على أبواب حرب أهلية
بقلم/ نائف حسان
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 3 أيام
الخميس 02 يونيو-حزيران 2011 01:04 ص

وضع الرئيس علي عبدالله صالح نفسه في مأزق صعب؛ فهو إذ أعطى ظهره للخيار السياسي، وضع الخيار العسكري المتبقي له في امتحان مبكر افقده امتياز الهالة التي أحاط نفسه بها بحضور الحرس الجمهوري، في الذهنية العامة (إن جاز هذا التعميم المخل) كهراوة لتخويف الخصوم، وتأكيد امتلاكه نصيباً وافراً وحاسماً من القوة. ولئن قالت معركة "الحصبة" إن الرئيس صالح لن يكون بإمكانه حتى حماية العاصمة، وفرض سيطرته الكاملة عليها؛ فسقوط معسكرات الحرس الجمهوري في "نهم"، وذمار، وأرحب، تقول أكثر من ذلك. ويكمن خطر ذلك، على الرئيس ونظامه طبعاً، في إمكانية استمرار تآكل القوة العسكرية الباقية تحت سيطرته؛ عبر تساقط معسكرات أخرى. وهذه من الأمور التي تترتب عليها مصائر الأنظمة والحكام، خاصة أولئك الذين يعيشون لحظاتهم الأخيرة في الحكم.

نجح الرئيس في امتصاص صدمة الانشقاق الكبير في الجيش، الذي أحدثه اللواء علي محسن، لكن الوقت لم يعد في صالحه، سيما وقد دفع بالأمور نحو الخيار العسكري، ولم يتمكن من حسم معركة بسيطة في "الحصبة".

ما هي الخيارات الممكنة لدى الرئيس صالح؛ بالنظر إلى التطورات المتسارعة؟

بعد انشقاق علي محسن؛ ظلت الذهنية العامة تُرجح كفة الرئيس صالح في حال اللجوء إلى الخيار العسكري. بيد أنه فقد اليوم هذه الأفضلية المتخيلة، أو يفترض أنه فقدها، أو في طريقه لفقدانها. لماذا اختار الرئيس المواجهة العسكرية، أو دخلها، إن كان غير قادر على حسمها؟ أين هو الحرس الجمهوري؟ وإلى ماذا يستبقيه الرئيس؟

لعل الرجل جر الشيخ صادق الأحمر وإخوانه إلى هذه المواجهة، لكن الأرجح لدي، اليوم، وبعد ستة أيام على تفجر مواجهات "الحصبة"، أن النتيجة، على حالتها الحالية، لم تكن كما يريد. صحيح أنه تم التأكيد للعالم أن هناك صراعاً داخل القبيلة الحاكمة، غير أن الحقائق على الأرض تقول إن الرئيس صالح تلقى هزيمة عسكرية داخل العاصمة صنعاء؛ وعلى بعد نظر من قصره. والحقيقة أن الرجل بحاجة إلى أي شيء إلا حاجته لهزيمة جديدة. ويبدو أن حسابات الرئيس ستخونه أيضاً؛ إذ يمضي في معركته دون الانتباه إلى أن الوقت يُعزز سلطة خصومه ويضعف سلطته، التي تبدو اليوم كما لو أنها تسير نحو الاضمحلال.

يتجلى النظام كما لو أنه يعمل ضد ذاته، عبر أشياء كثيرة بينها افتعال أزمات حياتية مباشرة بحياة الناس (أزمة غياب الديزل والمشتقات النفطية والغاز والانقطاع المستمر للكهربا والمياه سيما في العاصمة) الهدف منها التخويف من اليمن ما بعد النظام القائم، فيما هي تدفع نحو تصاعد الغضب الشعبي ضد النظام، وتعجل بسقوطه. والواقع يقول إن ما تبقى من "الدولة" القائمة (هل قلت دولة؟!) تفقد القدرة على أداء وظائفها البسيطة، مع اشتداد هذه الأزمات، ما يجعل سقوط النظام تحصيل حاصل.

لا يخفي النظام وقوفه خلف هذه الأزمات، ولا يخجل من توزيع المواد التموينية على مناصريه دون بقية أبناء الشعب، خاصة في العاصمة صنعاء. والواقع أن هذا الأمر يُقدم النظام بطريقة مخجلة ومعيبة. والمؤكد أن هذه الأمور ستضرب ما تبقى من سلطة للنظام في الوعي الشعبي المحايد؛ إذ لا يبقى مبرر لاستمرار نظام حاكم لا يستطيع تأمين ضروريات الحياة اليومية للناس، ويستخدم سلطته لعقاب الناس بذهنية قطاع الطرق. غير كل هذا؛ فسيواجه الرئيس، في حال استمر الوضع على ما هو عليه أشهر أخرى، أزمة اقتصادية خانقة ستصل إلى عجزه الكامل عن دفع مرتبات موظفي الدولة. هل يدرك الرئيس حجم وأبعاد هذه الكارثة، وما الذي سيترتب عليها؟ هل فكر بالأمر؟

يبدو الرجل اليوم سهلاً وضعيفاً أكثر من أي وقت مضى. ويفترض به أن يكون ضعيفاً أكثر حتى من اليوم الذي أعلن فيه الجنرال علي محسن انشقاقه عن نظام حكمه. لقد حاول الرئيس مواجهة انشقاق الجنرال بلملمة أوراقه، واستعادة قدرته على المبادرة، بيد أن قوته العسكرية الباقية تتساقط من بين يديه، فيما يتزايد مناصري خصومه القبليين والعسكريين، الذين بدءوا يترجمون الصراع على شكل انتصارات حية على أرض الواقع.

