سر التشابه العجيب بين لهجات أهل اليمن وبلاد المغرب العربي

الإثنين 04 مارس - آذار 2024 الساعة 02 مساءً / مأرب برس- تقرير بلال فيصل
عدد القراءات 1895

 في إحدى مباريات بطولة كأس آسيا الأخيرة، استخدم عصام الشوالي مثلاً شعبياً تونسياً فيه لفظ ''المِيزاب''، والميزاب في تونس -وفق الشوالي- هي قناة تصريف مياه الأمطار من أسطُح المنازل إلى خارجها، والمسمى ذاته ''الميزاب'' منتشر في اليمن بنفس المعنى، وفي الجزائر يسمى ''المِيزابة''، وفي ليبيا ''المِزراب''.

تقع اليمن جنوب شبه الجزيرة العربية، تجاورها سلطنة عُمان من الشرق، والمملكة العربية السعودية من الشمال، وبالرغم من هذا التقارب الجغرافي؛ إلا أن العامية الدارجة في اليمن، والبلدين العربيين ،لا تتشابه كثيراً، بينما تشترك لهجات أهل اليمن وتتشابه في عدد كبير من الكلمات والمفردات، مع لهجات دول المغرب العربي الواقعة شمال قارة أفريقيا، لدرجة أن غالبية الكلمات المشتركة تحمل نفس المعاني والمفاهيم (رسماً ونطقاً).

فما أوجه هذا التشابه؟ وما السر فيه؟ وكيف امتزج ببعضه وانتقل رغم البعد المكاني؟.

نجد التشابه، في مسميات الأشياء، والأماكن، والأفعال، والألقاب، وأسماء بعض القبائل، إضافة إلى التشابه في الملامح والأزياء والطراز المعماري أحياناً، وقد لوحظ أثناء إعداد هذه المادة، أن درجة هذا التشابه كبيرة مع الجزائر، وليبيا، وتونس والمغرب، توالياً، و بدرجة أقل مع موريتانيا. 

برغم قرب اليمن من السعودية وعُمان جغرافياً، إلا أن العامية الدارجة في اليمن لا تتشابه كثيراً معهما، بينما تشترك لهجات أهل اليمن وتتشابه في عدد كبير من المفردات، مع لهجات بلاد المغرب العربي ا

تُفسر الشواهد التاريخية، كهجرات اليمنيين قديماً إلى شمال أفريقيا ،ومشاركاتهم في الفتوحات الإسلامية، بعض خفايا التشابه، ويرى الدكتور في جامعة ذمار، عصام واصل، المختص في اللغة واللسانيات في هذا التشابه أمراً طبيعياً، ويقول لرصيف22 بأن التشابه اللغوي بين اليمن ودول المغرب العربي قديم جداّ، من قبل حتى أن تتحول اللغة العربية الفصحى، إلى عامية متفرعة إلى عدة لهجات.

الأكثر تشابهاً وتداولاً

تالياً، يرصد رصيف22، قائمة بأكثر الكلمات تشابهاً وتداولاً، من اللهجات العامية، بين اليمن وبلاد المغرب العربي:

هَدره: وتعني الكلام، وهي منتشرة في اليمن والمغرب والجزائر وتونس وحتى ليبيا.

فيِسَع: ومعناها في اليمن ودول المغرب العربي بسرعة.

الَسَاع : كلمة تشير إلى الوقت والزمن وتأتي بمعنى الآن، يقال (إلى حد الساع) أي إلى حد الآن.

يِزرَط ويسرَط: ومعنى المفردتين في اليمن والجزائر يبلع.

هكه وآكه: تقال في تعز اليمنية ،وتقال (هكه) في دول المغرب العربي ،وتعني هكذا وكذا.

بِالعَاني: في اليمن وبعض دول المغرب العربي ومعناها القصد أوالتعمد.

العَقِيرة: وهي ما يذبح من الأبقار، في الصلح القبلي بين أشخاص أو قبائل وهذا المسمى موجود في اليمن وتونس ومناطق في المغرب العربي.

الجِربة: في اليمن وتونس ودول اخرى وهي الأرض الزراعية.

كَلَحني: في اليمن والجزائر والمعنى خدعني.

