الصراع السني الشيعي.. لماذا الآن؟
بقلم/ دكتورة/أماني أبو الفضل
نشر منذ: 12 سنة و 10 أشهر و 18 يوماً
الأربعاء 04 إبريل-نيسان 2007 08:23 م

 مأرب برس / د : أماني أبو الفضل

تطالعنا الصحف بأخبار حزينة بين وقت وآخر على شاكلة وقوع انفجار في مسجد شيعي يغص بالآلاف في صلاة الجمعة في إقليم بوسط باكستان، سبقه هجوم على بعض المدارس الجعفرية في باكستان، تلاه مصادمات وضحايا! وسبق ذلك هجوم على حسينيات الكويت وهلم جرا. والأدهى من هذه الهجمات المسلحة هجمات أخرى بالكتب والمطبوعات والفضائيات ورسائل الإنترنت البذيئة المتبادلة بين الطرفين في شتم وإهانة أئمة المذهبين السني والشيعي.. بهدف تشويه صورة كل منهما لدى الآخر وتحطيمها تمامًا.

وهم المؤامرة الخارجية

إن الأسئلة الساذجة مثل: مَن وراء هذا المخطط؟ ومَن المستفيد منه؟ ولماذا تحدث هذه الهجمات الآن تحديدا؟.. أسئلة لا يعجز الطفل عن الإجابة عليها، ولن نضيع وقت القارئ في مناقشتها، ولكن المطروح هنا هو مدى مسئوليتنا كأبناء للمذهبين عن تنفيذ هذا المخطط، والاشتراك في هذه الحرب الفاضحة، وما تلاها من تمزيق للأمة.

فالمؤامرة الخارجية ثابتة، لكن القول بمسؤوليتها وهم كبير؛ لأن شرف التنفيذ هو دائمًا لنا وبإخلاص شديد؛ طمعًا في الجنة من طريق رسمه لنا العدو وببراعة؛ فلماذا يورط العدو نفسه ببث عملائه في موقع الجريمة إذا كنا نحن دائمًا على أتم جهازية لتنفيذ مخططه مجانًا وبدرجة من الإتقان لا تصل إليها إلا عقلياتنا الفريدة من نوعها؟ فيكفى إذا أراد العدو أن يحطم حركة إسلامية بدأت في إظهار بوادر النجاح والقبول والانتشار بين المجتمعات الإسلامية.. أن يهمس في أذن الحركات أو المذاهب المختلفة عنها؛ إما باستدعاء حادثة تاريخية مرّ عليها 14 قرنًا من الزمان وإما باستنفار الحشود ضد فتوى فقهية صدرت من أحد الجانبين... إلخ.

وما إن يهمس العدو بها حتى تنتشر انتشار النار في الهشيم، ويحتشد الخطباء فوق المنابر لنشر الفتن بإخلاص شديد ورغبة حقيقية في خدمة الإسلام! والمعلوم أنه كلما أمعن الإمام في تضخيم الأنا لدى أتباع مذهبه على حساب تسفيه الآخر، وكلما نجح في أن يفتش في ذاكرة التاريخ بحثًا عن تأصيل شرعي ومبرر فقهي لم يصل إليه غيره لتكفير الآخر.. زاد عدد مريديه، وزادت مبيعاته في سوق الكاسيت الإسلامي الأعلى مبيعًا في عالم التجارة.

وإذا كانت جماهير المذهبين الكبيرين تبدي هذه الخفة والسطحية في التعامل مع الخارجي الذي يستثيرها؛ فتتخبط في كل اتجاه دون وعي أو فقه لأولويات المرحلة الحرجة التي نمر بها.. فلماذا لا يصبح هذا السلاح المضمون هو السلاح الأثير لدى العدو لضرب الإسلام بطريقة آمنة تتكرر على مر العصور، ولا نستوعبها أبدا حتى بعد أن ذقنا مرارتها عشرات المرات.

من يستعرض تاريخ المسلمين يجد أنهم لم ينهزموا عسكريًا بقدر ما انهزموا بسلاح "فرِّق تسُد". وما أسهل على عدونا على مدار التاريخ أن يستزرع جماعات للقيام بمهمة التمزيق التي تفرض علينا؛ فنستسلم لها على أنها أقدار محتومة للأمة، والقدر منها براء. وها نحن اليوم نستقبل هذه الجماعات عبر الفضائيات في "تآمر صريح بعد التراويح" لفتح الملف المذهبي السني الشيعي الذي يُفتح عند الطلب! وها هو يفتح اليوم كجزء من مخطط ما بعد سبتمبر لإقصاء الوجود الإسلامي من على خريطة العالم بأيدي أبنائه! وقد أتوا لهذا الغرض بعتاة المناظرين من الطرفين ممن يحترفون هذا النوع من النشاط الذي يضمن لهم دخلا أفضل، علاوة على الشهرة ومتعة الاستضافة المريحة بين البلدان.

