منذ: 12 سنة و شهر و 27 يوماً
الأحد 13 يونيو-حزيران 2010 05:58 م

سلسلة حلقات مقالي بالعنوان أعلاه، بدأتها على اعتبار أنها ستكون حلقتين وربما تطول لثلاث، لكن تحت إلحاح بعض القراء الكرام تواصلت إلى ثمان! ولا يزال القراء يطالبونني بالمواصلة لكنني أرغب بالانتهاء لانتقل للموضوعات التي أشرت إليها في مقالي الفائت(عيد بلا فرحة!) وهي "وحدة تخسر جنوباً"، "غياب تمثيل الجنوب في السلطة والمعارضة"، "عزبة الخولاني"، "الوحدة بين المشروعية والشرعية"، "حكومة تبيع أبناء الجنوب"..

مع حسين الشافعي

وحسين الشافعي هو من الضباط أعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو1952المصرية، وصار نائباً لرئيس الجمهورية في عهدي الرئيسين عبدالناصر والسادات.

في عام 1972م وعندما كان نائباً للرئيس السادات، كنت طالباً بكلية الطب ووجدت أن ميولي أكثر نحو العلوم السياسية وكان التحويل من كلية لأخرى شيئاً صعباً فذهبت إلى مكتبه وسلمت لمدير مكتبه رسالة للشافعي أرجوه فيها أن يوجه بنقلي من كلية الطب لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بنفس الجامعة (القاهرة).

في صباح اليوم التالي اتصل بي سكرتير الشافعي وطلبني للحضور فذهبت فأبلغني "سيادة النائب عاوز يشوفك" وبعد دقائق كنت في حضرته فاحتضنني مرحباً كأب، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، وسألني عن حال والدي فحكيت له فأستاء كثيراً ووصف السلطة في عدن بالإجرام، وطلب أن أنقل تحياته لوالدي ثم أحاطني بأنه قد أمر وزير التعليم العالي بتحويلي للاقتصاد والعلوم السياسية، ونادى سكرتيره فأعطاني رقم وتاريخ الأمر، وفي غضون أسبوع تمت إجراءات التحويل.

الشافعي رجل محترم وقوي الشخصية، وطلب مني إخطاره بأية مشكلة أواجهها في مصر ويستطيع هو أن يحلها, وطلب أن أزوره بين الوقت والآخر.

أمضيت العطلة الدراسية الصيفية بعدن بين أشقائي ووالدتي، وخلالها سمحت لنا السلطة بزيارة والدي فحكيت له عن زيارتي للشافعي وأبلغته تحياته فطلب أن أنقل إليه بالمثل تحياته وقال لي بأن مصر ليست القاهرة والإسكندرية فقط ففي الجنوب تقع الأقصر أرض التاريخ المصري القديم وأسوان التي بني فيها السد العالي، ووجهني بأن أطلب من الشافعي بعد عودتي لمصر أن أزور الأقصر وأسوان بالقطار, سألته لماذا بالقطار؟ فقال بأن المسافة هي حوالي ألف كيلو متر تقطعها الطائرة في أكثر من ساعة ولن أشاهد معالم مصر جيداً من الطائرة فالقطار أفضل وسيقطع الرحلة لأسوان في حدود 20 ساعة، وقال "سترهق لو أمضيت كل هذا الوقت عل مقعد القطار فأطلب أن يحجزوا لك غرفة نوم بالقطار".

عدت للقاهرة وذهبت لزيارة الشافعي وأبلغته تحيات والدي ورغبتي في زيارة معالم الأقصر وأسوان على أن تحجز لي غرفة نوم بالقطار، فرحب وحتى قال "غريبة إنك عاوز تزور الأقصر وأسوان أنا ما أعتقدش أن أي طالب وافد يسعى لزيارتها" فقلت له بأنها فكرة والدي.

في اليوم التالي اتصل سكرتيره وأبلغني بأنه تم الترتيب لأمضي ثلاث ليال بالأقصر وليلتين بأسوان واعتذر لعدم وجود غرفة نوم بالقطار فكلها محجوزة ولذلك "السيد النائب أمرنا بأن نقطع لك تذكرة سفر بالطائرة" فأحطته برغبتي بالسفر بالقطار ولو بعد أسبوع أو أسبوعين، وبعد ساعة أتصل ليحيطني بأن جميع غرف النوم بالقطارات المتجهة للأقصر وأسوان مشغولة لشهر مقدماً فموسم السياح الأجانب في أوجه، وسألني ما العمل؟ فأجبته بأنني سأفكر وأرد عليه لاحقاً، لكنني بعد ذلك انشغلت بدراستي وفترت همتي فلم أتابع الأمر.

