فوضى الفتوى وضرورة مؤسسيتها
بقلم/ فؤاد الصوفي
نشر منذ: 9 سنوات و 8 أشهر و 16 يوماً
الإثنين 12 يوليو-تموز 2010 07:56 م

لم يكف الأمة ما حل ويحل بها من الفرقة والاختلاف حتى في المتفق عليه من القضايا الكبيرة والكثيرة ؛ وفي الوقت الذي يراودنا الأمل في أن الأمة استيقظت من سباتها وأن الجرح سيلتئم وأن الخرق سيرقع ،وأن مساحة الخلاف تتقلص وأن الأخلاق الإسلامية بدت تجد إقبالا وتلهفا؛ وأن الأمة فتئت تدرك المخاطر المحدقة بها وتعي واجباتها نحو مقدساتها ؛ نرى رماحا جديدة تطعن جدار الأمة لتعيدها إلى سباتها..،وذلك من داخلها فأصبحت جدرانها ليست مهددة من الداخل كما قيل قديما بل تصدع من الداخل، تولَّى كبْرَ ذلك منتسبون إلى العلم ممن مُكِّنت لهم مواقع مرموقة، أو حازوا على شهرة واسعة فيتلهفون للحصول على مواقع وشهرة أكثر على حساب ثوابت الأمة ومقدساتها.ثمرته مساندة أعداء القيم الإسلامية، والتزلف إلى الأنظمة لنيل رضاها.

يشعر المرء بالأسى وهو يتابع ذلك الضجيج الإعلامي حول بعض القضايا المعاصرة والإشكالات التي صاحبت الترويج لتلك القضايا مما يدع المسلم البسيط حيرانا بين المحلين والمحرِّمين ،أو يبحث عن الأسهل ليصبح التزامه الديني مرقعا بفتاوى قد لا تتعدى مقاصدها الشهرة والظهور،ولا تستند إلا لما هو أوهى من البراهين، فيتجه بعض العلماء والدعاة و بعض الإعلاميين إلى تحقيق مآرب شخصية من وراء استحداث فتاوى معاصرة أو إثارة رؤى فكرية تزرع القلاقل وتشعل الفتن وتغذي الاختلاف، فلم يُحسب لها حسابها ولم تُرصَد النتائج المترتبة عليها. وانصرفوا بذلك إلى أقوال لم يقل بها الراسخون في العلم و المتمكنون في الفتيا،أو إلى ماهو شاذٌّ أو مرجوح، مخالفين بذلك فهم واستنباط وفتاوى أهل العلم ممن هو أعلم وأمكن وأخشى وأتقى وأنقى.ومعظم هذه الفتاوى ستجدها-أخي القارئ - من الفتاوى التي تبرر أو تشرع وتقنن انحرافات الاتجاهات الرسمية الحكومية المتسلطة على الشعوب ليتسع الشرخ ويتعمق الجرح، أو محاولة لإرضاء الغرب و أحفاده من اللبراليين ، فيتساهلون ويفتون بالمرجوح ويهملون الراجح من الأدلة والأقوال بل وبالشاذ منها وبما لا يستند إلى دليل مُعْتبر.

فمن فتوى جواز التطبيع مع إسرائيل ونقد المقاومة ومحاصرتها إلى توعية الشعب بضرورة حسن الجوار مع المغتصبين للأرض و المستحلين للعرض، ثم تحريم النقاب في الجامعات ومناصرة الغرب ضد الحجاب ، ومن جواز الاستعانة بالكفار إلى تحريم الخروج عن الحاكم (الأمريكي) في العراق وعد المقاومة ضد المحتل من باب الخروج عن الحاكم، لتسهم تلك الفتوى في جريمة الاحتلال مما حدى بالطائرات الأمريكية أن تتولى توزيع مطويات الفتوى من أجواء التجمعات السكانية ، وتمكين ( قم ) من الاستيلاء على العراق وتصفية السنة فيها كما صفتهم في طهران!، ومرورا على تحريم زاوج مايسمى بالصغيرات وانتهاءً بالدعوة إلى الاختلاط الذي تراجعت عنه كثير من الدول الغربية،وإرضاع الكبير الذي تحول منبره من الأزهر الذي عاقب الشيخ لإفتائه فأقيل من منصبه بسبب تلك الفتوى لتنتقل العدوى إلى بلاد الحرمين المكتظة بالجاليات من شتى البقاع دون أن يُحَرَّك له ساكن. وآخر ذلك وربما ليس الأخير فتوى الأغاني..،والتي انطلقت من إمام من أئمة الحرم المكي! دون إدراك أن أغاني اليوم مرتبطة بحركات جسمية مهيجة وميوعة المنظر وانحلال المشهد ناهيك أنها قبيحة المضمون وفيها الكثير من الألفاظ المحرمة والبذيئة والتي تتنافى معظمها مع قيم الإسلام وأخلاقياته.

