عن ''أدب السيارات'' وذمار مصنع النُكت في اليمن (تقرير)

الجمعة 19 إبريل-نيسان 2024 الساعة 02 مساءً / مأرب برس-رصيف22
عدد القراءات 1634

من قبل التكنولوجيا وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، كان الحفظ والتناقل الشفهي للنكت هو الوسيلة الوحيدة لانتشارها وتداولها، أما اليوم فقد أصبح من السهل البحث عن أي نكتة، على الإنترنت، بل سنجد منصات وقنوات ومجموعات خاصة بالنكت فقط، ولا يهدف أصحابها إلى غير الضحك والإضحاك.

النُكت وجدلية الذوق العام

تحدث لرصيف22، الدكتور في علم الاجتماع، محمود البكاري، يقول " الطرائف والنكات، تدخل ضمن الأدب الشعبي، وهي نتاج أو تعبير عن اهتمام الناس بمختلف قضايا المجتمع؛ فيحولونها إلى نقد ساخر".

يشدد البكاري على مسألة مهمة وهي ضرورة التزام الناس، بالآداب العامة، عند قول وإطلاق النكت، فيقول: ''هناك ما يسمى بالآداب العامة، يلتزم بها الشخص، حفاظًا على مشاعر الآخرين، و كتعبير عن الذوق العام، بحيث يتجنب ذكر واستخدام الألفاظ الخادشة للحياء في النكت، وخاصة عندما تكون هناك نساء، فمن العيب أن يتعمد الشخص السب، أو استخدام الألفاظ البذيئة، وهو يقول النكتة''.

بينما يخالفه البعض ممن يرون أن على النكتة ككل أنواع الإبداع أن تكون حرة وغير محكومة بتحفظات، ومتخففة من القيود المجتمعية والسياسية والدينية، وإلا فإنها لن تصل إلى غايتها وذروتها.

ذمار مصنع النُكت

المواقف التلقائية الطريفة، وردود الفعل العفوية البسيطة، تصنع النكت، ومنها تُصاغ وتُكتب وتُذاع، ثم تنتشر. 

يرى البعض ضرورة التزام الناس، بالآداب العامة، عند إطلاق النكت، ويرى آخرون أن على النكتة أن تكون متخففة من القيود والتخفظ حالها حال كل أشكال الإبداع 

في اليمن سنجد أن أغلب النكت الشعبية، منسوبة في وقوعها وشخوصها لذمار. وهذا الحال في كثير من البلاد، ففي سوريا تنسب لأهل حمص، وفي فلسطين للخليل، وفي الأردن للطفيلة، أما في مصر فللصعيد.

ذمار هي محافظة يمنية تقع جنوب العاصمة صنعاء شمال البلاد، سكانها معروفون بخفة دمهم، وروحهم الجميلة، فإن زرتم اليمن أو دخلتم إلى واحدة من مجموعات النكت اليمنية، ستقرؤون وتسمعون الكثير من النكت والطرائف التي تبدأ بـ"ذماري" أو "واحد من ذمار...''.

أسعد البارد، من ذمار يقول لرصيف22 إن محافظته هي الأكثر تصديراً للنكت، ويضيف وهو يضحك: "لكن انقلب السحر على الساحر''، في إشارة منه إلى أن ذمار وأبنائها ومع مرور الوقت أصبحوا الأكثر تعرضاً للنكت.

وحول السر في ارتباط النكت بذمار والعكس، يوضح البارد أن الناس في ذمار ذوو طبيعة مرحة، والمُنَكْتْ في ذمار ويقصد الشخص المشهور بقول النكت، يحظى باهتمام اجتماعي كبير في حارته، والحي الذي يسكن فيه، أكثر من الوجهاء والعُقال، بخلاف محافظات أخرى، الناس يعتبرون فيها صاحب النكتة، بأنه شخص مُهَرج، ولا يهتم بحياته، وفق تعبير أسعد. 

ذمار هي مصنع نكت اليمن، سكانها معروفون بخفة دمهم، وروحهم الجميلة، فإن زرتم اليمن ستسمعون الكثير من النكت التي تبدأ بـ"ذماري فعل". 

تاليًا، اختار لكم رصيف22 بعضاً من الطرائف لشخصيات يمنية مشهورة، عُرف عنها المرح وحب الفُكاهة:

البردوني وزوجته وكتاب فن الطبخ

هذه واحدة من الطرائف المتداولة في اليمن تقول: "كان الشاعر الكبير عبد الله البردوني يرتاد المكتبات من فترة لأخرى، ليطلع على أحدث إصدارات الشعر، والفكر، والأدب، وكان يصطحب معه زوجته الأستاذة فتحية الجرافي، ويظل يتنقل من رف إلى آخر، ويتحسس الكتب بمعية زوجته لتقرأ له العنوان واسم المؤلف، فقد كان البردوني كفيفاً.