عطلة صيف العام التالي قضيتها كالعادة في عدن ولم تسمح لنا السلطة بزيارة والدي وحاولت مع جميع قادة الدولة أن يسمحوا لي على الأقل بزيارته بمفردي ولو حتى لأسلم عليه قبل عودتي القاهرة, فلم يستجيبوا، وهكذا عدت للقاهرة بعد أن حرمني "الرفاق التقدميين!" من زيارة والدي الذي لم أره منذ عام كامل.

وذهبت لزيارة الشافعي فاستقبلني بالترحاب المعهود.. وسألني عن أخبار والدي فأجبته بأنني لا أعلم أخباره، سألني "ليه؟ أنت ما شفتوش؟" فأجبته بأنني لم أراه، وسألني عن السبب فأخبرته بأنني حاولت كثيراً مع كل قادة الدولة ليسمحوا لي برؤيتة فلم يستجيبوا، سألني "قعدت هناك أد أيه؟" لقد ظن بأنني أمضيت في عدن فترة قصيرة بحيث لم أتمكن من رؤية والدي، فقلت له "3 شهور" فعاد بظهره إلى الخلف مندهشاً وقال "3 شهور ولم يسمحوا لك بزيارة والدك؟!" فأجبته بنعم فقال بنبرة غضب "صحيح أنهم سفلة" (يشهد الله العظيم بأن الشافعي وصف السلطة بعدن بهذا الوصف وهو "سفلة").

وكانت تلك آخر مرة زرت فيها الشافعي فبعدها نحاه السادات وعين حسني مبارك نائباً له. وكانت آخر مرة شاهدته فيها هي في 1999م ببرنامج "شاهد على العصر" بقناة الجزيرة، وبرز وفاءه في دفاعه بشدة عن عبدالناصر، وطغت قوة شخصيته على محاوره "أحمد منصور" كلما حاول منصور التهريج.

توفي الشافعي في 2005م عن عمر قارب 87 عاماً، يرحمه الله ويسكنه واسع جنته.

دعوة ليبية

لم يمض على استقرارنا بصنعاء في1981م غير أسابيع إلا وزارني القائم بالأعمال الليبي بصنعاء (التومي الزوام) وعرض علي أن ننتقل لنعيش في ليبيا، سألته عن السبب فقال "وضعكم هنا لا يليق بأسرة قحطان الشعبي فهو لم يكن مجرد رئيس لبلاده ولكنه كان زعيماً عربياً كبيراً قاد نضالاً بالكفاح المسلح حتى تحررت بلاده من الاستعمار البريطاني وأقل شيء يقدمه له الحكام المؤمنون بالقومية العربية إحتراماً لتاريخه هو أن يرعوا أسرته ويجعلوها تعيش حياة كريمة" وأضاف "وأؤكد لك بأنكم إذا انتقلتم إلى طرابلس فستعيشون في رعاية العقيد القذافي شخصياً" فأجبته "وهنا أيضاً تعيش أسرة قحطان الشعبي في رعاية العقيد علي عبدالله صالح شخصياً" قال "لم تمنحوا بيتاً ملكاً بصنعاء" فأجبته بنعم، قال "ورغم كثرة عددكم منحتم سيارة واحدة فقط" فأجبته بنعم، سألني "ما الراتب الشهري المقرر لكم؟" فقلت بأنه 8500 ريال فدهش, قلت "ولعلمك فإنه كان 6500ريال بإعتبار أن والدي كان مستشاراً للرئيس السلال بدرجة وزير فراجعت رئيس الحكومة –عبد الكريم الإرياني- فأمر براتب وزير عامل فأضيفت ألفي ريال هي بدلات الوزراء, وسأدهشك أكثر فمن هذا الراتب نسدد قيمة استهلاكنا للكهرباء والمياه والهاتف وبنزين السيارة" فقال "انتقلوا لطرابلس وستعيشون حياة سعيدة" فأجبته بأن الأمر لا يعنيني وحدي فليمهلني.