مسائلٌ بت فيها العلماء قديما ممن قضى نحبه وممن لم يزل على أرض هذه البسيطة في المملكة واليمن ومصر والشام وغيرها من البلدان الإسلامية، وهكذا تجدُ اللبراليةُ أنصارا ممن يحملون راية العلم والدعوة وممن تربع على كراسي مؤسسات إسلامية رفيعة ، في الوقت الذي ينخر هؤلاء في جسد الأمة ويهزؤون بمقدساتها ويكافحون ليل نهار لإطفاء شمعتها. ومن يلاحظ مضامين وسهام هذه الفتوى سيجد أنها اتجهت صوب مجموعة من الثوابت الدينية كالمحافظة على الأرض وبعضها نحو العرض والآخر نحو المقدسات والجهاد وأُخْراها صوب الأخلاق والعفة، حقاً إنها رماح تضرب في حصون الأمة وصمامات أمانها.

ولقد صار من الضروري التأكيد على أن الأمة متمثلة بعلمائها بحاجة إلى الوقوف صفا واحدا لإيقاف هذه المهازل التي تشعل الخلاف وتهز الثقة في نفوس العامة وتنشر التفلت باسم الدين..، وحتى يعالج هذا الخلل فإنه يستلزم على المؤسسات الدعوية والعلماء الأجِلاء والمعنيين بالفتوى أن يتخذوا الخطوات التالية:-

1- إيقاظ المجامع الفقهية ورفع صوتها وإحياء دورها وتعددها في البلدان لتكون الفتوى المعتمدة هي الفتوى الجماعية الصادرة من هذه المجمعات وخاصة فيما يتعلق بالفتاوى المختلف فيها وذات العلاقة بالمستجدات .

2- ضرورة مشاركة أهل الاختصاص من أصحاب العلوم المعاصرة في القضايا المعاصرة التي لا يستطيع المفتي منفردا أن يلم بها كالاقتصاد والطب ونحو ذلك.

3- وضع ميثاق شرف للمعنيين بالفتوى يتولى صياغته وطرحه العلماء الكبار الذين نالوا حظا وافرا من العلوم في مختلف الفنون من أكثر من بلد.

4- ضرورة قيام كبار العلماء من أهل العلم والفُتيا والورع بتكوين مؤسسات فتوى تساند المؤسسات القائمة فيما اتُّفِقَ عليه وتضاهيها فيما أفتت به تزلُّفا وتملُّقا وهوى؛ فاضحة هذا المسلك للأمة وللعامة.

5- العمل على انتشار مؤسسات معتمدة للفتوى كانتشار أقسام الشرطة تخضع للمجامع الفقهية الفاعلة ليسهل على الناس الوقوف على المسائل التي يحتاجون للرد عليها بعيدا عن اجتهادات المؤذنين و أطروحات الإعلاميين ومن انتسب إلى التدين.

6- قيام الدعاة والمؤسسات الدعوية الناضجة والمسئولة بحملات توعية (عمن يأخذ الناس دينهم) وأن فتوى المفتي لا تحرم حلالا ولا تحل حراما وحث الناس على التبصر في دينهم والتثبت في أخذ الفتوى من جهات معتبرة.

7- العمل على إيقاف المهزلة المنتشرة في كثير من القنوات الفضائية والتي تحدث فيها إشكالات كثيرة حين يفتي المفتي دون معرفته بواقع البلد ولا ظروفه ولا ظروف المستفتي وواقعه، والذي يتابع الفتاوى على الفضائيات يجد ذلك واضحا.

8- تعيين وتحديد الضوابط التي تجيز للمفتي أن يفتي على الفضائيات كأن تبث –معظم-الفتاوى مسجلة وليست مباشرة على الهواء ليساعد المفتي في التبصر وعدم التسرع وليتمكن من الإجابة الكافية للسائل.

9- السعي نحو إزالة القبضة الرسمية على المؤسسات القائمة بحيث يوجد لها حماية قانونية تمنع ممارسة أي ضغط رسمي على اتجاه الفتوى وعلى مؤسساتها.

10- تقنين اختيار المفتي بحيث يخضع لمعايير يتفق عليها أكابر العلماء كي لا تعيِّن الأنظمة من يطيب لها دون أهلية أو تظل تمارس عليه الضغط لتغيير مسار فتاواه.

بهذه النقاط يستطيع العلماء أن يقوموا بدورهم وتستقيم فتاواهم ونأمن من اغترار الناس بشطحات المتهورين وتصريحات المتساهلين وأن نحجِّم من فوضى الفتوى عبر مؤسسات متخصصة له، تستند إلى الماضي وتزاوج بينه وبين الحاضر بعمق وتجرد ومهنية.

نسأل الله التوفيق والسداد والحمد لله رب العالمين

*مدير مركز الوفاق الإنمائي للدراسات والبحوث