وفي إحدى المرات، حط البردوني، يده على كتاب ليسألها: هذا أيش عنوانه يا فتحية؟ قالت له: فن الطبخ. فرد عليها: هاه كيف تشوفي يا فتحية هذا الكتاب لو دخل بيتنا؟ أكيد بيخرب علينا صنع السلتة. (السلتة اسم وجبة شعبية).

الرئيس السلال وطريقة انتقال السلطة

تميز المشير الرئيس عبدالله السلال، وهو أول رئيس لليمن الجمهوري بعد ثورة 26 سبتمبر(1962-1967م)، بروحه المرحه وحسه الفكاهي، وكان واسع الاُفق، رَحِب الصدر، حتى سرت أحاديثه والنكات التي يطلقها مثلاً بين الناس.

يقول الإعلامي عبد الإله الطاهش، وهو مهتم بجمع النكت السياسية: ''الفرق بين الجمهورية والملكية، بحسب تعبير السلال، أن السُلطة في النظام الجمهوري تنتقل عن طريق الانتخابات، أما في الملكية فتنتقل السُلطة عن طريق الجهاز التناسلي''.

العلامة العمراني.. وليس الذكر كالأنثى

كان مفتي وعلّامة اليمن القاضي محمد بن اسماعيل العمراني رحمه الله، شخصاً فكاهياً بامتياز، يغلب على كلامه البساطة والنكتة وهو يجيب عن تساؤلات الناس في المسائل الفقيهة. ومن طرائفه، أنَّه سُئل دات مرة عن الفرق بين الدراسة قديماً وحديثاً، فأجاب: "درسنا بالجامع ودرستم بالجامعة، وليس الذكر كالأنثى".

ذمار.. وميناء ميناء يا سلال

في محافظة ذمار الجبلية، التي لا يجوارها البحر من أي جه، هناك حكاية شعبية طريفة متداولة، مفادها أنّ الرئيس السلال زار المدينة بعد ثورة سبتمبر 1962م، وأثناء إلقاء خطابه ارتفعت أصوات المواطنين بعبارة "ميناء ميناء يا سلال"، فقال لهم: "عليكم البحر، وعليَّ الميناء".

صدّقوا الحمار وما صدّقوا السيد

روى البردوني في مذكراته، القصة التي جاء منها مثل شعبي اشتهر في بعض مناطق اليمن، تقول القصة أو الطرفة أن قبيلي أراد أن يستعير حمار السيد لكي ينقل زوجته المريضة عليه، فما كان من السيد إلاَّ أن اعتذر قائلاً له بأن حماره في المدينة مع قبيلي سبقه واستعاره، وبينما كان السيد يعتذر، سمع القبيلي وزوجته المريضة، الحمار ينهق من الداخل، نظر الزوجين إلى بعضهما البعض تعبيراً عن الدهشة. فاتخذ هذا السيد موقف دفاعي لحماية نفسه من الحرج، فقال العبارة الشهيرة: "ما عادبش إسلام.. يصدقوا الحمار وما يصدقوا السيد". فذهبت مثلاً.

 

نكت السيارات في اليمن

يمتلك محمد، محلاً لتزييّن السيارات، وسط العاصمة اليمنية صنعاء، يأتي إلى الخطاط الذي يعمل لديه، الزبائن يطلبون منه كتابة عبارات على زجاج سياراتهم ومركباتهم المختلفة، هذه العبارات تأخذ أشكالاً متنوعة، فمن الممكن أن تكون أشعاراً، نصائحاً، مقولات شعبية، أدعية، جُملاً طريفة، وغيرها، ولكل عبارة دلالة معينة. 

من النكت التي يتناقلها اليمنيون إلى اليوم عن الرئيس السلال قوله أن السُلطة في النظام الجمهوري تنتقل عن طريق الانتخابات، أما في الملكية فتنتقل عن طريق الجهاز التناسلي 

هذه الظاهرة منتشرة في اليمن، كما في بعض البلدان العربية، وتسمى مجازًا بـ"أدب السيارات".

يقول محمد لرصيف22، إن غالبية الزبائن الذين يطلبون كتابة عبارات على سياراتهم هم من اختاروها، وآخرون، يختارون عبارات جاهزة. وتأتي العبارات الطريفة والملفتة كأكثر العبارات طلباً في مَحال زينة السيارات، ولدى الخطاطين.

وكتعبير عفوي بسيط، تعكس العبارات المكتوبة على زجاج السيارات ووسائل النقل المختلفة، جانباً من حياة اليمنيين، حيث يعبرون فيها عن همومهم ومشاكلهم، أحلامهم وطموحاتهم، وعن أمنياتهم العالقة. فيكتبون أبياتاً من الشعر، أو كلمات لشخصات معروفة وأقوال مأثورة، وشيئاً من الأدعية يتحصنون بها في سفرهم، كذلك عبارات غزلية، وأمثال شعبية، وأشياء أخرى.