وتشاورت مع بقية أفراد الأسرة وارتأينا أنه وإن كان وضعنا بصنعاء أقل بكثير مما كنا عليه في القاهرة إلا أننا أهل أصول لذا سيكون من العيب في حق الرئيس أن نترك اليمن وننتقل إلى ليبيا, وصحيح أن وضعنا المادي صعب لكننا لم نتعرض في الشمال لأذية أو معاملة مهينة مما يبرر مغادرته.

وهكذا اعتذرت للزوام وبلباقة إذ شكرته على الدعوة وطلبت نقل تحياتنا للعقيد القذافي وقلت له بأنه وإن كان وضعنا المعيشي في صنعاء غير لائق إلا أننا لا نريد الإساءة للرئيس بأن نرحل عن اليمن, وكان الزوام رجلا رزيناً ودمث الأخلاق فتفهم موقفنا وقال تذكروا دائماً بأنه لكم في ليبيا وطن.

ملاحظة: في حديث للعقيد القذافي لمحطة MBC منذ سنوات ذكر اسم قحطان الشعبي مع أسماء عمر المختار وعبدالقادر الجزائري وعبدالكريم الخطابي وحياهم كقادة لحروب تحرير بلدانهم من الاحتلال الأجنبي وقال بأن الأمة العربية في حاجة اليوم لألف رجل من أمثال هؤلاء الرجال.

متى كنت سأرحل عن اليمن الشمالي؟

منذ 1981م فكرت اكثر من مرة في الرحيل عن اليمن الشمالي لكن اسرتي وأشقائي كانوا يراجعونني, والمرة التي سرت فيها فعلا في طريق الرحيل كانت في1981م عقب إستقرارنا بصنعاء فقد قام محمد رزق الصرمي (كان مديراً للنشاط السياسي بجهاز الأمن الوطني, وحاليا الوكيل الأول لأمانة العاصمة, رأيته لآخر مرة منذ نحو10 أعوام) بأستدعائي وشقيقي ناصر ووجه لنا تهمة سياسية كاذبة فرفضنا كلامه, فقال بأن لديه تقارير كتبها أصدقاء لنا, ودار حديث طويل انتهى بأن قال "لا تخلوني أقوم وأجيب لكم التقارير" فقلت "قم وهاتها" فقال "يعني بتتحداني" قلت"ايوه بتحداك فليس لديك تقارير" فترك الغرفة ثم عاد وهو يبتسم وأقر بعدم وجود تقارير ولا تهمة وقال"وجهت تهمة لتخافوا فلم تخافوا, فكلمتكم عن التقارير لتخافوا فلم تخافوا فناصر ظل هادئاً أما أنت فقلبت صورتك فوقي" ثم قال عبارة غريبة فسألناه عن معناها فأوضح بأنها مثل شعبي وكان فيها إشادة بنا.

وحتى لا أطيل على القارئ, ذهبت في صباح اليوم التالي لعبد العزيز عبد الغني–وهو غني عن التعريف- وسلمته رسالة للرئيس بأننا قررنا مغادرة اليمن طالما أن الأمن الوطني استدعاني وشقيقي ليوجه لنا إتهاماً باطلاً, ولا داع أن أطيل فأسرد حواري مع عبد الغني, فبإختصار إمتص غضبي بطيبته وتقديره للمشكلة فقد أكد لي بأن ذلك تصرف فردي خاطئ من الصرمي "فهو لا يعرف من أنتم ولا أنكم جئتم بدعوة من الرئيس شخصيا"ًوأقنعني بعدم رفع الرسالة للرئيس لأنه سيغضب وسيتخذ إجراء وقال ضاحكاً "إلا إذا تريد تنتقم من الصرمي" فقلت "بالعكس فهو كان مهذباً معنا طوال اللقاء ولم يجرحنا بكلمة ولكننا مستاؤون لأنهم استدعونا بتهمة غير صحيحة" فطلب أن أمزق الرسالة وهو سيتكلم مع غالب القميش(رئيس جهاز الأمن الوطني, رئيس جهاز الأمن السياسي حالياً) ليحيط الصرمي وغيره من مسؤولي الجهاز بأننا جئنا لصنعاء بدعوة من الرئيس. فمزقت الرسالة واعتبرت الأمر منتهياً.

بين حكام عدن وصنعاء

وأختتم ذكرياتي المختصرة عن تلك الفترة, بأن أقدم فيما يلي مجرد أمثلة تبين الفارق الأخلاقي في التعامل مع أسرة قحطان الشعبي في كل من عدن وصنعاء.

في ليلة14 أكتوبر1976 تزوجت في عدن بزميلة دراسة بالقاهرة, وبعدها بأيام سمح لنا بزيارة والدي فشاهد صور الزفاف ولاحظ كثرة المعزومين وعلم بأن كل المدعوين حضروا وبأننا لم ندعو عائلة أحد من السلطة عدا واحدة لإرتباطنا الوثيق والقديم بها, فقال "مش بعيد يتخذوا- أي السلطة- إجراء طفولي فأكيد كانوا يظنوا أن الناس ستخاف من حضور حفل الزفاف ولكن مادام المعازيم كلهم حضروا فسيعتبرون هذا إستفتاء بأن الشعب وبعد مرور 7سنوات على 22يونيو1969 غير مقتنعين بهم كحكام وأنه برغم كل التنكيل والقتل الذي حصل للشعب فإن الناس لا يخشونهم بدليل انهم حضروا عرس ابن قحطان الشعبي, وثانياً سيزعل المسؤولين منكم لأنكم تجاهلتوهم ولم تعزموا أسرهم, وثالثاً سيغتاظوا لأن حفل الزفاف كان في ليلة14أكتوبر فهم يعرفوا أن هذه الثورة انا الذي صنعتها بتصميمي وجهدي ولم يكن لأي واحد منهم دور في صناعتها وإنما التحقوا بها بعد إنطلاقها".

وبالفعل فوجئنا بعدها بالسلطة تمنعنا من العودة للقاهرة لمواصلة دراستنا! فطلب مني والدي أن أهرب أنا أولا وأتفقت معه على الطريقة فهربت, وبعد ذلك ظلت زوجتي ووالدها يراجعون كل المسؤولين وبدون إستثناء وتجلت سفالتهم مجدداً في ردهم الموحد عليها "من قلك تتزوجي ابن قحطان الشعبي؟" بإستثناء علي عنتر الذي قال لها لا أقدر أعمل شيئ فقد إتخذوا قراراً في المكتب السياسي بمنعك من السفر!(هكذا كان اليمن الجنوبي يحكم! فالمكتب السياسي للتنظيم السياسي الحاكم كان يناقش "فلان تزوج بفلانه"! ولا يزال عدد من أعضاء المكتب يعيشون باليمن وبالخارج وكلهم سيطالعون مقالي هذا في صحيفة "الشارع" يوم12/6/2010 أو بالنت, وليت أحدهم ينكر ما أوردته!).

فوضع والدي خطة محكمة لهروب زوجتي من الجنوب محدداً اليوم والساعة التي ستخرج فيها من عدن إلى لحج, ومن سيرافقها من قريباتنا, ومتى تخرج من لحج إلى قريتنا شعب ومن سيصحبها من قريباتنا, والملابس التي سترتديها من لحج لشعب, وماذا سيكون اسمها فيما لو أوقفوا السيارة للتفتيش بمنطقة"الرجاع" أو غيرها من المناطق على طريق لحج/شعب, وكم ساعة ستمكث في شعب لتتحرك بعدها عبر الجبال بصحبة قريبة أخرى لتوصلها إلى"القبيطة" باليمن الشمالي, ومن سيكون بإنتظارها هناك, ثم تتحرك بصحبة أقاربنا الذين سينتظرونها في القبيطة إلى تعز..وجرى تنفيذ الخطة على أكمل وجه.

وقال والدي لوالدتي أنه فور تلقيها الخبر بوصولها للشمال فعليها أن تتصل بإحدى زوجات المسؤولين بعدن وتبلغها بأن زوجة نجيب صارت في الشمال والذي خطط لهروبها هو قحطان وليضرب الآن قادة الدولة رؤوسهم بالجدار, ففعلت والدتي ذلك.(وقال لها: هم يعرفوا أنني كنت أقدر أدقهم لأبقى بالسلطة لكنني تنازلت عنها سلمياً لأنني لم أعد اريدها وقد قدمت لهم قبل ذلك إستقالتي أكثر من مرة, وأريدهم أن يعرفوا الآن بأنه حتى وهم مجلس رئاسة وحكومة ومكتب سياسي وأجهزة أمن فأنني بمفردي وأنا محبوس قدرت أهزمهم كلهم ومن داخل المعتقل لأننا أذكى وأحسن منهم في كل شيئ).