يِحَاوِز: كلمة واحدة ، بمعنيين متقاربين، في اليمن يُزاحم وفي الجزائر يَطرد أو يُزيح.

يُحوس: أي يأتي ويذهب، كأنه يبحث عن شيء، وتأتي بمعنى يتجول ويتنزه كثيراً.

يِتخَبر: بمعنى يسأل ويتحرى عن شيء.

اتمرمط واتمرمد : الأولى في اليمن والثانية في الجزائر ومعناهما تبهدل.

أشتي: بمعنى أريد أو أرغب.

مَقرون: ومعناها في عدن جنوب اليمن مجنون وفي غرب الجزائر تعني مستفز.

مُريّش: بضم الميم وتشديد الياء وتعني الثري.

الجُلجُل: وجمعها الجلجلان وهو اسم السمسم في اليمن وليبيا ودول في المغرب العربي. 

هكه وآكه: تقال في تعز اليمنية ،وتقال (هكه) في دول المغرب العربي، وتعني هكذا وكذا. وكَلَحني: في اليمن والجزائر نقال بمعنى خدعني. وأشتي: بمعنى أريد أو أرغب.

الرَزع: هو طرح الشيء بقوة وعنف رزع الباب، أي أغلقه بقوة.

زرَقت وزَرق: زرقت الشمس بمعنى بزغت، وزرق الشيء أي مرّ مسرعاً ومنسلاً. 

خرَاط: ومعناها كذاب. 

اللِيان: من أدوات المنزل، وهو اسم وعاء كبير من البلاستيك، بلهجة مناطق في اليمن والجزائر وليبيا. 

بُرمة: أي وعاء طعام مصنوع من الحجر.

النغزة: الوخزة.

رزين: أي الشي الثقيل الوزن.

الدكم: من الضرب أي اللكم.

نقاشات على مواقع التواصل 

شارك معد المادة، في نقاشات مفتوحة، على ''فيسبوك'' مع عدد من اليمنيين والأفارقة العرب، من تونس، والجزائر، والمغرب، وليبيا ودول أخرى، دارت حول التشابه الكبيربين الكلمات والمفردات العامية في اللهجات المحلية بين اليمن، ودول المغرب العربي، وحول دور الهجرات القديمة لليمنيين، والفتوحات الإسلامية. 

عمار الماجري من تونس لديه قناعة أن معظم قبائل دول المغرب العربي ومصر، يمنية الأصل، يقول: "بالاطلاع على معجم اللغة والتراث اليمني لمطهر علي الأرياني، ومؤلفات الهمداني، والدكتور فضل عبدالله الجثام، وعديد الكُتّاب والمؤرخين اليمنيين الكبار، فضلاً عن أشعار وقصائد لعدة شعراء، اقتنعت أن العديد من القبائل التونسية ،والليبية، والجزائرية، والمصرية وغيرها، أصلها واحد من اليمن".

يُفسر عمار، السر في هذا التشابه اللغوي، على الرغم من البُعد الجغرافي بهجرة اليمنيين نحو شمال أفريقيا ونقلهم لهجاتهم المحلية إلى المناطق التي استوطنوها، يقول: "في سنوات قديمة جداً ضرب الجفاف بعض المناطق في اليمن، وعند انهيار سد مأرب الأول والثاني وبعد الفتوحات الإسلامية؛ هاجرت الكثير من القبائل اليمنية نحو شمال أفريقيا، وعند البحث عن أصل تلك القبائل نجدها من اليمن مثل (بنو سليم) و(عدنان)". 

يذهب معه في ذات الإتجاه، أنيس بن مراد من الجزائر يقول: "وفق ما قرأت لمؤرخين ونسابين وأهل اللسانيات، فهذا التطابق في اللهجات يعود إلى الأصل اليماني لأهل المغرب العربي''. يوافقه لخضر العربي من الجزائر، الذي يقول إن هذا التشابه في اللهجات سببه أن الأصل واحد.