قام معد هذه المادة، بجولة في بعض الشوارع، ورصد عدداً من العبارات الطريفة المكتوبة على السيارات ووسائل النقل. بعض من قابلهم رصيف22 قالوا إنهم من الأشخاص الذين يحبون قراءة تلك العبارات، وبعضهم مهتمون بالتقاط الصور لها، وصنف ثالث غير مهتم.

من فوائد أدب السيارات أنها تُغير المزاج، وفق ما قالته، دعاء الزمر، التي تحكي قصة صورة التقطتها في عدن لسيارة مكتوب على زجاجها الخلفي: "ضحكتك.. أمل بالبلد التعبان". تعلق دعاء قائلة: "التقطت هذه الصورة في عز الحر والضيق وفعلاً ضحكت".

وعن المزاج، كُتبت هذه العبارة على إحدى الباصات: ''المزاج؟ عذر رسمي يجب إحترامه''.

خُذوا الحكمة من زجاج السيارات

وعلى طريقة خذ الحكمة من زجاج الباصات والسيارات، كتب هذا السائق هذه العبارة :"علمته العزف، وغنى على فراقي"، وآخر قال : "ارتوينا بالكلام، وبالأفعال متنا عطش"، وشخص ثالث، كتب بيت شعر: "إن قل مالي فلا خِل يصاحبني.. وأن زاد مالي فكل الناس خِلاني"، وعبارات أخرى مثل: "الناس معك على قدر اللي معك"، و"الثقة العمياء مقبرة الأوفياء"، و"أصعب شيء في الحياة الخيانة"، وأيضاً "رفيق المصلحة مثل مال الحرام ما يدوم"، و"الجمايل لا تردونها.. قدروها وكثر الله خيركم"، و"الخسارة خسارة الجنة أما الناس ذهاب وإياب".

ومن عبارات الحب المكتوبة على وسائل النقل، انتقينا هذه: "مكتفي بك"، و"إذا كان قلبك مجروح فقلبي صيدلية مفتوح"، و"نلتقي أو لا نلتقي... أنت في حفظ الله وفي قلبي"، وأيضاً "لا تلمس الجرح إذا ما عندك علاجه".

لكن، رغم وجود عبارات الحكمة والغزل والأدعية، إلا أن الفُكاهة هي ما يسيطر على أغلب العبارات التي قد نشاهدها مكتوبة على السيارات والباصات، مثلاً: "يا بابا لا تسرع ماما بتتزوج غيرك"، ومن العبارات الطريفة "من حرك الصحن يتحمل ضياع الإشارة''، والمقصود بالصحن هنا الستالايت، وعبارة أخرى مكتوبة على باص تقول: "جاء يُقللي اللي انكسر يتصلح..هي مشاعر ناس مش صحون أمك"، و"راقبني من بعيد واستمتع بالندم"، و "حاول تهدا".

كذلك: "اشتي أسافر أكمل فشلي في الخارج"، و"يا مستقبلي دورتك ما لقيتك، رجعت اشتريت لي باص".

عن هذا النوع من العبارات يعلق حسن الحاشدي لرصيف22 بقوله: "هذه العبارات من الأدب الشعبي، فوسائل النقل العام أو الخاص، فيها حصاد وافر من انعكاسات واقعنا المحبط". 

من العبارات الطريفة على السيارات: "من حرّك الصحن يتحمل ضياع الإشارة''، و"جاء يُقللي اللي انكسر يتصلح..هي مشاعر ناس مش صحون أمك" 

أما صاحب باص أسود فكتب عليه: ''أسود بس قلبه أبيض''. وثان قال: "مجنون بس حنون"، وإلى سائق آخر يُلخص مفهومه للحياة، بعبارة كتبها على الباص، تقول: "الحياة فلم رعب.. والأيام الحلوة إعلانات"، وكتب سائق رابع :''فُل الحمدلله، إلا مراعي لمن يركب"، وعبارة أخرى مكتوبة بالعامية على باص تقول ''عَتُسْبُر ما عْذُر مِن خير''.

إلا أن هناك مأخذاً وفق ما قاله الناس في اليمن لرصيف22- وهو أن البعض قد يكتب عبارات مسيئة، أو عنصرية، أو خادشة للحياء والذوق العام، وهنا يأتي دور الجهات المعنية كالمرور، لضبط ذلك. إضافة الى أهمية توعية السائقين بضرورة تهذيب ما يكتبون على سياراتهم وباصاتهم.

اكثر خبر قراءة أخبار اليمن