وفي الشمال اتجهت زوجتي لصنعاء, وإستخرج لها أحد أقاربنا أمراً من محمد خميس(رئيس جهاز الأمن الوطني حينئذ) بالسماح لها بالسفر من المطار بجواز سفرها الجنوبي المنتهي الصلاحية, وفي القاهرة رتبت مع حبيب العادلي (مسؤول كبير بمباحث أمن الدولة, صار وزيراً للداخلية منذ 1997م, سبق أن تحدثت عنه في بداية هذه الحلقات) لدخولها بالجواز المنتهي بل جعلني أدخل لملاقاتها عند سلم الطائرة.

وفي مطلع عام1977م رفضت سفارة عدن بالقاهرة تجديد جوازات سفرنا فطلبت من سفير صنعاء – حسن السحولي- جوازات شمالية فقال "حالتكم أنتم بالذات لا أستطيع البت فيها ولا وزير الخارجية أو أي مسؤول آخر فيجب أن أرفع الأمر للرئيس ابراهيم الحمدي شخصياً" وبعد أيام جاءه أمر من الرئيس الحمدي بأن يصرف جوازات لنا ولكل من يمت لنا بصلة قرابة, وأرفق بالأمر مبلغاً كهدية.

وفي مطلع 1978م فرت شقيقتي الوحيدة, فبعد أن تحصلت على الثانوية العامة بعدن رفضوا إعطائها منحة دراسية بالخارج إلا بعد أن تقوم بالتدريس لعامين دراسيين ففعلت ذلك ورفع اسمها ضمن كشف المرشحين للمنح فقام المسؤول الكبير جداً (لا يزال حي ويعيش خارج اليمن) بشطب اسمها (فما الذي إستفدته يارفيق؟ فالفلك دار وفقدت كل مناصبك, لقد أعمى الغرور بصيرتك فلم تضع في إعتبارك أن السلطة لابد أن تزول عن كل حاكم بخروجه منها أو بموته, وكل شيئ يزول فلا دائم إلا الله سبحانه وتعالى) فوضع أبي خطة أخرى لأختي للهروب من الستار الحديدي إلى الشمال, وهربت شقيقتي ثم لحقت بنا بالقاهرة.

وبعد أسابيع هرب شقيقي الرابع والأخير نبيل -كونه لن يحصل على منحة- عبر الحدود إلى الشمال ثم لحق بنا بالقاهرة, ووالدتي جعلت قادة الدولة بعدن يعلمون بهروب شقيقتي ثم شقيقي.

وفي صنعاء رحب بشقيقتي ثم بشقيقي, علي العتمي وأحمد عبد الرحيم(كانا بأعلى قيادة الأمن الوطني, وعند إستقراري بالشمال في1981م كانا قد توليا مناصب أخرى مدنية خارج صنعاء, ولم ألتقيهما عدا مرة التقيت فيها بالعتمي بمقيل منذ نحو15عاماً) وقد قام عبدالرحيم والعتمي-مشكورين- بالواجب وبشهامة فأستخرجا لشقيقتي جواز سفر ثم لشقيقي وأبلغا الرئيس أحمد حسين الغشمي بوصولهما هاربين من الجنوب فمنح لشقيقتي مساعدة مالية كريمة ثم مثلها لشقيقي.

تقفيل

وبهذا أختم جزءاً من ذكرياتي لم أكن أظن أنني سأسرده... وقد بينت في الحلقة الأولى كيف أنني لا أتقرب للحراك الجنوبي, وبينت في كل الحلقات بأن اليمن الشمالي لم يكن ملجأي الوحيد فلا "ينخط" علي الآن أحد من المسؤولين من أبناء شمال الجمهورية اليمنية صغر منصبه أم كبر.. فكل بلد عربي هو لي وطن.

وإلى اللقاء بإذن الله مع مقال جديد هو "وحدة تخسر جنوباً".