في البداية؛ أدرك الرئيس أنه يواجه ثورة حقيقية، لكنه استغل انضمام علي محسن وأولاد الأحمر لتقديم الثورة كما لو أنها مجرد صراع داخل القبيلة الحاكمة، ومحاولة للسيطرة على الحكم. وإذ راقه محاولة إضفاء هذا الطابع على ثورة الشباب المتمثلة بالاحتجاجات الكبيرة والمتنامية؛ لم يتبع إجراءات ذكية تضمن رحيله مع خصومه الذين تقافزوا من سفينة نظامه وأرادوا لها أن تغرق به وأسرته فقط. كان بإمكانه إضعاف خصومه عبر دفع الثورة نحو مدى أبعد يتجاوز مطلب تغييره وأسرته إلى تغيير المنظومة العامة التي استند عليها نظام حكمه. عوضاً عن ذلك؛ حاول الرجل التشبث أكثر في الحكم، واتبع آلياته القديمة في محاولة مد نظامه بالقوة! وفيما تبدو هذه الأيام الثورة، وشبابها المرابطون في الساحات، في موقع المتفرج؛ ترتفع مؤشرات علي محسن، وأولاد الشيخ، وتلك هي المشكلة التي تدفع الرئيس نحو المكابرة، والعناد.

كان الرئيس، في البدء، لا يريد أن يذهب من الحكم كديكتاتور ثار عليه شعبه، فيما يبقى من تقاسموا معه الحكم ثواراً يتوقع أن يكونوا جزءاً من تركيبة النظام بعد الثورة. أما اليوم فهو لا يريد أن يذهب كديكتاتور ثار عليه شعبه، فيما يبقى من تقاسموا معه الحكم في موقع المنتصر.

حاول الرجل تحويل الثورة إلى صراعات شخصية بينه وبين مراكز القوى التقليدية التي رافقته طوال مسيرة حكمه. لكن إلى أي مدى يُمكن للأمر أن يبقى كذلك في حال تفجرت حرب ومواجهات عسكرية واسعة؟ لدى الرئيس مناصرون قبليون، ولديه معسكرات، لكن عليه أن يدرك أن علي محسن وأولاد الشيخ سيُقاتلونه اليوم مسنودون ببريق الثورة ورايتها (بغض النظر عما يضمرونه وما يرمون إليه)، فيما سُيقاتل هو كحاكم متشبث بكرسي الحكم. الأهم هو أن على الرئيس أن يدرك أنه ما من مجال، أو إمكانية، أمامه للانتصار في هذه الحرب، لأنها لن تظل حرباً بينه وبين علي محسن وأولاد الأحمر، بل ستكون حرباً بين رئيس متشبث بالحكم منذ 33 عاماً، وبين شعب ينشد الحرية والديمقراطية. بإمكان الرئيس أن يدير المعركة بذكاء بما يجعل الحرب قائمة بينه وبين خصومه التقليديين، غير أن ذلك غير ممكن إذ خاض المعركة وهو على وضعه الحالية، الذي يظهر فيه كرئيس حكم 33 عاماً، ويتأهب للقتال من أجل البقاء فترة أخرى في كرسي الحكم.

 ما هي الخيارات الممكنة اليوم أمام الرئيس صالح؟ أعتقد أنه مازال بإمكانه العودة إلى المبادرة الخليجية، وطاولة المفاوضات، وبإمكانه هنا الحد من فعالية خصومه في نظام ما بعد الثورة. يتمثل البديل الآخر في الذهاب بالخيار العسكري إلى أبعد مدى، وتلك هي الكارثة التي سيُعزز عبرها من رصيد خصومه، وسيضع فيها نفسه في مواجهة مباشرة مع الشعب، والمجتمع الدولي. وعملياً؛ فهذا الخيار ليس مجدياً، وتجربة القذافي، الذي أصبحت نهايته وشيكة، دليل حي على تأكيد ذلك.

مازال الوقت سانحاً للعودة للخيار السياسي، وعلى الرئيس صالح أن يدرك أنه سيذهب، إذا ما قرر ذلك، إلى طاولة المفاوضات وهو أكثر ضعفاً من السابق، وهذا مأزق وقع فيه كثيرون لم يدركوا أهمية الزمن، وحساب المتغيرات، في المفاوضات السياسية؛ كما لم يدركوا حقيقة ما هم فيه، أو ما أصبحوا عليه.

*عن صحيفة "الأولى" اليومية