يعلق رمزي الزبيري من اليمن قائلا: ''ليس تشابهاً، بل تطابق تام في المفردات، وفي أسماء الألقاب والمناطق والعادات والتقاليد، وحتى في الأزياء القديمة، وهذه دلالة واضحة تؤكد أن الأصل والجد والمنبع واحد. ناهيك أن اليمن تعتبر البنك والأرشيف الأثري للمستندات الصخرية التي تثبت هذا الشيء"، ويضيف عن الدور المهم لرابطة الدين وأثرها في توحيد المفاهيم.

سرند جحموم، من وهران الجزائرية يقول: ''اليمن تاريخياً لها تأثير كبير، ديمغرافياً وعرقياً وثقافياً، ليس فقط على المغرب العربي، بل على نصف القارة الإفريقية من الصومال وحتى السنغال، صعوداً إلى الشمال، وعلى عدة مراحل زمنية''.

أما أسامة محمد من ليبيا فيدلل على الارتباط التاريخي وواحدية الأصل ودور الهجرات بقوله: "لنا امتداد قبلي في اليمن وليبيا، أنا مثلًا من قبيلة (القَراضي) وهي قبيلة موجودة حالياً في وصاب ذمار، وتعز، ومأرب، وغيرها من محافظات اليمن العريق والأصيل''. ويتفق معه مواطنه الليبي، كريم سالم الذي يرى أن اللهجة الليبية قريبة جداً من لهجة سكان حضرموت في اليمن تحديداً.

ويُرجح محمد الضراب من اليمن سبب التشابه إلى الانتماء والنسب، والجذر، والأصل الواحد، ويضيف : ''يتجلى أكثر هذا الرابط المشترك، من خلال تشابه الأجساد والأشكال والألوان، والملامح، التي لا يكاد يمكن التفريق من خلالها، بين اليمني وإخوانه في المغرب العربي، وبالأخص الليبيين''. 

الجفاف الذي أصاب بعض مناطق اليمن قديماً، وانهيار سد مأرب في القرن السادس الميلادي، والفتوحات الإسلامية لاحقاً؛ كانت من أهم الأسباب التي دفعت بعض القبائل اليمنية للهجرة نحو شمال أفريقيا، مثل (بنو سليم) و(عدنان)، ما نقل اللغات واللهجات بطبيعة الحال

ومن الجزائر يقول عمار: "في الجزائر مثلاً هناك قبائل عربية منها قبائل (هلالية) يقال أن أصلها من اليمن". ومن المغرب يشير صلاح أمين إلى أن جل القبائل في الدول العربية هاجرت من اليمن يقول: "نجد في المغرب قبيلة أولاد عبدون بخريبكة، وهي من أصل يمني''. أما حبيب من تونس، فيتفق مع عمر من المغرب في أن تشابه لهجات بلاد المغرب، لا يقتصر على اليمن فقط، بل هو تشابه مع كل اللهجات العربية ؛لأن اللغة واحدة.

هجرات اليمنيين إلى أفريقيا

الهجرات العربية التي تحركت للاستيطان في شمال أفريقيا، قديمة قدم سد مأرب و طوفانه، هكذا تقول كتب التاريخ.

فقبل الإسلام هاجرت العديد من القبائل اليمنية واستقرت في شمال أفريقيا أي بلاد المغرب العربي حالياً، وكان لتلك الهجرات عدة أسباب، أبرزها البحث عن مواطن صالحة للعيش، تتوفر فيها المقومات البسيطة للحياة، لأن الجفاف كان قد ضرب مناطق كثيرة في اليمن ، وكان انهيار سد مأرب في المرتين 570-575 م، سبباً لها.

أستاذ التاريخ بكلية الآداب جامعة عدن غسان الشمسي ، تحدث لرصيف22 قائلا: "كان لليمنيين هجرات كبيرة عبر التاريخ، ليس إلى شمال أفريقيا، فقط بل حتى إلى شرق آسيا، وخصوصاً أهل حضرموت، وإلى اليوم لا تزال تلك الهجرات شاهدة على وصول أهل اليمن إلى تلك المناطق والبقاع من خلال بقايا آثار عينية، وثقافة ناطقة بتلك اللهجات واللغات''.