محاولات الخروج.. لماذا الفشل؟

هناك من أدماهم هذا التمزق وانحطاط صورة المسلمين في الآونة الأخيرة، وبدءوا في التخطيط لرد الفعل المناسب (الإستراتيجية الإسلامية دائمًا تقوم على ردود الأفعال، وليس على المبادرات) من طريقين:

1- من المثقفين غير الرسميين الذين أنشئوا عددًا لا حصر لـه من مراكز ومؤسسات الحوار الحضاري.. حتى يخيل إليّ أنه أصبح في كل بناية مركز من هذا النوع؛ إما للحوار الإسلامي المسيحي، أو للحوار السني الشيعي… إلخ، ولكن بتقويم عمل هذه المراكز نجد أنها جهود فردية من أصحابها، أنشئت في عجالة ولم تقدم تصورًا واضحًا أو حلولا لمشاكل؛ لأنها أنشئت كرد فعل عاطفي يفتقر للتخطيط وتحديد الإستراتيجيات؛ فباتت مراكز حوار الحضارات هذه أشبه ببرامج الدردشة (( hatting التي يستخدمها المراهقون على الإنترنت لاستكشاف أصدقاء بعيدين؛ فهي لا تعبر إلا عن رؤاهم الخاصة، وكلها لا تخرج عن فلك تفنيد آية التصدق بالخاتم، أو عمل الجرح والتعديل لحديث الثقلين، أو إثبات اضطرابات المتن في واقعة غدير خم… وغيرها من القضايا التي لم ولن تُحسم أبدًا، وغالبًا ما ينتصر فيها خطاب صاحب المنبر من أي من الطرفين.

إن إثارة مثل هذه القضايا التاريخية أو القضايا الفلسفية التي تم إحياؤها بعد كل هذه القرون كقضية إثبات صفات الله ورؤيته، والتجسيم، ومنزلة العصاة ومرتكبي الكبائر وغيرها.. من مظاهر الترف العقلي التي كان الواقع الإسلامي العملاق في القرون الأولى يسمح بها بل ويجدها ضرورة -لا يتحملها الآن واقعنا المفزع.

إن مثل هذه المراكز لا يصل خطابها النخبوي المعقد غير المفهوم -الذي أصبح الآن من لوازم المثقف العربي- لجمهور العوام المستهدف الذي هو مصدر القلاقل والإشكال. ولعل أقدم مركز لحوار المذهبين هذا الذي أنشئ تحت اسم "لجنة التقريب بين المذاهب"، وهى تعمل بإخلاص منذ أكثر من 50 عامًا، ولكن خطابها مثله مثل الخطاب السابق في أنه لا يصل إلى الجمهور؛ لرسميته وامتلائه بالمجاملات؛ حيث يستحيي من وضع يده على موطن الجرح.

 

 2-أما الطريقة الثانية لرد الفعل فكانت على المستوى السياسي؛ حيث بدأ المسئولون السياسيون لدول المذهبين سواء إيران أو السعودية أو مصر أو الخليج في تبادل الزيارات لكسر هذا التوتر المذهبي، وهي خطوة لا بأس بها، إلا أنها تشترك في نفس علة الفشل السابقة، وهي عدم توجهها بالخطاب إلى العامة.

من خلال رأيي المتواضع أستطيع أن أقول: إن كل الاختلافات الآنية -وليست الماضية؛ لأن للماضية مباحث أخرى تتناولها- بين المذهبين الكبيرين هي اختلافات مرجعها خصيصتان ثقافيتان تتفرد بهما أمتنا بين العالمين:

1-هذه المنهجية في التعامل مع النص التي تقترب من كل نص "قديم" من المذهبين ينتمي للقرون الأولى على أنه مقدس لا تجوز فيه المراجعة. إن فهمنا للنص المقدس يجب أن يكون كتاب الله "الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، وسنة نبيه من منطلق "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى".

أما عن الجانب الشيعي فيضاف ما يتخذه الشيعة من آثار الأئمة الاثني عشر. ولكن ما عدا هؤلاء: ما بال القرون الأولى؟ وما الحجة في الحاكمية المطلقة لنصوصها علينا دون أن نردها لسياقها التاريخي، وإمكانية تسلل الخطأ إلى بعض فكرها؛ حيث إنها نتاج فكر إنساني؟

 

هناك إشكالية ضخمة في منهاج قراءة النص؛ فكله يُقرأ على أنه من المحكم أو قطعي الدلالة، ودلالته هي ما يراها القارئ من نافذة زمانه ومكانه، وأي دلالة أخرى هي إذن باطلة كما لو كان ليس هناك زمان ولا مكان إلا الذي يخصه. ولا أدري من يملكون هذا المنهج أين يضعون النص المتشابه -الذي هو مناط التعددية في القراءة- على خريطة منهجهم؟ وتعدد القراءات للنص المتشابه هو إثبات لعبقرية النص القرآني الذي سمح بتعدد دلالات بعض آياته. إن حكمة الله سبحانه وتعالى في أن يُنزل كتابا يحكم هذا العدد من العقليات والثقافات والعادات والمشاعر المختلفة لا بد أن تكون بعض آياته -وليس كلها- متعددة الدلالات؛ لتجد كل حضارة -من حيث زمانها ومكانها- ما يناسبها من التفسير من غير فوضى ولا تعارض مع عقيدة التوحيد أو كليات الشريعة ومقاصدها (لاحظ عدم اختلاف التيار المعتدل في المذهبين في هذه المساحة)، وإنما الخلاف في مساحة الفكر الناتجة عن تعدد دلالات بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي إذا لم يجعلها الله تعالى بحكمته متعددة لما خرج الإسلام خارج الجزيرة العربية على أقصى تقدير.

نحن لا نبغي أنسنة النصوص الإلهية بإحالتها إلى المتلقي -كمذاهب النقد الأدبي الحديث-، ولا تطويعها، ولا ليّ أعناقها لحل مشاكل وقتية، والوصول لأهداف قريبة؛ فدعاة الله يربئون بأنفسهم عن هذا التفكير البراجماتي حتى وإن كان الهدف نبيلا؛ فلا يُعبد الله إلا بما شرع الله. ولكن ما نبغيه هو استلهام عبقرية هذه النصوص وديناميكيتها في فهم الواقع والتعامل معه. إذن فوجود المذهبين ليس في حد ذاته فوضى أو فُرقة للأمة.. بل بالعكس هو إثبات لعبقريتها، وإنما الفُرقة في إنكار وتكفير بعضها بعضا؛ مما أدى بنا إلى ما نحن فيه.

 

2-والآفة الأخرى التي نتفرد بها أيضا عن العالمين هي هذا الرباط غير المقدس الذي يربط حاضرنا بماضينا! فالأمم كلها تسير ووجهها للأمام، ونحن نهوى السير بظهورنا، ومن لا تكون عيناه على الطريق فلا يلومن إلا نفسه. وهنا سأكتفي بالتذكرة بهذه القصة الطريفة التي يعرفها الجميع:

حين قرر بابا الفاتيكان في ستينيات القرن الماضي أن يحكم ببراءة اليهود من دم المسيح! أي بعد أكثر من 1960 عاما. هناك دواعٍ تكتيكية أدت إلى هذا التغير المفاجئ في ترتيب الأولويات والإستراتيجيات.. فهل دواعينا الإيمانية ليست بالقوة الكافية لإحداث مثل هذا التغير، علما بأن علة النزاع لا ترتبط باغتيال نبي بل بانتخاب خليفة، حتى وإن اتخذ هذا الانتخاب أبعادًا عقدية؟! 

من هنا نبدأ

يحضرني في هذا السياق مؤتمر عقد في بيروت في 9 يناير 2002 بعنوان "مؤتمر علماء الإسلام لدعم القدس"، وكان هناك 130 عالمًا ومسئول حركات إسلامية، كلهم تحدثوا عن إسلامية فلسطين والاستعداد للتضحية، وتحدثوا عن شارون وأمريكا ومثل هذا الكلام المعاد، إلا شخصًا واحدًا تحدث -كعهده دائمًا- بكلام مختلف؛ ألا وهو السيد حسين فضل الله؛ فقد تحدث عن اتحاد المذهبين، وخطورة ما أسماه بالتثقيف المذهبي. وتعجب الجميع من عدم مناسبة حديث السيد فضل الله عن المذهبية في جمع مخصص للانتفاضة والقدس، وظن الجميع أن السيد قد خرج عن سياق الحديث وشطح بعيدًا عن المناسبة، ولكن الواقع هو أن جميع المتحدثين هم الذين شطحوا إلا هو؛ فكان هو الوحيد الذي تلمس مواضع الخلل، وعرف أنه من هنا نبدأ إذا أردنا تحرير الأرض وعودة الهيبة إلى الإسلام.

إن اتحاد المذهبين لا يعني ذوبانهما؛ لأنه من ينتظر التذويب وإزالة الفروق ليس فقط سيقضي عمره في انتظار ما لا يتحقق! فهذا هو الأمر الواقع، ولكن أيضًا يساهم في تدمير أروع ما في هذه الأمة من تنوع فكري فريد.

المخرج من الأزمة

إن الأمل في انفراجة الأزمة التاريخية يكمن ليس في الساسة أو نخبة المثقفين.. بل يكمن في علماء الدين وقادة الحركات الإسلامية ومراجع التقليد، الذين يتبعهم ويتلمس خطاهم المليار من أبناء المذهبين. فليحرص كل واحد منهم على أن يربي أتباعه على أن صحة مذهبنا لا تعني فساد مذهب الآخرين، وأن فهمنا للنصوص لا يلغي فهم الآخرين. وليعمل كل واحد منهم على الخروج بأتباعه من سجن التاريخ، وأن يعلمهم كيف يتعاملون مع الماضي، ويحتفظون لأنفسهم بمسافة كافية بينهم وبين الماضي؛ حتى يتسنى لهم رؤية أوضح وأكمل لـه.

هذا ما نادى به مرارًا الشيخ الكبير د. يوسف القرضاوي في العديد من الكتب؛ حيث نادى بعدم الحفر وراء ما أهيل عليه التراب (ودعواه هذه هي التي أطلقت عليه سماسرة التكفير وأصحاب الغلو من الطرفين)، إن إهالة التراب لا تعني اقتلاع الجذور، ولا تمييع الثوابت، ولكن فقط تعني هذه العملية الواعية التي تهدف إلى تسليط الضوء على المشترك وتجاهل أسباب الخلاف.

على هؤلاء العلماء وأصحاب الفتوى أيضًا أن يعملوا على مراجعة فتاواهم، وتوخي الحذر فيما يقولون؛ فليس من المعقول أن أجد في أحد المواقع من يستفتي شيخًا على إمكانية توصيل الزكاة إلى مجاهدي المقاومة اللبنانية ذات المذهب الشيعي؛ فيفتي لـه بأنه لا يحل التصدق عليهم ولا أكل ذبائحهم!! ولا يصح أن أقرأ في أحد مواقع الفتوى الشيعية التي سئل فيها السيد الذي يكنّ لـه المسلمون والعرب أجمع حبًا جارفًا واحترامًا، هو أهل لـه: هل يجوز زواج الشيعي من فتاة سنية بغير إذن وليها (المخالف) -أي خطيفة-؟ فتكون إجابة السيد بالجواز! كما لو كانت أعراض "المخالفين" مستباحة، وحتى التعبير عن أهل السنة بـ"المخالف" شيء جارح، ويساهم به من حيث لا يشعر في بناء حاجز نفسي يصعب هدمه. ولعل التعبير بـ"المختلف" أرحم، وغير هذا الكثير من الفتاوى التي لا تراعى فيها مشاعر الآخر المذهبي.

وفى النهاية الخطب جلل، والحاجز النفسي قد ارتفع لعلو شاهق، والكل مقتنع بضرورة هدمه، ولكن الأمر يحتاج إلى أكثر من القناعة والأماني وتوصيات المؤتمرات وحوارات الحضارات؛ الأمر يحتاج إلى إخلاص النوايا قبل كل شيء، ثم خطة عمل وآليات تنفيذ ليست من الساسة ولا النخب.. بل من الخطاب الديني الثوري المستنير من الجانبين، الذي يحتكر الساحة الآن. وعلى الكل أن يعرف أن الوقت لم يعُد في صالحنا؛ فها هي الأساطيل قد أحاطت بشواطئنا؛ فإما أن نساير ركب الاتحاد والقوة وإما أن نستسلم للطوفان القادم. وعلى التيار التقليدي الرجعي من الناحتين أن يعلم أنه إما أن يكون معنا وإما أن يتقي الله ويلزم الصمت، ويعلم أن للتكفير قواعد أبعدنا الله عن طائلتها.

والله ورسوله أعلم.