وبحسبه فتاريخ الهجرات اليمنية يعود إلى ما قبل التاريخ الميلادي بألف عام تقريباً، ولأسباب متنوعة منها أن اليمن كانت تقع على طريق التجارة البحرية، كما ساهمت الحروب بين الممالك اليمنية بهجرات كبيرة لليمنيين نحو الشرق والغرب، إما للتجارة أو للبحث عن موطن قدم في كل أرض وصلوا إليها.

أما عن الفينيقيين الذين هاجروا إلى أفريقيا فيقول: ''انهيار سد مأرب كان سبباً في هجرة كثير من القبائل اليمنية التي كوّنت لنفسها حضارات مزدهرة مثل المناذرة شرق بلاد العراق والغساسنة في بلاد الشام، وكذلك الفينيقيين الذين يعدون من أقدم القبائل اليمنية التي هاجرت إلى أرض كنعان (فلسطين اليوم)، وهم أول من صنع السفن وحكموا بحار الأبيض المتوسط، ثم كونوا حضارة كبيرة في بلاد المغرب الأفريقي''.

والموطن الأصلي للفينيقيين بحسب أستاذ التاريخ، هو اليمن، التي هاجروا منها إلى كنعان، وكانت لهم حضارات في بلاد الشام، ثم في أرض المغرب، حتى أنهم وصلوا وقتها، إلى روما، وهذا خلاف ما تشير إليه بعض المراجع، التي تتحدث في نصوصها عن تاريخ الفينيقيين في بلاد الشام دون أن تذكر موطنهم الأصلي. أما بعد الإسلام شارك أهل اليمن في الفتوحات الاسلامية في أفريقيا، ليستقر الكثير منهم ،ويعيش هناك.

قبائل ذات نسب حميري

تشير عديد المؤلفات والمراجع التاريخية ، إلى أن القبائل اليمنية ذات النسب الحميري سكنت بلاد أفريقيا قديماً، أمثال ''كتامة''، و''صنهاجة العرب''، وصنهاجة هم قوم ينتسبون الى صنهاج بن حمير بن سبأ كما جاء عند علامة قريش ونسابتها الإمام الزُبير بن بكار بن عبد الله القرشي.

وصنهاجة هي كبرى الشعوب والقبائل اليمنية التي استقرت في شمال أفريقيا. ينقل ''رصيف22'' بعض الروايات المحلية المتداولة في اليمن حول ذلك، تقول واحدة منها:

"شعب أو قبيلة صنهاجة، هاجروا من اليمن إلى شمال إفريقيا قبل الإسلام بنحو ثلاثة آلاف سنة، ولا يزال شيئاً من آثارهم قائم إلى اليوم في مناطق مثل حضرموت ومأرب شرقي البلاد".

يعزز هذه الرواية، ما جاء عند علامة النسابة أبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، الذي يقول في كتابه (الإكليل): "إن لمتونة (متونة اسم قبيلة عاشت في بلاد المغرب) فخذ من صنهاجة، وصنهاجة فخذ من عبد شمس بن وائل بن حمير، وأن الملك إفريقش لما خرج غازياً نحو بلاد المغرب وأرض إفريقية وهي مشتقة من اسمه ، خلف بها من قبائل وزعمائها ،صنهاجة''. كذلك ما جمعه العلامة محمد الإغاثة في كتابه ( قواطع البراهين على حميرية قادة المرابطين). 

اللِيان: من أدوات المنزل، وهو اسم وعاء كبير من بلهجة بعض المناطق في اليمن والجزائر وليبيا. أما البُرمة فهو وعاء طعام مصنوع من الحجر.

ومن دلائل نسب بعض عرب إفريقيا الى حِمير، رسائل مخاطبة ملوك العرب وساداتها لهم، ومديح الشعراء في البلاط، يقول ابن حامد الأندلسي:

قوم لهم درك العلا من حميَرٍ..وإذا انتموا صنهاجة فهمُ همُ

لما حووا علياء كل فضيلة..غلب الحياء عليهم فتلثموا

وفي رسالة لملك إشبيلية المؤيد المعتمد بن عباد اللخمي الكهلاني السبئي، خاطب فيها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بقوله: "وأنت أيدك الله ملك المغرب أبيضه وأسوده، وسيد حمير ومليكها الأكبر وأمينها وزعيمها". كما جاء في ''الكامل'' لابن الأثير، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان.